تواصل عملاقة النفط والطاقة بالعالم، شركة أرامكو السعودية اغتنام فرص الاستحواذ على المشاريع النفطية البتروكيميائية في قلب الصين وأنحائها في جملة صفقات ظفرت بها، وأخرى تخطط لها ما يعزز إمدادات متزايدة موثوقة من النفط الخام السعودي للصين وفق عقود إمداد طويلة الأمد، وقال أحمد عمار، محلل وحدة أبحاث "منصة الطاقة" ومقرها الولاياتالمتحدة، نجحت شركة أرامكو السعودية بتوقيع صفقات ضخمة خارج حدود المملكة، للتوسع في مجال التكرير والبتروكيميائيات، خصوصًا لدى الدول الآسيوية، لتستمر في دورها القيادي بسوق الطاقة العالمية. وشهد الربع الأول من العام الجاري 2023 -المدّة من يناير حتى نهاية مارس زخمًا لمشروعات عملاقة النفط السعودية في السوق الآسيوية، إذ وضعت حجر أساس لتنفيذ مجمع تكرير ومصفاة ضخمة وصفقة استحواذ في الصين، إلى جانب تقنية جديدة في كوريا الجنوبية، ما يبرز اهتمام المملكة بالتوسع والتركيز على السوق الآسيوية. ويأتي ذلك التوسع خارج حدود السعودية، في إطار استهداف البلاد تحويل نحو 4 ملايين برميل من السوائل إلى مواد كيميائية بحلول 2030، بهدف العمل على خفض الانبعاثات الكربونية، وفق ما رصدته وحدة أبحاث الطاقة في "منصة الطاقة" الأميركية، والتي قالت إنه في 9 مارس 2023، وضعت أرامكو السعودية حجر الأساس لمشروع شاهين للبتروكيميائيات، في أولسان بجمهورية كوريا الجنوبية، باستثمارات تصل إلى 7 مليارات دولار. ويعتمد مشروع شاهين على أول تقنية مبتكرة عالميًا لتحويل النفط الخام إلى مواد أولية للبتروكيميائيات بالتكسير الحراري، طوّرتها شركة أرامكو بالتعاون مع شركة (لوموس تكنولوجيز)، وهو الأمر الذي يؤدي إلى زيادة الإنتاج الكيميائي ويقلل التكاليف. وأعلنت أرامكو السعودية عن مشروع شاهين -الذي يُعد جزءًا رئيسًا من إستراتيجية الشركة لتحويل النفط الخام إلى مواد كيميائية- في شهر نوفمبر من العام الماضي، من قبل شركة (إس- أويل) التابعة لها. وتُجدر الإشارة إلى أن أرامكو هي المساهم الأكبر في شركة (إس- أويل) بحصة تبلغ أكثر من 63 % من خلال شركة أرامكو لما وراء البحار التابعة لها. ومن المتوقع أن يكتمل بناء المشروع بحلول عام 2026، بقدرة إنتاجية تصل إلى 3.2 ملايين طن سنويًا من البتروكيميائيات، ويتضمن بناء منشأة لإنتاج بوليمرات عالية القيمة لمعالجة مجموعة أكبر من المواد الخام بطريقة أكثر كفاءة وأقل استهلاكًا للطاقة. ومن أبرز مهام المشروع الجديد ذي التقنية الأولى عالميًا أن يعالج المنتجات الثانوية الناتجة من معالجة الخام، بما في ذلك النافثا والغاز المُنتج من المصفاة، لإنتاج الإيثيلين، كما ينتج مواد البروبيلين والبوتادايين والمواد الكيميائية الأساسية الأخرى. تعمل السعودية بصورة مكثفة على التوسع في السوق الصينية؛ للاستفادة من الطلب المرتفع على النفط الخام والمشتقات، كون بكين محركًا مهمًا للطلب العالمي على البتروكيميائيات. وشهد الربع الأول من العام الجاري 2023، وتحديدًا في 27 مارس الماضي، استحواذ شركة أرامكو من خلال شركتها التابعة (أرامكو لما وراء البحار) على حصة بلغت 10 % في شركة رونغشنغ للبتروكيميائيات المحدودة بقيمة إجمالية للصفقة بلغت 3.6 مليارات دولار. وتؤكد أرامكو السعودية أن استحواذها على حصة من "رونغشنغ" سيسهم في توسيع وجودها بصورة كبيرة بأعمال التكرير والكيميائيات والتسويق في الصين. ويضمن ذلك الاستحواذ توريد السعودية ضمن اتفاقية طويلة الأجل نحو 500 ألف برميل يوميًا من النفط الخام العربي إلى شركة جيجيانغ للنفط والبتروكيميائيات التابعة لشركة رونغشنغ. وكان قد سبق ذلك الاستحواذ، إعلان أرامكو السعودية اعتزامها بدء بناء مصفاة متكاملة ضخمة ومجمع بتروكيميائيات في شمال شرق الصين، وذلك بالتعاون مع مجموعة "نورينكو" ومجموعة "بانجين" الصناعيتين في الصين، وستتولى شركة "أرامكو هواجين" للبتروكيميائيات تطوير المشروع الذي يطلق عليه مجمع غرينفيلد