لا أعرف كم لبثنا نربّي أحلامنا في مأمنٍ عن ضيق زمننا، نعم نحن ذلك الجيل الذي لعق الحياة حلوى أول طفولته، حتى غادرها محرّمةً أول شبابه. نحن مواليد أول السبعينات أو آخر الستينات لا فرق حينما اختطفوا الحياة منا تحت مسمّيات لا حصر لها.. تهنا طويلا وتفرّقت بنا السبل والإقصاء والأحادية.. لا أكرر ما يقال هنا، ولا آتي بجديد حينما أحدّث أولادي عن هذه اللحظة التي أكشف لهم فيها عن أحلامي المؤجلة، حين أحدثهم عن نساء يبعن منتجهنّ في سوق قريتنا التي آخذهم إليها بين عام وآخر، بينما نعبر اليوم إلى مول يعج ببناتنا، حين كنت أقول لهم النساء في باديتنا كنّ يقدن السيارات ويدرن شؤونهن في الصحراء، لا أكرر ما يقال حين أحدثكم عن حواري معهم حول هذه السعودية الجديدة التي تستعيد "أنْسَنتها" على يد قائد مستقبلهم سمو الأمير محمد بن سلمان، حيث ننصت إليه جميعا ينثر بين يديهم كل أحلامي المؤجلة التي خبّأتها حد التغييب عن سطوة أو صحوة ذلك العصر الذي كنت فيه بذات أعمارهم.. "سنعود بالسعودية إلى ما قبل 79" قلت لهم أتعرفون ما الذي يعنيه هذا.. يعنيه أن نستعيد يومنا، أن نحصي أيامنا بالحياة، لا بانتظار الموت لنحيا. ويعلم الله أنني لا أرغب بتشويه سنين كنتُ منها، ولا زمن محسوب عليّ ومحسوب عليه، لكنني أصحو فجأة على حزمة من الأحلام المؤجلة.. فقد كتبت يوما "أضغاث مدينة" في هذه الصحيفة التي احتملت دائما كل تهويماتي كان ذلك تحديدًا قبل أكثر من تسع سنوات:(.. هنا حيث تُنشأ فلل سكنية مثقفة ثم تؤجر على مثقفي المدينة بأجور رمزية، يقيمون فيها مسرحاً كبيراً للاحتفالات والمظاهر الثقافية، وبمقاه إلكترونية تتمدد عبر أرصفة الحي الأنيقة، تفوح منها رائحة القهوة والقصائد وحوارات الأجيال، أو هناك آخر الغد، فينشئون مسجداً كبيراً يتسع للجميع، وداراً للسينما، حي بسوق مركزي واحد، بلا إشارات حمراء، ولا أزقة مشبوهة، ولا كتابات على الجدران..) ولعلني كنت دائمًا منحازاً لأضغاث المدينة في صدري.. المدينة التي تعدّ لأهلها مأدبة الحياة كل يوم.. منحازًا منذ ذلك الزمن الذي تغرّبتُ فيه، لذلك حينما أتسمّر اليوم على إعلان تلفزيوني يتناول تعريفا بمشاريع تطوير مدينة الرياض، إنما أقيم حفلة عناق مع تلك الأحلام المؤجلة حينما تتحقّق أخيرًا على يد قائد ينشد التاريخ.. وما نشد التاريخ يومًا من كان بهمّته إلا بلغه.. حفظ الله لنا قادتنا حينما أعانونا على تحقيق أحلامنا بعد أن تأجّلت طويلاً..