بعد هذه العاصفة التي حلت ببحر الخليج ثبت بما لا يدع مجالا للشك أن هذه المركبة التي تضم دولا ستا بشعوبها والتي أبحرت في تاريخ التعاون بعدما دشن قادتها الكبار سفينتهم، هذه السفينة الصامدة لم ولن تكون يوما عرضة لخلل يصيبها فقد بنيت بأيدي رجالها بمواد تاريخية حقيقية وليست صناعة مفتعلة لأوطان طارئة على التاريخ عنوان هذا المقال هو عنوان لكتاب صدر حديثا للكاتب: احمد محمد الطويان، وهو إعلامي مثقف وكاتب مقال أسبوعي في صحيفة عكاظ السعودية، هذا الكتاب يتابع بدقة موضوع البحرين وتطورات أحداثه التي جرت خلال الفترة الماضية تلك الدولة القطعة من ارض الخليج العربي الغالي علينا جميعا حيث استطاع الكاتب أن يصف بكل دقة ومهنية عبر هذا الكتاب الممتلئ بالمعلومات الدقيقة ما يجري على ارض الواقع في البحرين. لفت نظري في هذا الكتاب بجانب معلوماته القيّمة ذلك المزج في الأسلوب الأدبي المميز بين البحرين الدولة وبين شخصية اقتسمتها الأقدار بين المملكة العربية السعودية والبحرين إنها شخصية الشاعر والمفكر والوزير غازي القصيبي لقد حرص الكاتب على أن تعلو معظم فصول هذا الكتاب مقطوعة شعرية يمتزج فيها التاريخ بالسياسية حيث يعبَر فيها شاعر الخليج الدكتور غازي رحمه الله واسكنه فسيح جناته عن مكنون شعري تجاه هذه الدولة الغالية. استهل الكاتب إهداءه في هذا الكتاب بقوله "إلى الخليج.. بيتنا الكبير.... بوصلة الحياة ولونها" وكتب بعد هذا الإهداء في مضمون كتابه ما دل فعليا على أن الخليج ظل وسوف يظل قطعة واحدة لا تقبل سوى التوحد مهما اختلفت أطياف سكانه حيث ذكر الكاتب في مقدمة كتابه تلك العبارة مخاطبا الخليج الذي أهداه هذا الكتاب: "هذا التلاحم الرائع بين أبناء الخليج يعيد تأكيد حقيقة بالغة الأهمية، مفادها أن دول الخليج قدرها أن تكون كيانا واحدا، تواجه التحديات بإرادة واحدة ونهج واحد، إرادة قادرة على درء الخطر والتصدي لرياح الفتنة وروح التحريض وقطع اللهب التي تحاول التسلل عبر نوافذ الطائفية والمذهبية" انتهى كلامه. تحدث الكاتب عبر تسلسل تاريخي عن تاريخ البحرين العميق جدا في مسار البشرية كلها وعن تلك التطورات المهمة في حياة هذا الوطن الذي غرس في التاريخ نبتا يصعب تجاهله ثم انتقل للحديث عن تجربته أثناء زيارة البحرين ولقاءاته المتكررة مع كبار المسئولين هناك لقد تحدث الكاتب عن شخصيات البحرين الحقيقية وكيف تتعامل مع واحدة من أهم الأزمات التي تواجه بوابة الخليج التاريخية دولة البحرين. استشهد المؤلف ببيتين من الشعر للراحل غازي القصيبي في احد فصول كتابه يقول فيهما (خليج إن حبال الله تربطنا... فهل يقربنا خيط من البشر) تحدث في هذا الفصل عن الدور الخليجي الذي اثبت بما لا يدع مجالا للشك أن الخليج قطعة واحدة غير قابلة للانقسام بل هي كتلة صنعها التاريخ لتكون هكذا في سبيل وحدتها الطبيعية التي خلقها الله سبحانه وتعالى. البحرين كما خلص الكاتب مسيرة تاريخية طويلة رصعت بجواهر الانتماء إلى البيت الكبير الخليج ورصعت بجواهر الوطن الذي يستوعب الجميع دون استثناء أو تمييز بين طوائفه. في الحقيقة هذا الكتاب بمثابة مدخل جميل لي للتعرف على البحرين من الداخل وفي عين العاصفة كما وصفها الكاتب في ذات الوقت وما جرى فيها من تلك الأيام العصيبة وما فعله إخوة البحرين في الخليج من ترابط ووحدة تجسدت في الوقوف جنبا إلى جنب مع هذه الدولة التي لم ولن تكون مسرحا لمن يرغب في التشويش على وحدة الخليج وامن دوله وسكانه. كثير من الأسئلة التي دارت في ذهني قبل أن اكتب حرفا واحدا عن هذا الكتاب ولماذا يجب أن افعل وهل يستحق ذلك...؟