تمثل الأسرة أحد المرتكزات الرئيسة في رؤية المملكة (2030)، وقد لمسنا أخيراً تسارعاً مطرداً نحو سن ّوتطوير وتحديث الأنظمة والتشريعات التي تلامس احتياجات الأسرة في كل المجالات؛ سعياً للارتقاء بالمستوى الاقتصادي والاجتماعي والقانوني، وتهيئة بيئة مطمئنة، تسهم في ترسيخ الاستقرار الأسري، ويعد تأسيس مجلس شؤون الأسرة خطوة بارزة في مجال بناء الأسرة السعودية، وتعزيز دورها في المجتمع. ومن المبادرات المميزة لوزارة العدل تبنيها افتتاح مكاتب للصلح بمحاكم الأحوال الشخصية، رشحت للعمل بها كوادر مؤهلة تأهيلاً شرعياً للاضطلاع بمهمات التوفيق والإصلاح بين المتخاصمين، التي تسبق إحالة القضايا الأسرية إلى الدوائر القضائية. وتعتبر محاضر الصلح لدى مكاتب المصلحين والمعتمدة من رئيس المحكمة سندات تنفيذ قضائية، وفي ظني أن منح المصلحين صلاحيات إلزام طرفي الدعوى (الأصيلين) للمثول لديهم دون الوكلاء سيسهم في زيادة نسبة النتائج الإيجابية لهذه المبادرة في مجال التوصل للصلح بين أطراف النزاع، ويحمد لمكاتب الصلح حسبما وقفت عليه حجم القضايا المنجزة عن طريقهم التي كانت سبباً رئيساً في احتواء نسبة كبيرة من القضايا الأسرية قبل تفاقمها أمام القضاء، وتحولها إلى نزاع وخصومة وقطيعة وتشتت للأسر وتوسيع لدائرة الخلاف، علاوة على ما انطوت عليه المبادرة من تخفيف الأعباء على الدوائر القضائية المثقلة بما تنظره من قضايا مجدولة. ويوازي نجاح مكاتب الصلح في المحاكم، تبني النيابة العامة تخصيص مكاتب للصلح الجنائي تسهم في معالجة وحسم القضايا الأسرية التي لها شق جنائي، وليس لها تأثير أو مساس بالنظام العام، وتعتبر هذه الخطوة من النيابة بصمة في مجال ترسيخ الأمن الاجتماعي، وهذه المبادرة تذكر فتشكر لمعالي النائب العام والفريق المشكل لهذا الغرض، وقد وقفت على جزء من أعمال اللجنة وجهودها الملموسة في حل ومعالجة واحتواء قضايا أسرية شائكة وعالقة تم حلّها واحتواؤها داخل أروقة النيابة العامة، فالله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن. وتوحيداً للجهود وتعزيزاً لمبدأ الصلح والتصالح الذي جاءت شريعتنا السمحاء بالحث والترغيب فيه كما قال عز وجل لقوله جلَّ وعلا: (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) وكما قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ألاَ أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟))، قالوا: بلى، قال: ((إصلاح ذات البَيْن، فإنَّ فساد ذات البَيْن هي الحالقة))؛ رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث صحيح. فلعل الأنسب أن يتم تأسيس هيئة مستقلة تحت مسمى "الهيئة العامة للإصلاح الأسري" تباشر معالجة القضايا والخلافات الأسرية التي ليس لها مساس بالنظام العام، والبت فيها قبل إحالتها إلى القضاء وفق آليات يتم استخلاصها من تجربتي وزارة العدل والنيابة العامة القائمة حالياً.