في لحظة تأمل بين دفتي مجلات علمية تعجّ بالبحوث الرصينة، وقعت عيني على عنوان لافت، يحمل قدسية المكان وروح الحدث: «الرسائل الاتصالية والإعلامية الموجهة للمعتمرين من قبل الهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي بالحرم المكي خلال شهر رمضان المبارك 1445ه»، بحث علمي نشرته مجلة البحوث العلمية الصادرة عن كلية الإعلام بجامعة الأزهر، ويلخص رسالة ماجستير أعدها الطالب، يعقوب تركستاني، تحت إشراف، الدكتور لطفي الزيادي، من قسم الاتصال والإعلام بكلية الآداب بجامعة الملك فيصل. ولعل أكثر ما شدّني ليس فقط دقة العنوان ولا قدسية موضوعه، بل ما كشفته الدراسة من ملامح احترافية في التواصل مع المعتمرين، الذين تجاوز عددهم 36 مليون معتمر في 2024، رقم يعكس حجم الجهود المبذولة، ويجعل من الإعلام شريكًا لا غنى عنه في التنظيم والتوجيه والتأثير. الدراسة لم تأتِ فقط لتسجّل تجربة، بل لتحلل وتفكك آليات الاتصال والإعلام التي تبنتها الهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي خلال شهر رمضان، في واحدة من أكثر الفترات ازدحامًا وشعورًا بالروحانية؛ الباحث استخدم المنهج الوصفي التحليلي، مدعومًا بأداة علمية دقيقة هي تحليل المضمون، ليصف مضامين الرسائل الإعلامية من حيث الشكل والمحتوى، ثم يقيس تأثيرها وفق نظريتين راسختين في علوم الإعلام.. نظرية الاستخدامات والإشباعات، ونظرية الاعتماد على وسائل الإعلام. ومن قلب الأرقام، يتجلى المشهد أوضح: في عام 2019 بلغ عدد المعتمرين 19 مليونًا، وانخفض خلال عامي الجائحة 2020 و2021، ثم عاد للصعود في 2023 ليبلغ قرابة 27 مليونًا، وصولاً إلى 35.68 مليون معتمر في 2024، وفق الهيئة العامة للإحصاء. وسط هذا الزخم البشري الهائل، كيف خاطبت الهيئة المعتمرين؟. الدراسة أجابت عن هذا السؤال بلغة الأرقام والتفاصيل، إذ وثقت 890 منشورًا أصدرتها الهيئة في رمضان 1445ه، كانت إنستغرام في صدارة المنصات ب327 منشورًا، تلاها إكس، فيسبوك ويوتيوب؛ وأكثر ما لفت الأنظار هو الفيلم القصير. «أنا الفريدة»، الذي تجاوز 12 مليون مشاهدة، وأحدث تفاعلاً واسعًا، عابرًا للمنصات. لم تكتفِ الهيئة بالإعلام الرقمي، بل جمعت بين الوسائل التقليدية كالصحف والتلفاز، ووسائل الاتصال المباشر كالمعارض والمهرجانات، إلى جانب الإعلام الجديد، لتقدّم نموذجًا متكاملاً في مخاطبة ضيوف الرحمن؛ هنا يظهر بوضوح التفاعل بين الهوية الروحية للحرمين، والاحتراف الاتصالي العصري الذي يقوده نخبة من المختصين. الباحث لم يغفل أيضًا الحديث عن برنامج خدمة ضيوف الرحمن الذي أطلق عام 2019 برعاية خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- محققًا أهدافًا سامية.. تسهيل الوصول للحرمين، رفع جودة الخدمات، وإثراء التجربة الدينية والثقافية. أما الهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، فهي لم تكن مجرد جهة إشراف، بل مؤسسة قائمة بذاتها، مستقلة ماليًا وإداريًا، تحمل رسالة نبيلة: تمكين القاصدين من أداء العبادة على بصيرة، في بيئة آمنة، طاهرة، ومثرية؛ وهذا لا يتحقق إلا بكفاءات بشرية مؤهلة، وشراكات متجددة، وتقنيات حديثة. في ختام دراسته، يخلص الباحث إلى أن الوسيلة الإعلامية حين تُصمم باحترافية، فإنها تلفت الانتباه وتترك أثرًا طويل الأمد في ذاكرة المتلقي، بشرط ألا تكون مملة، بل جادة ومؤثرة، تنقل معلومة ثمينة؛ أما نجاح الخطة الاتصالية والإعلامية، فيكمن في صدق الرسائل، وجاذبيتها، وسهولة وصولها إلى الجمهور المستهدف بأوسع نطاق ممكن. هكذا تبرهن الدراسة على أن لغة الحرم لم تعد مقتصرة على صوت الإمام أو مشهد الطائفين، بل باتت تُنقل عبر منشورات رقمية، وأفلام قصيرة، ورسائل محكمة، تخاطب العقل والقلب معًا، وتصل حيث يكون المعتمر، في زمن أصبح فيه الإعلام شريكًا في كل شعيرة وخطوة. 36 مليون معتمر.. ووراء كل خطوة رسالة.