صندوق تنمية الموارد البشرية: توظيف 562 ألف مواطن ومواطنة في 2025    وزير الطاقة: تحالف أوبك+ يسعى للمحافظة على استقرار مستدام في أسواق النفط    بتوجيه من القيادة.. وزير الدفاع يلتقي أمير دولة قطر    أمين منطقة تبوك يطلق أعمال فريق منظومة الطوارئ والأزمات التطوعي    السعودية وتركيا تؤكدان تعميق الشراكة الاستراتيجية وتوسيع التعاون الاقتصادي    الحُمدي يشكر القيادة بمناسبة ترقيته للمرتبة الرابعة عشرة بالرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء    11 فبراير: إطلاق النسخة ال 35 من معرض ريستاتكس الرياض العقاري 2026    أمير الرياض يعزي في وفاة محمد بن خالد السديري    دور الإعلام في الاقتصاد وتحليل البيانات.. جلسة حوارية في المنتدى السعودي للإعلام    قسم الإعلام في جامعة الملك سعود يطلق مشاركته في المنتدى السعودي للإعلام 2026    نادي ثقات الثقافي والشريك الأدبي يقدمون أمسية "رمزيات الأدب العربي في الخيل"    استقرار مؤشر الدولار والين ينخفض قليلًا    يوسف النصيري يعزز صفوف الاتحاد    «إسرائيل» سمحت بسفر خمسة مرضى فقط من أصل 50 عبر معبر رفح    يوم عمل أمير القصيم في مركز قبة    أمير الشرقية يستعرض الخطط المستقبلية لتنمية القطاع السياحي وتطويره    تعزيز تجربة زائرات المسجد الحرام    شراكة تنموية ودعوية بين «قرة» وجمعية الدعوة بشقراء    «الصناعة» تستقبل الأفكار الابتكارية    القادسية يعبر الخليج في ديربي الشرقية    سفراء يناقشون دور الإعلام في صناعة دبلوماسية التأثير    كريستيانو رونالدو يعود لتدريبات النصر    أكملت سندات دولية ب 4 مليارات دولار.. أرامكو السعودية.. ثقة عالمية وقيمة مستدامة للمساهمين    تحت رعاية الأمير عبدالعزيز بن سعود.. مدير الأمن العام يشهد تخريج الدورة التأهيلية للفرد الأساسي للمجندات الدفعة ال (8) بمعهد التدريب النسوي    مجلس الوزراء برئاسة ولي العهد: الموافقة على السياسة الوطنية للغة العربية    المعلم المميز    أفعى تقتل أشهر مطربة في نيجيريا    «المسامحة» في الحوادث المرورية.. لا تُعتد    اللواء الركن ساهر الحربي يرأس الاجتماع السنوي الخامس لقيادات القوات الخاصة للأمن البيئي بمنطقة حائل    أكد الاستجابة لدعوات السلام.. البرهان: الجيش السوداني يفك حصار كادوقلي ويتقدم نحو دارفور    تأكيد على أهمية اتحاد الدبلوماسية لمواجهة الشائعات.. إعلاميون يناقشون «سباق السمعة» وتحولات المشهد الرقمي    من عوائق القراءة (2)    طرد الأحلام!    لتهدئة التوتر وتجنب اندلاع صراع إقليمي.. 6 دول في مفاوضات إسطنبول بين واشنطن وطهران    أكدت على حصر السلاح.. حكومة لبنان تدعو حزب الله للتعقل    ضبط قاطعي أشجار في تبوك    مختص: سماعات البلوتوث لا تسبب أمراض القلب    الرئيس الأميركي يعلن قرب الاتفاق مع كوبا.. وخفض رسوم واردات الهند    بيان الرئيس ترمب شديد اللهجة    أنماط مستخدمي الذكاء الاصطناعي    علامات الفاسد إداريًا والقضية 11    «المتحف الوطني».. سردية الإنسان من الحجر إلى الدولة    مجمع الملك سلمان يدعو لمؤتمره الدولي الخامس    "حي هوا" الثقافي ينطلق في ميادين الدرعية    لوكمان: فخور بالانتقال إلى أتلتيكو مدريد وأسعى لصنع الفارق    بنزيما.. قنبلة الميركاتو الشتوي    المملكة توزع (390) قسيمة شرائية في مديرية القبيطة بمحافظة لحج    