احتفلنا الأيام الماضية بذكرى يوم التأسيس السعودي الذي يوافق 22 فبراير من كل عام وفقاً للأمر الملكي رقم (أ/371) وتاريخ 27 يناير 2022. وهذا اليوم الخالد يأتي ليبرز العمق التاريخي والحضاري والثقافي للمملكة والإنجازات الوطنية الكبرى على مدار ثلاثة قرون من الشموخ والعزة والكرامة والتمكين حيث يمثّل الذكرى الوطنية لتأسيس الدولة السعودية الأولى عام 1139ه (1727م) على يد الإمام محمد بن سعود - رحمه الله - وعاصمتها الدرعية، والتي منها بدأت ملحمة البناء والإنجاز بجهود جبارة للتغلب على التحديات الداخلية والخارجية، وإرساء الأمن في المنطقة، ثم تلاحقت صور التلاحم الوطني بين المواطنين وقيادتهم الذين ظلوا يمثلون طموح هذه الأمة، ووجدان الشعب الحي بما يولونه من اهتمام بالغ لتنمية الدولة السعودية وبنائها، وتطوير الهوية الوطنية لدى الأجيال الحالية والقادمة. واليوم تَحِلُّ هذه الذكرى العزيزة والمملكة تشهد في ظل القيادة الحكيمة نهضة حضارية شاملة وتمثّل منارة للمجد ومركزاً للقوة وعنواناً للتقدم والتطوّر والازدهار السياسي والاقتصادي والدبلوماسي والاجتماعي والثقافي، والإعلامي والتكنولوجي، إضافة إلى المقومات الأصيلة التي تتمتع بها من ثقل استراتيجي إقليمي ودولي، وموقع جغرافي وجيوسياسي مميز، وثروات اقتصادية وبشرية هائلة، وتكنولوجيات حديثة ومتطوّرة، ومكانة دينية كقبلة للمسلمين في العالم أجمع. ورغم التحديّات والجوائح العالمية، والأزمات والتوترات الجيوسياسية، وفي حين تتفاقم المخاطر وتغلب التوقعات العالميّة المتشائمة؛ يتعاظم التفاؤل وتعانق الطموحات عنان السماء في المملكة وتُوظف جميع الطاقات بهمّة وتحدٍّ، وتسير المملكة بخطى وعزيمة ثابتة وواثقة وقوية نحو مُستقبلٍ مشرق بتحقيق أهداف رؤية السعودية الطموحة 2030 الرامية إلى تنويع الاقتصاد وتحقيق الاستقرار الاقتصادي والتنمية المستدامة، وتعزيز البنية التحتية وتوفير بيئة استثمارية جاذبة، بما يدفع نحو اقتصاد مزدهر يقود نحو مجتمع حيوي. واستمرت مسيرة التقدم والتطور والنمو في مختلف المجالات، وعملت على الأسس الثابتة التي قامت عليها هذه البلاد المباركة من التمسك بكتاب الله وهدي نبيّه محمد صلى الله عليه وسلم، والحفاظ على وحدة البلاد وتثبيت أمنها واستقرارها مع مواصلة البناء والسعي المتواصل نحو التنمية الشاملة. كما جاءت هذه الرؤية لتستكمل هذا النهج حيث تميزت بأنّها رؤية متكاملة ربطت بين الاقتصاد ومفهوم الوسطية الدينية والحفاظ على البيئة والسياسة الخارجية والعلاقات مع الدول، بوصفها قواعد ثابتة للعلاقات؛ إضافة إلى التزامها بجملة من المرتكزات والثوابت التي ميزت سياستها الخارجية دائماً وأهمها الالتزام بالمعاهدات والاتفاقيات والمواثيق الدولية وتعزيز دور المنظمات العالمية واحترام مبدأ السيادة والرفض الكامل والحاسم لأية محاولة للتدخل في الشؤون الداخلية والدفاع المتواصل عن القضايا العربية والإسلامية ونصرة القضايا الإنسانية العادلة، والسعي الجاد لتحقيق التضامن العربي والإسلامي من خلال توحيد الصفوف ومواجهة المخاطر والتحديات فضلاً عن السعي لتحقيق الأمن والاستقرار والسلام في العالم ورفض أية ممارسات تهدد الأمن والسلم الدوليين. كما التزمت الدولة بمكافحة الفساد والتطرف والإرهاب بجميع صوره وأشكاله والتصدي بكل حزم لمنطلقاته الفكرية وتوضيح مخاطره ومحاولاته زعزعة الأمن والاستقرار. وتمثل السعودية القلب النابض للأمة العربية، والركيزة الرئيسية لاستقرار المنطقة العربية والعالم وصمام أمان في مواجهة المخاطر والتهديدات ولجهود الحل السياسي، حيث تلعب المملكة عبر قنواتها الدبلوماسية المتوازنة وسياساتها المعتدلة دوراً محورياً في إرساء دعائم الاستقرار والسلام وحل القضايا والأزمات في عدة دول ومنها اليمن والسودان وسورية وأكرانيا وروسيا وتحقيق الأمن النهضة والتقدم لكافة شعوب العالم. واستشعاراً لدورها الإنساني تجاه العالم، واستلهاماً من رسالتها في المحافظة على كرامة الإنسان؛ انطلاقاً من تعاليم الدين الإسلامي الحنيف، سخرت المملكة اهتماماً بالغاً في إغاثة المنكوبين ومساعدة المحتاجين، والمحافظة على حياة الإنسان وكرامته وصحته، ومد يد العون وتقديم الدعم والعطاء والمساندة للأفراد والدول الشقيقة والصديقة، من خلال مؤسساتها الإغاثية، ومنصاتها الخيرية. وفي الختام يمكننا القول بكل اعتزاز: إنّ المملكة اليوم، وكما وصفها سمو ولي العهد - حفظه الله - تمثّل «أعظم قصة نجاح في القرن ال 21» إذ إنّها تُنجز وتُنفّذ ف»نحن لا نحلم نحن نفكر بواقع سيتحقق إن شاء الله»، ويرجع ذلك - بعد فضل الله وتوفيقه - إلى علاقة التلاحم والولاء الخالدة بين القيادة والشعب والانتماء لهذا البلد الطاهر الأمين ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يحفظ وطننا وقادته، وأن يديم على بلادنا نعمةَ الأمنِ والأمان والتقدّم والازدهار في ظلّ القيادة الرشيدة. * أستاذ القانون الدولي