يظل الشعر العامي مصدراً تاريخياً لا يستغني عنه الباحث في تاريخ الجزيرة العربية بصفة عامة وتاريخ المملكة العربية السعودية أثناء فترة التوحيد خاصة، فإننا نجد فيه من الدلالات التاريخية الشيء الكثير منها ما يتوافق مع المذكور في المصادر التاريخية ومنها ما ينفرد به هذا الشعر من معلومات نادرة. لقد كان دخول الملك عبدالعزيز الأحساء سنة 1331ه نقطة تحول مشهودة في تاريخ البلاد السعودية وكان له آثار سياسية واقتصادية وعسكرية واجتماعية، في هذا السياق أطلعت على قصيدة عصماء للشاعر الأحسائي مبارك بن حمد العقيلي ( 1293- 1374ه) نظمها وهو مقيم في دبي مهنئاً الملك عبدالعزيز بعد دخوله الأحساء عندما بشره (مساعد بن بتال) بذلك والحقيقة أن القصيدة التي جاءت في 44بيتاً تلفت النظر لعدة أسباب أهمها: 1- جودة القصيدة وقوة سبكها حيث جزالة الألفاظ وعمل المعاني وتتميز في نهجها بقربها من الشعر الفصيح سواء في بحرها أو ألفاظها - وليس ذلك بغريب فقائلها شاعر أريب أديب يجيد نظم القصيدة الفصيحة كما يجيد نظم الشعر العامي - ورغم ذلك فلم تحظ هذه القصيدة بالانتشار والاهتمام. 2- صدق العاطفة حيث إن الشاعر من أهل الأحساء الذين عايشوا الوجود العثماني وعانوا من ظلمه فقد سجن بلا سبب واضح وكان سجنه سبباً في مغادرته للأحساء. 3- إنها تحكي واقع الأحساء الاجتماعي والسياسي في ظل الوجود العثماني، ثم تقارن بينه وبين ما تحقق بدخول الملك عبدالعزيز الذي رفع راية التوحيد ونشر العدل والأمن. 4- إن هذه القصيدة تكتسب أهمية تاريخية وتعتبر وثيقة آنية للحدث حيث قالها الشاعر بعد علمه بالحدث مباشرة، وسجل فيها معلومات تاريخية أكدتها المصادر التاريخية فيما بعد، وقد تضمنت تعبيراً عن مشاعر أهل الأحساء نحو الملك عبدالعزيز وفرحتهم بدخولهم ضمن رعاياه. من هنا رأيت عرض هذه القصيدة التاريخية على القراء مع بيان مختصر لبعض الجوانب المضيئة واللفتات الإبداعية التي تكتنزها هذه القصيدة في ثناياها: أولاً: مقدمة القصيدة: قدم الشاعر لقصيدته كما جاء في مخطوطة ديوانه (كفاية الغريم عن المدامة والنديم) بمقدمة مختصرة متضمنة مناسبة القصيدة ومشاعر الشاعر نحوها حيث قال: "وفي سنة 1331ه وصل المرحوم مساعد بن بتال بشيراً لدخول الإمام بلد الأحساء وخروج العساكر العثمانية منها ونشط بساط الأمن في تلك الأنحاء بعد طيه، قلت: بشراً بهذا الدخول الذي هو الغيث لتلك الأرجاء. ثانياً: الاستهلال التصويري: استهل الشاعر قصيدة بتصريع البيت الأول كنهج كلاسيكي مصوراً في شطره الأول (بدور تامة) وفي الشطر الثاني (وروداً متفتحة) كمظاهر مشهودة تدل على حالة السرور والابتهاج التي يعيشها الشاعر ليعقبها في الأبيات التالية بمظاهر أخرى كالضحك والطرب وشدو الحمام والنور ثم يلمح في البيت السادس إلى موضوع القصيدة (عبارة تهاني عن بلوغ الأماني) ليقف يغني بها في ميدان الأفراح بعد طول انتظار حيث قال: بدور السنا تزهو بهالة تمامها وروض العلى فتح بورد اكمامها تضاحك ثغور الزهور من مطرب الحيا يسامر بها القمري مطوق حمامها إلى من شدت أغنى عن الناي صوتها بترديدها الشكر الآلهي ودوامها جرى الطبع حسن الوضع مطر ومطرب والألفاظ للمعنى يدل افتهامها عمود الفلق طر الدجا واتضح لنا سنى الصبح والشمس أبرز من غمامها صفى الجو عم الضو من لطف ربنا وكل سعى يقضي لنفسه مرامها عبارة تهاني عن بلوغ الأماني معان ارتبها واحكم نظامها يود استماع انشادها كل مخلص ذاته ظهور الحق غاية مرامها صبا اللطف هبت بالمطالب وانعشت بالافراج نفس طال عمر اغتمامها ثالثاً: التمهيد بالمقارنة بين الماضي والحاضر: استطاع الشاعر أن ينتقل بسلاسة من مشهد الفرح في المقدمة إلى مشهد الحزن التي كانت تعيشه الأحساء قبل دخول الملك عبدالعزيز كخطوة تمهيدية ضرورية قبل الدخول في موضوعها الرئيس فالمصادر التاريخية كالزركلي في (شبه الجزيرة العربية) وآل عبدالقادر في (تحفة المستفيد) وأحمد نخلة في (تاريخ الأحساء السياسي) غيره تؤكد أن الفوضى قد شملت البلاد وانقطعت السبل وكثر السلب والقتل حيث إن السلطات العثمانية قد أرهقت سكان المنطقة بالضرب، وعجزت عن حفظ الأمن خارج أسوار المدن، وأصبح السكان يتطلعون على من يخلصهم من الوضع الذي هم فيه وليس هناك غير عبدالعزيز، خاصة أنهم يدركون ما حققه أسلاف الملك عبدالعزيز من حزم وعدل، فوصلت إلى الملك عبدالعزيز مخاطبات من الأهالي يشكون فيها من الفساد والظلم والخوف الذي تعيشه الأحساء ويندبونه لمساعدتهم، فأعد العدة ووضع الخطة لدخول الأحساء بخطوات ذكية منها اتصاله بمن يثق فيه من سكانها لتزويده بالمعلومات وتهيئة الوسائل المعينة لدخوله الأحساء، قال العقيلي: علي ديرة يهظم بها كل مصلح ويكرم بها من هو سعى في هدامها بها عطل الشرع الإلهي وحكمت قوانين طاغوت حمتها طغامها وأهلها غدوا ما بين باير وخامل وهذا خراب الدار وأصل انعدامها