البصيلي مفوضًا للإفتاء بمنطقتي عسير وجازان    انهيار صفقة أتلتيكو يؤزم مستقبل ليوناردو    دراسة: 40% من حالات السرطان في العالم كان يمكن الوقاية منها    نائب أمير جازان يعزي شيخ شمل السادة الخلاوية وتوابعها في وفاة والده    مجلس الوزراء يوافق على السياسة الوطنية للغة العربية    مستشفى الملك خالد بالخرج يقدّم أكثر من 2.7 مليون خدمة صحية    المفتي يكلف أعضاء «كبار العلماء» بالفتوى في المناطق    المملكة تعزي شعب الكونغو جراء انهيار منجم    فيتامين B1 ينظم حركة الأمعاء    تقنيات روبوتية لاستعادة أعضاء بشرية    نائب أمير نجران يلتقي قائد حرس الحدود المعيَّن حديثًا بالمنطقة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



التراث العقدي في تماسه بالسياسة (4)
نشر في الرياض يوم 11 - 07 - 2009

من ضمن ما شكَّل مفاصلة عقدية بين الفرقاء (العقديين) في تاريخ الملل والنحل في الإسلام، ما أُعتبر من طرف أهل (السنة) بالذات بمثابة إنكار، أو تعطيل للصفات الإلهية من بعض الفرق. وسنكون، في طَرْقِنا لهذا الموضوع - أعني إنكار أو تعطيل الصفات - أمام تساؤل محوري على شاكلة ما مر بنا من أسئلة في الحلقات الماضية. السؤال هو: هل كان إنكار أو (تعطيل) الصفات، مع التحفظ على التسمية، بمثابة تجريد عقدي قَصد به من (تكلم) فيه محادة الله ورسوله لذات المحادة، أم أن وراء أكمة (التعطيل) ما وراءها من دوافع سياسية؟. سيرتكب الباحث الموضوعي - الذي يحاول أن يتحرر من ضغوط القراءة التقليدية للتراث العقدي - خطأً مضاعفاً إن هو اعتمد على ما تقرره المدونات العقدية من عرض لآراء الفرق (المعطِّلة)، مفصولة تماماً عما يحركها من طبائع العمران البشري. أما إذا استصحب تلك الطبائع، وعلى رأسها ما يتصل بعالم السياسة، فسوف لن يفغر فاه متعجباً، إذا ما توصل إلى حقيقة أنه حتى فيما يتعلق بصفات الباري سبحانه، فإن (الكلام) فيها كان ذا صلة وثيقة بذلك العالم، عالم السياسة.
مما هو معلوم من التاريخ الإسلامي بالضرورة، أن الأمويين دشنوا حكمهم بما بات يعرف بالقول ب (الجبر)، الذي يعني أنهم (مجبرون) على كل ما قاموا به من مظالم، بما فيها سياساتهم المالية (العنصرية)، ضد من أسلم من غير العرب!، تلك السياسة التي أدت بهم - الأمويين - إلى فرض الجزية على تلك الحشود التي دخلت في دين الله أفواجاً، من غير العرب، بحسبان أن الإسلام لم يخالط أفئدتهم!. ولنقض هذه الأطروحة الجبرية، فقد عمد المعارضون للسياسة الأموية، وهم كُثُر، إلى تشييد نظريات وأطروحات بديلة، تنطلق من الدين الإسلامي نفسه، كما انطلق الأمويون لتشييد نظريتهم في (الجبر) من الدين أيضا. كانت الأطروحة الجبرية الأموية تعتمد على حقيقة أن الله تعالى، إذ هو يعلم الأشياء، بما فيها أفعال الأمويين قبل خَلْقها، فإن ذلك يعني أن أفعالهم كانت معلومة ومقدرة منه تعالى. هذا الإدعاء الجبري راموا منه إعفاءهم من أية مسؤولية أخلاقية أوقانونية ترتبت، أو ستترتب مستقبلا على ما سيفعلونه من أعمال في سبيل توطيد ملكهم. ولنقض، أو لنقل: المساهمة في نقض، الأساس الديني الميتافيزيقي للأطروحة الأموية، فقد اضطر من تصنفهم مصادرنا العقدية ب (مرجئة الجبرية) إلى (الكلام) في الصفات الإلهية، بحثا عن صيغة دينية تنقض الإدعاء الأموي بأن الله تعالى قد قدَّر بسابق علمه أنهم سيظلمون الناس، ويبغون في الأرض بغير الحق!.
