ولو لاحظنا سنوات التطور الإنساني على المستوى المعرفي وأشكال التحضر والنهضات، لوجدنا أن الموسيقى تأخذ حيزاً واسعاً ومهماً في أشكال هذه المراحل، بل إن أعظم المنظرين للموسيقى كانوا صفوة الأجيال من الفلاسفة والمعلمين الكبار، ونذكر منهم غير إخوان الصفا: الفارابي.. والذي تناول الموسيقى في مؤلفه الشهير (كتاب الموسيقى الكبير) الذي كان مستوفياً لكافة جوانب الصناعة الموسيقية، والذي لاقي رواجاً عظيماً بعد ترجمته في أنحاء العالم الحديث. والفارابي كفيلسوف أدرك مبكراً في عصور الإسلام الأولى ما ينحى إليه المتشددون صوب تعقيد حياة الناس والعبث بها. ثم لحق به الشيخ الرئيس «ابن سينا» الذي كرّس في بحوثه الكثيرة دور الموسيقى في صلة الروح بالجسد، فالموسيقى عند ابن سينا لا يمكن عزلها عن موقفه الفلسفي الذائع الصيت، فقد أخضع الموسيقى لصالح الأخلاق، وكانت الشخصية المتطورة لديه تجمع بين الكمال الجسماني، والسمو الروحاني والأخلاقي.. ومن هنا تبرز تربية الموسيقى لهذه الشخصية، ومن هنا أيضاً اشتهرت أفكار ابن سينا بالتماسك والجمالية والانتظام. وقد أورد الموسيقى كعلم في كتبه «الشفاء»، و«النجاة»، و«داتش نامه: أي كتاب المعرفة». ولا ننسى في تاريخ فلاسفة الإسلام ودورهم في الموسيقى الفيلسوف الكندي يعقوب بن إسحاق، الذي أسس مصطلح الموسيقى وأضاف الوتر الخامس، وكتب مبدئياً نظرية الموسيقى العلمية. وقد اشترك ابن سينا والكندي والفارابي في التنظير للعلاج بالموسيقى سواءً جسدياً أو نفسياً. وسنطرق في المقال القادم-إن شاء الله- الحديث عن العلاج بالموسيقى!