التعادل الإيجابي يحسم لقاء الفيحاء وضمك في دوري روشن للمحترفين    دعوة العالية تطلق البرنامج الافتتاحي للجاليات برعاية الراجحي الخيرية    ماسك يسعى لتعويض 134 مليار دولار من أوبن إيه.آي ومايكروسوفت    وزير الاقتصاد والتخطيط: تجربة النمو التحولية في المملكة نموذج استثنائي يتصدر جدول أعمال «دافوس»    مانشستر يونايتد يهزم مانشستر سيتي في أول مباراة تحت قيادة كاريك    وزير السياحة: مشاركة المملكة في دافوس 2026 لتحويل الحوار إلى نتائج    الولايات المتحدة تكشف عن هرم غذائي محدث يركز على البروتين والدهون الصحية ضمن إرشادات التغذية 2025–2030    الدكتور هادي اليامي يستقبل التعازي في والده بالرياض بعد غدٍ الاثنين*    ليالي صبيا تشعل «هذه جازان».. طربٌ أصيل وهوية تُدهش الزوّار    من الجاحظ إلى «حكاية الحداثة» لماذا صمتوا عن الغذامي؟    اقتلاع التطرف قرار وجودي    ما نصدقه أولا نعيشه أخيرا    ارتفاع حصيلة ضحايا العدوان على غزة إلى أكثر من 71 ألف شهيد    أول فريق أوروبي بقيادة سعودية يشارك في بطولة العالم بالعلا 2026    مركز الفلك الدولي : فلكيا: الثلاثاء 20 يناير غرة شهر شعبان    سامي الجابر ينتقد جيسوس    الاتحاد يرد على عرض فناربخشة لضم كانتي    نادي الخليج يوقع عقد رعاية مع وكالة الرؤية الرقمية للدعاية والإعلان    الداخلية : ضبط (18054) مخالفًا لأنظمة الإقامة والعمل وأمن الحدود خلال أسبوع    أيادٍ تحوّل الحِرفة إلى هوية اقتصادية    برعاية رئيس مركز قوز الجعافرة.. سهم أبو عريش بطلًا لبطولة الساحل الشتوية 2025    من الساحل إلى القمم.. جازان ترسم لوحة «الثراء الثقافي» في مهرجانها السنوي 2026    شقق الرياض وجدة والدمام ضمن القائمة الأعلى سعرا    قشرة الرأس: الأسباب والعلاج المناسب    ارتفاع طفيف في أسعار النفط عند التسوية    الأردن ترحّب بتشكيل اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة غزة    حائل تدخل موسوعة غينيس بأكبر مسيرة لسيارات الدفع الرباعي في العالم    وكالة "فيتش": التصنيف الائتماني للسعودية عند +A مع نظرة مستقبلية مستقرة    الرياض على موعد مع حفل توزيع جوائز صنّاع الترفيه السادس    «سلمان للإغاثة» يوزّع (1.000) سلة غذائية في ولاية شمال كردفان بالسودان    جائزة مؤسسة الملك عبدالله الإنسانية للخيل تختتم فعالياتها في الجنادرية    فيتنام تقصي الإمارات وتتأهل لنصف نهائي كأس آسيا تحت 23 عامًا    عقوبات أمريكية تستهدف شبكات تمويل جماعة الحوثي اليمنية    المملكة تعتمد تسجيل مستحضر «أنكتيفا» لعلاج مرضى سرطان المثانة وسرطان الرئة    أمير منطقة القصيم يزور مهرجان الكليجا في نسخته ال17 ويشيد بنجاحه وتحوله إلى أيقونة وطنية    الديوان الملكي : الملك سلمان غادر المستشفى بعد استكمال الفحوصات الطبية    رئيس جمهورية السنغال يُغادر جدة    الاتصال المؤسسي.. من إدارة الخطاب إلى صناعة الثقة    ليت العرب نورة    بيش تُجسّد تراثها وتاريخها في «ليالي المحافظات» بمهرجان جازان 2026    الحذيفي: الإسراء والمعراج رفعة للإسلام وتكريم للنبي صلى الله عليه وسلم    الجهني: سورة العصر منهج إنقاذ من الخسران    "اليعقوب" يرزق بمولوده الأول "يحيى"    الصحة القابضة تفتح التسجيل لملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026 بالرياض    أكد السعي لوقف النار بالحل السياسي.. الخريجي: السعودية تضع استقرار السودان أولوية قصوى    آل الشيخ يبحث تطوير الخدمات الرقمية بمجمع طباعة المصحف    بسبب إجراءاتها ضد «الأونروا».. غوتيريش يلوح بإحالة إسرائيل إلى محكمة العدل    نادي الصقور يتسلم 13 طيراً بعد تأهيلها    بتوجيهات خادم الحرمين وولي العهد.. 