لكن قبل الحديث عن تلك النظرية، لابد من التأكيد هنا أن كلا الرجلين كانا معارضيْن حركيين ضد الأمويين. الأول انضم إلى ثورة يزيد بن المهلب، الذي أعلن خلع الخليفة يزيد بن عبدالملك، ودعا إلى أن تكون الخلافة شورى بين المسلمين: (نقض ادعاء قرشية الخليفة)، فتمكن منه يزيد بن الملك وقتله بواسطة خالد القسري سنة مائة وأربعة وعشرين للهجرة. أما الثاني فقد شغل منصب وزير للحارث بن سريج، الذي ثار على هشام بن عبدالملك خالعاً طاعته ومنادياً بالحكم الشوري، والذي قتل، هو الآخر، سنة مائة وثمانية وعشرين للهجرة. وهنا أقول: إن أياً منهما سواءً الجعد، أو الجهم، لو لزم جماعة الأمويين ولم يدخل في عش دبابير المعارضة السياسية فلن تطلبه عيون الخليفة، مثلما لن يُحشر اسمه أو طائفته في المدونات العقدية مع المزندقين أوالمكفَّرين، حتى وإن قال ما قال. وإن كنت في شك - عزيزي القارئ - مما أزعمه هنا من علاقة معارضة كل من الجعد والجهم، بما آل إليه أمرهما في الفضاء العقدي الإسلامي، فانظر في سيرة (ابن الراوندي) الذي (كان ملحداً، يقول بِقِدَم العالم وانتفاء الصانع)، لكن مع هذا الفارق، وهو أنه كان يعتبر السياسة وبلاطها خطاً أحمر لا يجوز الاقتراب منه، ولذلك، عاش آمناً في سربه معافى في بدنه، لم تتعقبه أجهزة الدولة حينها، ولذلك، لم يكن حاضراً في المدونات العقدية بمثل حضور (المتكلمين) المعارضين!. وكنت، عندما لم أزل طالباً في محراب التلقي التقليدي، أستغرب موقف ألمعي مثل ابن القيم في تزكيته فعلة خالد القسري ب (تضحيته) بالجعد بن درهم يوم عيد الأضحى، بذبحه إياه في أصل المنبر!، بقوله في نونيته:
ولأجل ذا ضحى بجعد خالد ال .... قسري يوم ذبائح القربان
إذا قال إبراهيم ليس خليله ..... كلا ولا موسى الكليم الداني
شكر الضحية كل صاحب سنة ... لله درك من أخي قربان
كنت أستغرب كيف فات على ابن القيم - رحمه الله - إدراك المغزى السياسي لما (تكلم) فيه الجعد، الذي ضُحي به لأجله. مثلما كنت أستغرب كيف غاب عنه - رحمني الله وإياه - أن الله تعالى لم يشرع مثل تلك القتلة المرعبة التي نفذت بالجعد، حتى في الحالات التي شرع فيها القتل، حداً أو تعزيرا. إضافة إلى عدم إدراكه حقيقة أن شخصاً مثل خالد القسري سيئ السيرة، ظالماً، فتاكاً، لم يكن مؤهلاً لتزكيته حامياً لحمى العقيدة!.