، هذا الكتاب من وجهة نظري مهم لسبب وحيد هو انه خرج إلى النور في عز الأزمة ثم إن فلسفة الكتاب تقوم على فرضية أثبتت الأيام مصداقيتها وهي أن البحرين لن يكون مسرحا للطائفية وسوف تزول كل هذه العاصفة تدريجيا وهذا ما أصبحنا نسمعه اليوم عبر الإعلام من المسئولين عن إثارة هذه الفتنة وخاصة الخارجيين منهم. هذا الكتاب وثق وحدة الخليج فعليا وكيف تداعت دول الخليج عندما استدعت الحاجة إلى تدخل إخوتها بعد أن حاول من حاول من مستخدمي الطائفية الولوج إلى البحرين لتكرار تجربتهم في زرع سمومهم الطائفية بين أبناء الوطن الواحد، وهنا رسالة يمكن أن يفهمها كثيرون أن الخليج لا يمكن أن يكون مسرحا لعمل سينمائي طائفي ينتهي بتصفيق المشاهدين. بعد هذه العاصفة التي حلت ببحر الخليج ثبت بما لا يدع مجالا للشك أن هذه المركبة التي تضم دولا ستا بشعوبها والتي أبحرت في تاريخ التعاون بعدما دشن قادتها الكبار سفينتهم، هذه السفينة الصامدة لم ولن تكون يوما عرضة لخلل يصيبها فقد بنيت بأيدي رجالها بمواد تاريخية حقيقية وليست صناعة مفتعلة لأوطان طارئة على التاريخ لذلك وخلال الثلاثين عاما الماضية من عمر مجلس التعاون الخليجي يلحظ المتابع أن هذا البناء السياسي والتاريخي لهذه الدول يزداد صلابة يوما بعد يوم. إن المحيطين بدول الخليج والذين قدر لهم أن يكونوا على ضفاف خليجنا العربي يدركون حقيقة التوحد الذي يسقي هذه الدول المتماسكة في منظومتها المجتمعية والسياسية والاقتصادية مهما تباينت اتجاهاتهم العرقية أو المذهبية. إن تجربة زرع الفتنة الطائفية في الدول الخليجية لم تؤت ثمارها عبر تجارب كثيرة مرت بها هذه الدول عبر التاريخ وحاول الكثيرون اختبار هذا التماسك مرات ومرات ولعل لذلك أسبابا كثيرة تتجاوز الحرب الإعلامية التي يمكن أن تثار في هذا الجانب منها على سبيل المثال أن المنظومة السكانية في الخليج عموما والبحرين خصوصا مهما بدت تتشكل من سنة وشيعة إلا أنها تثبت دائما أن إيمانها بالتاريخ السياسي والحضاري الذي يجمعها فوق تراب الخليج اقوى بكثير من تنصيب الطائفية شعارا لتحركاتها. اليوم البحرين تعود إلى حالتها الطبيعية تدريجيا بعد أن ذابت عاصفة اختلقت من الشرق ولكنها لم تنجح كما نجحت في أماكن غيرها ولذلك فالدرس الذي يمكن تعلمه اليوم أن تجربة الطائفية التي نجحت في زرع منظومة عسكرية في لبنان لا يمكن أن تنجح في الخليج أو غيرها مناطق العالم وذلك لأسباب كثيرة ومنها أن بيئة المقاومة ضد إسرائيل موجودة في لبنان بشكل تاريخي أقدم بكثير من فكرة الطائفة وما تم زراعته لا يعدو منح هذه المقاومة عنوانا طائفيا فقط. الخليج اليوم وسوف يظل لن يؤتى من خلال الطائفية مهما بلغت العواصف قوة لان التاريخ لا يساهم أبدا في زرع الفتنة الطائفية إذا كانت هناك مشتركات سياسية واقتصادية وديمجرافية مترسخة في الأرض كما في دول الخليج هذا الدرس يتم تعلمه من المحيطين بالخليج يوما بعد يوم.