1.9 مليار ريال دعماً سعودياً لتنفيذ 28 مشروعاً باليمن    مختص: اليوم بداية الشبط وهذه علامته الفلكية    المواطن السعودي.. والمعادلة الصعبة    المسجد النبوي.. عناية وتنظيم    أعمال «جوازات الشرقية» على طاولة سعود بن نايف    نائب أمير تبوك يتسلم التقرير السنوي للأحوال المدنية بالمنطقة    "التطوع الاحترافي لأصحاب السمو والمعالي".. مبادرة تطوعية نوعية تترجم خبرات القيادات إلى حلول تنموية    أمير الرياض يؤدي صلاة الميت على والدة شقران بن سعود    انطلاق التقديم على البورد السعودي في الاختصاصات الصحية    وفاة والدة شقران بن سعود    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



فلسفة الصوم لا داعي لها

هل لشهر رمضان فلسفة خاصة به دون سائر الأشهر القمرية، ودون سائر العبادات.. لا أستطيع أن أحصي الكتابات التي ربطت بين شهر رمضان وبين الفلسفة. كان الكاتب الرافعي رحمه الله يقول: يحتوي شهر رمضان على ثلاثين حبة من الفلسفة، يأخذ المسلم الصائم كل يوم حبة.. ولكنه لم يقل لنا بعد استكمال العلاج الروحي وانتهاء الثلاثين حبة رمضانية، هل يصبح المسلم الصائم فيلسوفاً، وهل يصبح المسلم يقرأ في الفلسفة.. وهل يقدر المسلمون الفلسفة والفلاسفة.
وآخرون يصرون على وصف شهر رمضان بمدرسة ذات فلسفة، وأن له رسالة فلسفية: فهو مدرسة الروح والفكر والضمير، ودورة تكميلية للنواقص البشرية، وحملة تطهيرية، لتصفية الرواسب، التي تتكلس في قرارات الإنسان، خلال أحد عشر شهراً.. وهذا كلام لا علاقة له بالفلسفة المعروفة.. وعندي ان المسلمين شهدوا آلاف من أشهر الصوم، ولكنهم لا يعرفون الفلسفة كما يعرفها آخرون لا يصومون.. وعندي أن الصوم عبادة تشمل النفس والروح والجسد.. وهي تخالف بعض العبادات.. ولكنها تعلّم الصبر وترقق أخلاق المسلم.. وفي رمضان خيرات كثيرة ليست الفلسفة منها.. وهي خيرات دنيوية وأخروية، علمنا بعضها وجهلنا أخرى.. والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (لو تعلم أمتي ما في رمضان من الخير، لتمنت أن يكون رمضان العام كله) أو كما قال.
ويرى بعض الفقهاء أن شهر رمضان باب واسع من أبواب الفضيلة والمغفرة والرحمة، وبالتالي هو شهر يستطيع المقصر أو المذنب من الرجوع فيه إلى الحق وطلب العفو والمغفرة، وهذا لا علاقة له بالفلسفة من قريب أو بعيد..
ويحث شهر الصوم الصائمين على القرب من الله بالطاعات والصلوات وقراءة القرآن.. وهذه عبادات موجودة ويمكن القيام بها في سائر الأشهر القمرية.. وهي لا تؤدي إلى الفلسفة، ولا تعين عليها.. فاستغراق الصائم في العبادة، استغراق تعبدي لا استغراق نوراني أو تأملي، والفرق بين الاثنين كبير.
وآداب الصوم كثيرة منها: تقديم التوبة، والإقلاع عن المحرمات، والإكثار من الدعاء والاستغفار، وتلاوة القرآن، والاجتهاد في العبادة، وكثرة الصدقة، والإحسان وعدم رد السائل، وتخليص الذمة من سائر الحقوق، ونزع الحقد على المؤمنين، واستعمال الجوارح في الطاعات، وكفها عن المعاصي، وترك التنازع والتحاسد، وكف الأذى ولزوم الصمت.. وهي كلها من مكارم الأخلاق ولكنها لا تعين على الفلسفة، ولا تقرب إليها.. ولعل لزوم الصمت هي الصفة الوحيدة التي يكمن أن تكون مدخلاً من مداخل الفلسفة، والصمت يؤدي إلى التأمل.. ولكن لزوم الصمت في هذا الباب إنما يعني لزوم الصمت عن فضول الكلام وما لا فائدة فيه.. والفلسفة في نظر الفقهاء والدعاة من فضول الكلام ولا فائدة منها.. على أن لزوم الصمت و إن أدى إلى التأمل، فهي تأمل غير فلسفي، بل تأمل تعبدي.