أعود للنظرية الجعدية الجهمية التي عارض من خلالها الرجلان السياسة الأموية بواسطة (الكلام) في الصفات. يقول الدكتور محمد عابد الجابري في كتابه: (نقد العقل السياسي العربي): (نظرية جهم في الصفات، وما يلزم عنها من القول ب (خلق القرآن)، كانت موضوعاً لردود فعل حادة من طرف أهل السنة؛ لأسباب سياسية ومذهبية. لقد فهموها كما يفهم الخصم آراء خصمه. في حين أن وضع هذه النظرية في السياق العام لتفكير جهم، وفي إطار مشاغله السياسية والأيديولوجية يزيل عنها ما يبرر وصفها ب (التعطيل)، وغيره من النعوت الأيديولوجية. ترى ما تلك المشاغل السياسية والأيديولوجية التي اضطرت جهماً، ومن قبله أستاذه الجعد بن درهم، ل (الكلام) في الصفات الإلهية إلى الحد الذي أُتهِما فيه ب (التعطيل)؟. لم تكن تلك المشاغل السياسية شيئاً أكثر من محاولة نقض أيديولوجيا الجبر الأموي. فقد كانوا - أي الأمويين - كما ذكرنا آنفا، يزعمون أن الله تعالى ساق إليهم الخلافة بسابق علمه، قضاءً وقدرا. وبما أن علمه تعالى (نافذ) لا محالة، فسيكون ذلك إيذاناً بأنه عز وجل، تعالى عما يزعمون، كان قد حتم عليهم أن يرتكبوا ما ارتكبوه من مظالم في سبيلها، ومن ثم خلو ذممهم من كل ما يتعلق بتلك المصائب والمظالم، التي ارتكبوها، من مسؤولية، سواءً في الدنيا أو في الآخرة. ولكي يرد جهم هذه الأطروحة الفاصلة بين أعمال الإنسان ومسؤوليته عنها، كان عليه أن (يتكلم) في الصفات الإلهية بمنطق يُبرِّئها من أن تكون مزكية لادعاء الأمويين بأنهم مجبورون على ظلم البلاد والعباد.
والسؤال هنا هو: ما الأطروحة الفكرية التي (تكلم) من خلالها جهم في صفات الباري تعالى، لنقض أيديولوجية الجبر الأموي؟. قبل الإجابة عن هذا السؤال، لابد لنا من التأكيد مرة أخرى أن الرسالة التي تحاول هذه السلسلة من المقالات أن تبثها في وعي القارئ، هي التأكيد أن المعارضة العقدية، التي تفرق من جرائها المسلمون فرقاً شتى يكفِّر بعضها بعضا، ليست، في حقيقتها، إلا لباساً (دينياً) ظاهرياً يخفي وراءه باطنَ معارضةٍ سياسية ليس إلا. التشيع مثلا، كمذهب عقدي، كان في أساس نشأته استجابة لظروف سياسية، هي ظروف الطرف الذي خسر المعركة (حربياً) فتحول إلى معارض يريد أن يربحها فكرياً، على اعتبار أن الفكر الذي سيدعم الأحقية (الدينية) بالخلافة، هو الطريق الأسهل للوصول إليها، بعد أن باءت ثوراته المسلحة بالفشل. مثلما أن التسنن، كمذهب، كان هو الآخر استجابة لتطورات سياسية تخص الطرف الذي ربح المعركة، ويريد أن ينشئ نظرية فكرية تسوغ - بأثر رجعي - تلك التطورات السياسية، لكونها متوافقة مع ما يقرره (الشرع). هكذا يجب أن نموضع الأمور من الناحية التاريخية، إذا أردنا أن نتزحزح قليلا باتجاه الخروج من عنق الزجاجة.
(يتبع)


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.