لا يزال هنالك كثير كثير مما يجب الوقوف عنده في أسرار البناء الأخلاقي والقيمي للحارة القديمة، التي كانت تبدو لكثيرين وكأنها جزء من العيش الاعتباطي الذي لا تنتظمه قاعدة، ولا يحكمه ضابط.. في حين أن واقع الأمر وبقليل من التأمل في بعض مشاهد الحارة القديمة، وطريقة تفاعل مفرداتها بعضهم مع بعض، يضع أيدينا على سرّ ذلك التوازن العجيب في كيفية ضبط الأمور داخل الحارة، وكيفية تعامل الناس مع تلك الضوابط، وهي في الإجمال ضوابط لا يحكمها غير العرف السائد، الذي كانت تصل سلطته في بعض الأحيان إلى ما يشبه الفرمانات العسكرية، وفي هذا التقرير سنحاول استدعاء بعض تلك الصور من أقاصي الذاكرة لنقرأ من خلالها واقع ذلك المزاج العام من التسامح، وسيادة جو الوئام الذي ما عاد يُمكن فرضه الآن إلا بحضور سيارات الدوريات، وعدم غيابها عن مدى الرؤية. ولأن هذه المقدمة قد لوّحت ضمنيا للمسألة الأمنية.. فسنبدأ إذن ب (الفتوات). تقرير - فهد السلمان الفتوات لا يُمكن أن تكون هنالك حارة من دون أن يكون لها فتوتها، وهي وإن كانت لا تُعرف غالبا بهذا الاسم على وجه التحديد.. إلا أننا سنستخدمه فقط كمصطلح شعبي لأنه يشكل قاسما مشتركا في الفهم العام لدور أولئك الشباب الذين يصنفون بالمشاغبين أو الأشقياء، في حين أنهم هم من يقف في وجه تفاقم الشغب، أو انفلات العبث الصبياني إلى ما لا تحتمله قيم الحارة. والفتوة هو أكثر شبان الحي جرأة، وإن لم يكن أكثرهم شجاعة أو قدرة على القتال والعراك، وهي لا تستقيم لأيّ شاب كيفما اتفق، وإنما تأتي نتيجة عدد من الاحتكاكات والمشاجرات العابرة التي تستطيع في النهاية أن تفرز أحدهم ليكون هو فتوة الحيّ، بحيث تنضوي إليه كل العناصر التي لا تجد ذاتها إلا في مثل هذه المعارك التي تحقق فيها موقعها في الحي ّ، ويتمحور دور الفتوة على الانتصار للضعيف أيا كان، فهو اليوم مع هذا الطرف لأنه الحلقة الأضعف، لكنه لن يكون مباغتا ولا غريبا إن وقف ضده في اليوم التالي لأنه أصبح في الموقف الأقوى، ولا نستطيع أن نقول إنه (روبن هود) الحارة، وإن كان يشبهه، فهو لا يسرق الطعام بالضرورة من الأغنياء ليطعم الفقراء، وإنما هو يشبهه لأنه يهتمّ بتحقيق قيمة ما في الأمن الاجتماعي ما كانت ستتم لو لم يتصد لها. والطريف في الأمر أنه رغم أن الفتوة يصنف في الإطار العام فيما يشبه مرتبة زعيم العصابة من حيث مهابة الجانب، وتفادي الاحتكاك به، فهو (الشرّي) في المقياس العام، إلا أنه في واقع الأمر لا يُعاني الإقصاء أو الرفض من قبل أهل الحي لأنهم يدركون أن دوره سيبقى ضروريا لإحلال الأمن الاجتماعي بين الصبيان، ومنع أو حتى قمع التجاوزات التي قد تجرّهم (هم) للدخول في خلافات لا تحمد عقباها . غير أن الأكثر طرافة أن الفتوة سرعان ما يفقد اسمه الحقيقي لصالح لقب يُطلق عليه، وسيعرف به طيلة حياته، إلى حدّ أن القليلين فقط الذين سيتذكرون اسمه الحقيقي واسم عائلته أمام طغيان لقبه.. أمّا جولاته المفاجئة ومن خلفه أتباعه أو معاونوه فإنها تظل جزأ من هيبة الحارة، إلى درجة أن بعض الخصومات قد يتم إخفاؤها عنه طلبا للسلامة، حيث يعود المتخاصمون بمجرد رؤية طلعته إلى اللعب سويا وكأن شيئا لم يكن، ما لم تكن الخصومة أكبر من أن يتم إخفاؤها. كما أن الفتوة ليس خصما لفريق في الحارة دون فريق، فهو في النهاية، وكما تملي عليه قيم الفتوة مطالب بالانتصار