وعند بعض علماء الإسلام أن رمضان (هكذا) لا يجوز بل لابد من القول: شهر رمضان، كما ورد في الآية الكريمة: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) وربط الشهر بالصوم وبالقرآن في هذه الآية إنما يعبر عن إيمان وعبادة، لا يعبر بالضرورة عن فلسفة معينة.. ويذهب آخرون إلى أن الجوع والعطش مدعاة إلى التفكير والتأمل والنزوع إلى الوحدة.. لكن الجوع والعطش الرمضانيين كما قرر الفقهاء لا علاقة لهما بهذه الصفات، إنما يهدف إلى تفكير الغني بالفقير، والممتلئ بالجائع، والمرتوي بالعطشان والقوي بالضعيف.. فهو يهدف إلى إشاعة روح المؤاخاة والمساواة بين المسلمين والتقريب بينهم.. وهو وإن كان يحمل نفساً فلسفياً إلا أنه لا يعين على تفكك النزعات النفسية عند الصائمين إلى وحدات صغيرة ليسهل التعرف عليها.
وفي شهر الصوم كما في سائر العبادات لا يجوز المجادلة والمناقشة التجريدية وهما أس من أسس الفلسفة.. كان أرسطو يسأل أسئلة لا تخطر على بال المستمعين، ويجادل مجادلة عقلية صرفة، وهما ذنبان لم يغفرهما له رجال الدين في أثينا، بحجة انه يُفسد عقول الشباب، وحكم على أرسطو بتجرع السم حتى الموت.. وفقهاء الإسلام ينحون هذا المنحى خصوصاً في شهر الصوم.. ويقولون قل خيراً أو اصمت.. وكما مر معنا فالصمت هنا يعني البعد عن التوسع في الكلام وتشقيق المعاني والأفكار.. وبالتالي فليس الصوم يعين على الفلسفة.. وليس لشهر رمضان فلسفة.
وفلاسفة الإسلام من مثل: ابن سينا ( 370- 438ه) وابن حزم ( 384- 456ه) وابن طفيل الأندلسي (5؟؟ - 581ه) والفارابي ( 257- 339ه) وابن رشد ( 520- 595ه) وابن باجه (؟ - 533ه) لم يقولوا بفلسفة شهر رمضان لم يقولوا بأن للصوم فلسفة خاصة به لا يشاطره فيها نوازع أخرى كالنزوع الى الصمت الإيجابي أو الجوع والتقشف كما عند متصوفة بعض المذاهب، وبالتالي لا يظهر، والله أعلم أن لشهر رمضان فلسفة خاصة به وكل ما قيل أنه فلسفة هو من باب الخطاب الثقافي العربي الواسع الذي لا يقيم للمصطلحات وزناً ومعياراً محدداً، ويلتزم ما اتفق عليه علماء الفلسفة.
والناظر الى ما يكتبه الكتاب والدعاة وقولهم بفلسفة الصوم إنما يعنون الجوع والعطش أو كما قال أحدهم أن معظم الأحاديث في الصيام هي من أحاديث فضائل الأعمال والترغيب، مثل حديث باب الريّان، وأن سبب اشتقاق اسم الباب (جزاء من عطش في سبيل الله أن يرويه)، ولذلك سمي بباب الريّان، ففي اسمه معنى البشرى للصائم جزاء على صنيعه. وبهذا يتضح أن العطش في الصوم لا يهدف إلى استغراق فلسفي، بقدر ما يعني الشعور بمعاناة من لا يملك الماء النمير.
ونخلص إلى أن شهر رمضان المبارك وكل ما فيه من أبواب العبادات الجسدية والروحية إنما هو شهر تعبدي صرف. وهو لا يشير الى منحى فلسفي إلا من حيث التغليب والتوسع في الكلام وعدم ضبط المصطلحات، وأني والله لأعجب أن يتكرر لفظ (فلسفة) عند التعرض لفقه الصيام والعبادة عند الفقهاء والدعاة، بينما يعارضون الفلسفة ويحاربونها. ولا يرون مسوغاً لفتح أقسام الفلسفة في الجامعات، ولا يؤيدون تدريس الفلسفة في التعليم العام.
وأرى أن ينأى بهذا الشهر الكريم وكل ما فيه وعدم إقحامه في ميدان الفلسفة. وهو لا يضيره ولا ينفعه أن يجتهد المجتهدون ليجدوا صلة بين الصيام وبين بعض الفلسفات. فالصوم ورمضان وكل ما فيهما إنما هي عبادات خالصة. ولا تتطلب أن تتوفر على مظاهر فلسفية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.