والواقع في مقاطعة لياونينغ الصينية. يُشار إلى أن "أرامكو هواجين" للبتروكيميائيات هي مشروع مشترك بين أرامكو السعودية بحصة 30 %، ومجموعة "نورينكو" بحصة تصل إلى 51 %، ومجموعة "بانجين" الصناعية بحصة 19 %. ويتضمّن المشروع مصفاة تبلغ طاقتها الإنتاجية 300 ألف برميل يوميًا، ومعمل للبتروكيميائيات بطاقة إنتاجية سنوية تصل إلى 1.65 مليون طن متري من الإيثيلين، و2 مليون طن متري من البارازايلين. وبموجب الشراكة، ستورّد أرامكو السعودية ما يصل إلى 210 آلاف برميل يوميًا من لقيم النفط الخام إلى المجمع. وشهد يوم 29 مارس 2023، وضع حجر الأساس للمصفاة والمجمع، على أن يبدأ التشغيل بصورة كاملة بحلول عام 2026. وتستهدف السعودية زيادة إنتاجها من النفط إلى 13 مليون برميل يوميًا بحلول عام 2027، على أن تُحول 4 ملايين من إنتاجها إلى مواد كيميائية بحلول عام 2030. وتسعى أرامكو زيادة إنتاجها من الغاز الطبيعي بنسبة تتخطى 50 % بحلول عام 2030، الأمر الذي يُسهم في توفير مليون برميل إضافية من النفط تُخصص للتصدير، وترى إستراتيجية الشركة أن قطاع البتروكيميائيات سيكون الأكثر نموًا في الطلب على النفط والغاز خلال السنوات المقبلة. تُجدر الإشارة إلى أن المملكة العربية السعودية تأتي في المركز الرابع عالميًا بين أكبر منتجي البتروكيميائيات، ومن بين منتجات قطاع الكيميائيات لعملاقة النفط السعودية، جاءت المواد الأولية مثل المواد العطرية والأولفينات والبولي أولفينات، وكذلك منتجات أكثر تطورًا مثل البوليولات والأيزوسيانات والمطاط الصناعي. وقالت شركة أرامكو ومن خلال هذه الشراكة مع "رونغشنغ" ومشروع "أرامكو هواجين" المشترك، ستورّد أرامكو السعودية إجمالي 690 ألف برميل يوميًا من النفط الخام إلى مرافق التحويل العالي للكيميائيات. في وقت، تستند إستراتيجية أرامكو السعودية إلى إيمانها الراسخ بأن إمدادات مصادر الطاقة الموثوقة وبأسعار معقولة، بما في ذلك النفط والغاز، ستظل مطلوبة لتلبية الطلب العالمي المتزايد على الطاقة، وأن إمدادات المصادر الجديدة من الطاقة منخفضة الانبعاثات الكربونية ستكمل تدريجيًا المصادر التقليدية. وتواصل أرامكو السعودية العمل على تحقيق المزيد من معدلات خفض الانبعاثات الكربونية، يدعمها في تحقيق ذلك تسخير التقنيات ورفع مستويات كفاءة استهلاك الطاقة من قبل جميع الأطراف المعنية، وسيستمر الطلب العالمي على الطاقة المستدامة والموثوقة ذات الأسعار المعقولة في النمو، ولذلك تعتقد الشركة أن الطريقة المثلى لتلبية هذا الطلب ستكون من خلال مزيج واسع النطاق من حلول الطاقة. وفي هذا السياق، تتمثل رؤية أرامكو السعودية في أن تصبح رائدة شركات الطاقة والكيميائيات المتكاملة على مستوى العالم، وأن تمارس أعمالها بأمان واستدامة وموثوقية. وتسعى أرامكو السعودية جاهدة لتوفير طاقة موثوقة وأكثر استدامة وبأسعار معقولة للمجتمعات في جميع أنحاء العالم، وتحقيق القيمة لمساهميها عبر دورات الأعمال من خلال المحافظة على ريادتها في إنتاج النفط والغاز ومكانتها الرائدة في مجال الكيميائيات، وبهدف تحقيق القيمة من خلال سلسلة منتجات الطاقة وتنمية محفظتها بشكل مربح. ولتحقيق هذي الرؤية تركز أرامكو السعودية على أربع مجالات إستراتيجية ضمن أعمالها تشمل الريادة في قطاع التنقيب والإنتاج، والتكامل في قطاع التكرير والكيميائيات والتسويق، ومبادرات الانبعاثات الكربونية الأقل، والتوطين ودعم التنمية الوطنية أدى الالتزام الراسخ والأداء المتميز لقطاع التنقيب والإنتاج إلى عامٍ حققت فيه الشركة إنجازات قياسية، وبفضل وضع السلامة في قمة الأولويات، والمحافظة على الموثوقية، والالتزام بالتوسع، برهن قطاع التنقيب والإنتاج على الدور الذي تضطلع به أرامكو السعودية لضمان استقرار الأسواق، وتعزيز دورها الجوهري وبعيد المدى في مسيرة التحول المنظم لتحقيق الطموح في الوصول إلى الحياد الصفري للانبعاثات في المستقبل.