في سنة 1919م والموافق للعام 1337ه حل بالجزيرة العربية خصوصاً منطقة نجد جائحة وباء (سنة الرحمة) وسميت بهذا الاسم لكثرة ترحم الناس على الموتى وسميت أيضاً بسنة الطاعون كما سميت سنة السخونة، ويعني ارتفاع درجة الحرارة أحد الأعراض الرئيسية للمرض الذي عم جميع بلدان المنطقة وبواديها وأباد مدناً وقرى لم ينجُ من أهلها إلا ما ندر حتى فاق الموتى أعداد المئات ووصل الآلاف كما في الرياض الذي تجاوز فيها الموتى رغم قلة سكانها ألف نسمة وفي بريدة مثل هذا الرقم ومثله في عنيزة وثلاث مئة وعشرين في شقراء وهكذا بقية مدن وهجر وبوادي المنطقة وانشغل الناس حينها بتجهيز الموتى وحفر القبور حتى كان أحدهم لا يرفع ظهرة من طلوع الشمس حتى غروبها إلا لأداء فرض أو لقيمات شحيحة تعينه على مواصلة عمله وعند ما تكسرت النعوش كما تتحدث بعض المصادر التاريخية استعانوا بأبواب منازلهم وبالبسط لنقل الجنائز إلى المقابر وبسببه هجرت مساجد قائمة وخلت بيوت عامرة بأهلها وهلكت المواشي في البراري لا تجد لها راعياً أو ساقياً وكان الجيران يراقبون بيوت جيرانهم فإذا مر وقت ولم يتحرك حوله أحد دخولاً أو خروجاً تيقنوا أن الوباء قد حل بهم جميعاً. ومن خلال الكثير من المراجع التاريخية فقد تفاوت وقت وجود الوباء بين منطقة وأخرى ولكنه تفاوت بسيط بين نهايات سنة 1918م وبدايات 1919م والموافق 1337ه كما تحدث أكثرها عما يقارب الأربعين يوماً من بداية الوباء حتى اختفائه بمعنى أن المرض ما كان يدوم مكانياً أكثر من أربعين يوماً. إلا أن الشيخ المؤرخ إبراهيم بن صالح العيسى (الخزانة النجدية) حصر دخول المرض في نجد تحديداً بين منتصف شهر صفر عام 1337ه حتى السابع من ربيع الأول من السنة نفسها ثم رفعه الله كما قال. وآخرون تحدثوا عن قرابة التسعين يوماً. وكان للملك عبدالعزيز رحمه الله دور بارز رغم انشغاله تلك الفترة في معارك توحيد مملكته في مكافحة هذا الوباء عند ما قام باستدعاء الأطباء لمعالجة المصابين ومنهم الطبيب الأميركي بول هاريسون أحد أشهر أطباء الإرسالية الأميركية في الخليج الذي وصل الرياض في شتاء السنة نفسها 1919م مع انتشار وباء الأنفلونزا في أنحاء العالم وبإلحاح من الملك عبدالعزيز الذي كان قد فقد ابنه البكر تركي وزوجته الجوهرة بنت مساعد بن جلوي رحمهما الله وعند ما قابله الملك شرح له إنه لم يطلب قدومه من أجل الاعتناء بصحته أو صحة عائلته وإنما من أجل شعبه الذين اجتاحهم الوباء دون أي كلفة مالية وخصص له منزلاً قريباً ليكون مستشفى يستقبل فيه مرضاه والذي باشر من خلاله معالجة مرضاه الذين شفي معظمهم. وعموماً أكد المختصون فيما بعد أن وباء سنة الرحمة هو نفسه جائحة أنفلونزا 1918م أو ما عرف بالأنفلونزا الإسبانية (الوافدة الإسبانية) القاتلة التي انتشرت في أعقاب الحرب العالمية الأولى في أوروبا وقارات العالم الأخرى قتلت نحو 50 – 100 مليون شخص ضعف المتوفين في الحرب العالمية ذاتها وحوالي 40 % من سكان العالم وسميت بالأنفلونزا الإسبانية أساساً لأن الوباء تلقى اهتماماً صحافياً أكبر بعد انتقاله من فرنسا إلى إسبانيا بعد مروره بعدد من القارات والدول ومنها جزيرة العرب الذي سمي فيها الوباء افتراضاً بالطاعون لكثرة الموتى إلى أن تم تصنيفه من قبل منظمة الصحة العالمية بعد 12 عاماً من تاريخ الجائحة العالمية بالأنفلونزا أثبتت دراسة أخيرة إنها مرتبطة بأنفلونزا الخنازير ومن المفارقات أن الصين كانت إحدى المناطق الأقل تأثراً بهذا المرض مقارنة بدول اجتاحها الوباء القاتل ومن أسرار هذا الوباء كما أكدت التقارير أن الغالبية العظمى من ضحاياه كانوا من البالغين واليافعين الأصحاء من الشباب عكس ما يحصل دائماً من استهداف الأوبئة لكبار السن والأطفال والمرضى أو ضعيفي المناعة حيث تميزت الإسبانية بقدرتها على أحداث مضاعفات مميتة في من أعمارهم أقل من 45 سنة وأكثر من نصف وفياتها حسب الإحصائيات كانت في المجموعة العمرية ما بين 20-40 سنة. الملك عبدالعزيز - رحمه الله - الخزانة النجدية