لأيّ شاب من أبناء حارته ضدّ أي غريب، حتى ولو كان هذا الشاب قد دخل في عراك مع الفتوة قبل دقائق، لأن قاعدة (أنا وأخوي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب) هي التي تحكم منطق العلاقات. بل إن الكبار قد لا يكلفون أنفسهم كثيرا في الدخول في تفاصيل خلافات الصبية، إذ يكفي حال علمهم بنشوبها أن يوجهوا باستدعاء الفتوة لإنهاء الخلاف، والحل الذي سينتهي إليه لا بد وأن يكون مقبولا من الجميع حتى وإن خرج البعض بخبطة في الرأس تسيل منها الدماء. هذا الدور المتفق عليه اجتماعيا لا يُقابل بمكافأة، لكنه أيضا لا يُقابل بالرفض، مما يعني أنه دور متفق عليه ضمنيا لأن الحاجة تفرضه لضبط إيقاع حياة الصبية والشباب في تلك الأحياء التي تختنق بسكانها كما تختنق بهمومها. المجانين وجه الحارة الباسم: والمجنون هي الصفة التي تطلقها الثقافة الشعبية على بعض المرضى النفسيين ممن فقدوا شيئا من أهليتهم العقلية، بحيث يرفع عنهم القلم الاجتماعي فلا يُحاسبون على ما يصدر عنهم بما هو أكثر من الزجر.. لكن الحارة لا تتجاوز هذا المكوّن أو تنفيه أو تفكر في البحث عن مستشفى يبعده عنهم، ما لم يكن مؤذيا بشكل لا يُطاق، فهو في النتيجة عنصر فاعل في إثارة البسمة بين الناس، وتخفيف حدّة قسوة الحياة، فإذا كان المجانين (كما يقال) هم (الذين يمزقون الأقنعة والحجب) فإنهم في الحارة القديمة الأشخاص القادرين دوما على جعل الناس في مواجهة أنفسهم بلا أقنعة حينما يدخلون بتعليقاتهم أو بتصرفاتهم مناطق محظورة لا يجرؤ على دخولها الأسوياء.. حتى ولو تلميحا، بمعنى أنهم في أحيان كثيرة يمثلون التعبير غير المزيف جهة بعض ما هو سائد، ومما لا يستطيع سواهم الخوض فيه من دون لوم.. لذلك كثيرا ما يتمّ تناقل أقوالهم بين الناس مع ابتسامة عريضة تنمّ عن الرضا أكثر مما تشي بالسخرية، حتى وإن حاولوا خداع أنفسهم بذلك. والمجنون في الحارة شخص يمتلك الحق كل الحق في اقتحام حياة كل الناس دون ضوابط دقيقة فهو يأكل في المطبخ أي مطبخ متى عضه الجوع، ويجلس إلى كبار الحي كما يجلس إلى الصغار والنساء، لذلك هو في الغالب بريد السخرية المتنقل، الذي يستطيع أن يجعل من غيابه حدثا بحدّ ذاته، بحيث لا يبقى أحد إلا ويسأل عن سر اختفائه. ولأن الحارة في الأساس لا تحتفي كثيرا بما يُسمى اليوم بالخصوصية، فإن المجانين هم من يضطلع بتدمير أي خصوصية، لأن مدى تحركهم لا يقف عند حدّ ولا يمنعه أي باب مغلق، وقد دأب العرف الاجتماعي على احتضان هذه الفئة ليس من باب الشفقة، وإنما على أساس أنهم جزء من النسيج العام الذي لا تستقيم الحياة إلا به. فحتى ذلك الذي يضع بين ساقيه عسيب نخل ويجري في الطرقات كما لو كان يمتطي جوادا مطهما ، لا يُنظر إليه على أنه مادة للسخرية أو التندر، بقدر ما هو جزء من ملامح الحارة التي لا تتنكر لتفاصيلها مهما كانت، ولا تزيّف وجهها، فهي تتصالح مع كل عللها، كما تتصالح مع جمالياتها، وهذا ما جعل أولئك المرضى أقل إيذاء، وأكثر حضورا في صوت الحارة العام. ليل الحارة بين وجع الربابة وآهات الولهى : لا تخلو الحارة أيّ حارة غالبا من باحة مظلمة، أو مسيل واد مجاور، يمثل المكان الأكثر ملاءمة لاحتضان مساءات الساهرين الراغبين في بث لواعجهم مع قوس الربابة، أو الدندنة على العود بعيدا عن الأعين والأسماع، وهو ليس مكانا سريا فالجميع يعرفه ويعرف من