وسط أضواء المسرح وهمسات التوقعات، انطلق مؤتمر LEAP 25 التقني في العاصمة السعودية الرياض، ليس كحدث عابر، بل كبوابة تُفتح على عالم رقمي طالما حلمت به المنطقة. حمل المؤتمر شعار "نحو آفاق جديدة"، لكن ما جرى داخل قاعاته لم يكن مجرد شعارات، بل إعلان صريح عن ميلاد حقبة تقنية تُعيد رسم خريطة القوة الاقتصادية والابتكارية في الرياض، وتضع السعودية في قلب هذه الخريطة. لم تكن الأرقام المعلنة -14.9 مليار دولار- مجرد كمٍّ مالي ضخم، بل رسالة مفادها أن السعودية لم تعد تُنافس على لقب "المركز الإقليمي"، بل تسعى لتصبح الوجهة الأهم للذكاء الاصطناعي عالميًا. هذه الاستثمارات، التي شملت شركات مثل Google وAlibaba Cloud وLenovo، لم تأتِ من فراغ، بل هي ثمرة رؤية استباقية بدأت مع رؤية 2030، وتحوّلت اليوم إلى واقع ملموس. مع إعلان شركات مثل Databricks وSambaNova عن استثمارات في تدريب الكفاءات الوطنية، باتت الآمال معقودة على جيل سعودي شاب يُتقن لغة البيانات والذكاء الاصطناعي. فهذه الاستثمارات تعني أننا سنكون في الصفوف الأولى لقيادة الثورة التقنية، لا مجرد متفرجين. وبفضل البنية التحتية السحابية المتطورة التي أعلنت عنها Google وTencent، ستتمكن الشركات الصغيرة من الوصول إلى أدواتٍ كانت حكرًا على العمالقة، فالسحابة الذكية تعني أن أفكارنا ستتحول إلى منتجاتٍ أسرع بعشر مرات. عندما تختار Groq الأميركية وAlibaba الصينية السعودية مركزًا لإطلاق استثماراتها، فإن ذلك يرسخ فكرة أن السعودية لم تعد سوقًا استهلاكية، بل شريكًا في الابتكار. ومع إنشاء مراكز تصنيع متقدمة مثل مشروع آلات ولينوفو، ومراكز البيانات الضخمة لKKR. وباستثمارات مثل مشروع Qualcomm للغة العربية، تتحول السعودية إلى حارس للهوية الثقافية في العصر الرقمي. تقول ماريا فرنانديز، خبيرة في السياسات التكنولوجية "هذا إنجاز لا يقل أهمية عن اكتشاف النفط". وإطلاق نموذج "علّام" اللغوي بواسطة Qualcomm ليس مجرد مشروع تقني، بل هو انتصار لهوية ثقافية. الاستثمارات المشتركة مثل تعاون Aramco Digital مع Groq، أو شراكة STC مع Alibaba، تُظهر أن التكنولوجيا تُذيب الحدود، فالشرق يلتقي الغرب في الرياض. ومع إطلاق منطقة سحابية مدعومة بالذكاء الاصطناعي في الرياض، تضع السعودية نفسها في سباق مع مراكز مثل وادي السيليكون وشنزن، فالرياض قد تصبح عاصمة الذكاء الاصطناعي الناطقة بالعربية، وهذا تحدٍّ غير مسبوق. إذا كانت مؤتمرات عالمية مثل CES أو Web Summit تركّز على عرض الابتكارات الجاهزة، فإن LEAP السعودي يُعيد تعريف دور المؤتمرات التقنية عبر تحويلها إلى منصة لصناعة المستقبل، لا عرضه فحسب. فبينما تُعلن المؤتمرات العالمية عن منتجات، أعلن LEAP عن استثمارات ضخمة (أكبر من حجم اقتصاديات بعض الدول!)، وشراكات استراتيجية تُحوّل الخطط إلى واقع. إضافةً إلى ذلك، نجح المؤتمر في دمج البُعد الثقافي -كالتركيز على الذكاء الاصطناعي الناطق بالعربية- وهو ما يندر في المؤتمرات الغربية، مما يجعله جسرًا بين التكنولوجيا العالمية والهوية المحلية، وذراعًا لتحقيق رؤية وطنية طموحة قبل أن يكون حدثًا تقنيًا عابرًا. المؤتمر لم يكن نقطة نهاية، بل بداية لرحلة طويلة. محليًا، ستُختبر هذه الاستثمارات بقدرة السعودية على تحويل الأموال إلى ابتكارات، والأفكار إلى منتجات، والكوادر إلى قادة. أما دوليًا، فالتحدي الأكبر هو إقناع العالم أن "الاقتصاد الرقمي السعودي" ليس شعارًا، بل واقع قادر على منافسة الكيانات العريقة. لكن المؤشرات مبشّرة: عندما تُعلن Salesforce عن منصتها الإقليمية من الرياض، وعندما تُدرّب Alibaba المواهب السعودية، فهذا يعني أن العالم بدأ يرى في المملكة جسرًا بين الحضارات والتقنيات. تُجسّد هذه الاستثمارات العملاقة رؤية السعودية الطموحة لتصبح قطبًا تكنولوجيًا عالميًا، حيث يُشارك القطاعان العام والخاص في بناء منظومة تقنية متكاملة. كما تُعزّز هذه الخطوات مكانة المملكة كوجهة جاذبة للشركات الناشئة والعمالقة التقنية على حدّ سواء، مما يُسرّع تحقيق أهداف رؤية 2030 الرامية إلى تنويع الاقتصاد وخلق فرص عمل نوعية للشباب السعودي. وفي ظل هذه الطفرة التقنية، يبدو أن شعار المؤتمر "نحو آفاق جديدة" ليس مجرد كلمات، بل خارطة طريق تُعيد تعريف دور السعودية في تشكيل مستقبل التكنولوجيا العالمي. وكما قال وزير الاتصالات عبدالله السواحة: "نحن لا نستثمر في التقنية فقط، بل نستثمر في الإنسان وفي مستقبل الأجيال القادمة". المؤتمر لم يكن حدثًا تقنيًا فحسب، بل كان إعادة تعريف لهوية السعودية الاقتصادية. العالم رأى أن المملكة لا تستهلك التكنولوجيا، بل تصنعها، وتصدرها. واليوم، تُعيد السعودية كتابة تاريخها: من دولة النفط إلى أمة التكنولوجيا. والسؤال الآن: هل سيصبح LEAP 25 بداية عصر تُشرق فيه شمس التقنية من الرياض؟