يرتاده، وهم فئتان من الشباب إما عاشق وله يريد أن يفجر مكنونات عشقه بنغم ينساب مع عتمة الليل إلى قاع الوجدان، أو هاو يتمنى أن يتقن العزف على آلة موسيقية، تلك الأمكنة كانت تشكل الوجه الآخر للحارة، وهو وجه مرفوض شكلا لكنه مقبول مضمونا، فالذين يرفضونه لا يذهبون لما هو أكثر من ذلك، رغم أن هنالك من يرفضه في العلن، ويتسلل إليه في الظلمة ليلهو مع رفاقه قليلا، وهذا الوجه المخفي عن الأنظار، الذي يشتعل مع أمسيات القيظ حيث يتحلل الشباب من أسر البيوت شتاء، يكشف حجم التسامح الذي كان يسود تلك المجتمعات، مما يحقق مبدأ الترويح في الحدود المقبولة.. لأن أكثر ما يُمكن أن يحدث في تلك الأمسيات هو أن يتخلص الساهرون من عبء يومهم الثقيل المكلل بالعمل الشاق ليبثوا أشجانهم على نغمات: ملّ عين جزت والنوم ما جاها.. يا الله إني دخيلك راح مضنوني و(ملّ عين) تعني (من لعين؟)، وهي التي يعلق عليها العشاق أشجانهم المفعمة بالشوق للحبيب، وهو أسلوب يغلب على معظم الشكاوى التي يحركها الفن الشعبي في سياق دوزنته لإيقاع الحياة المكبل بكثير من المصاعب والمتاعب. وتحتل هذه الأمسيات مكانا مهما في سلم الترفيه البريء الذي لا يبلغ مرتبة الإسفاف لأن كل ما يحدث تحت جنح الظلام يظل محكوما بقيم الحارة التي ما مارست القمع حتى مع ما ترفضه أو تحاول أن تمنع أبناءها من الاقتراب منه، لأن الجميع يعرف أن تلك النشاطات التي يشيح المجتمع وجهه عنها تجاهلا، ما هي إلا شيء من العبث أو اللهو الذي لا يجوز إعلان الحرب عليه، ودفع الباحثين عنه إلى ممارسته بسرية أكبر، وهذا أحد أسرار نجاح الحيّ القديم في التصالح مع نفسه من دون الخروج عن النص. التجربة سر النجاح لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح في هذا الصدد هو كيف استطاعت الحارة أن تصل إلى هذه المعطيات، رغم أننا كنا نتهم مجتمعات الحارة بالجهل والتخلف، وارتفاع نسبة الأمية ؟، وللإجابة عن هذا السؤال، لا بد من أن نستوعب القضية الأهمّ، وهي أن تلك الخبرات التي شكلت بواسطتها الحارة القديمة معايير قيمها وأعرافها، هي خبرات ناجمة عن التجربة، التي توارثها الناس جيلا بعد جيل، وبما يتفق مع طبيعة مجتمعاتهم وأنماط التفكير فيها، لأنه مهما اتسعت دائرة المعارف فإن النظام الاجتماعي لا يُمكن أن يكتب له النجاح باستيراد نظرية من هنا وهناك، ومحاولة فرضها على أرض الواقع، أو بمحاولة رفض كل ما لا يروق هذه الفئة أو تلك، وإنما يتمّ من خلال الإيمان بأن المجتمع بمكوناته لا بد وأن يعيش حياته بالتصالح بين مفرداته، وبما لا يُخلّ بالإطار العام.. وهو ما حدث في نظام الحارة الذي يُمكن لو قرأناه بتمعن لاكتشفنا أن كل ما يحسب له من النجاحات إنما جاء نتيجة سيادة لغة التصالح مع الذات، وهذه هي الخطوة الأهمّ في بناء المجتمع الأكثر نقاء، والأكثر قدرة على تحاشي الصعاب. في الحيّ القديم.. لا تزال هنالك صفحات كثيرة لم تفتح بعد، ومن واجبنا أن نعيد فتحها وقراءتها بوضوح، حتى نسترد منها ما يُلائمنا، لأنها تشكل الجذر الرئيس لمجتمعاتنا الحاضرة، وبالتالي فهي الأولى مما عداها لأن تكون الأنموذج الذي يُمكن أن نقيس بواسطته حركة نمو مجتمعاتنا، وأين أخفقت وأين نجحت؟. هذه بعض ملامح الحارة التي لا تزال تسكن الذاكرة، تنقش في أعماقها تيمة جميلة تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد.