الأمير جلوي بن عبدالعزيز يرعى حفل تخريج 5872 طالبًا وطالبة بجامعة نجران    الكلية التقنية للبنات بنجران توقّع مذكرة تفاهم للتوظيف المباشر ضمن ملتقى «لقاؤنا هدف» برعاية نائب المحافظ للتدريب    في محطته الإعدادية الأخيرة.. المنتخب السعودي يلاقي الإكوادور بملعب "سبورتس إليستريتد"    الهلال الأحمر "بنجران" يرفع جاهزيته تزامنًا مع الحالة المطرية    جمعية أصدقاء تحتفي بلاعب الأهلي السابق خالد مسعد    السعودية الأولى عالميا في مؤشر الجاهزية الرقمية 2025 الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات ITU    بتوجيه وزير الداخلية.. ترقية 866 فردًا من منسوبي حرس الحدود    فيصل بن مشعل: القصيم تتمتع بجاذبية استثمارية عالية وفرص واعدة وبنية تحتية متكاملة    القبض على 3 يمنيين في الرياض لترويجهم مواد مخدرة    دار وإعمار توقّع شراكة رعاية مع نادي القادسية    التجارة تنفذ 120 ألف زيارة تفتيشية وتعالج 182 ألف بلاغ تجاري خلال الربع الأول 2026    وفد المملكة يستعرض أبرز انجازات إكسبو 2030    تطوير المدينة تطلق استديو التصميم العمراني    "رشاقة القصيم" تنطلق لتعزيز نمط الحياة الصحي    أمير جازان يستقبل شيخ شمل محافظة جزر فرسان    كييف تعلن إسقاط 114 طائرة مسيرة روسية خلال الليل    تحت رعاية خادم الحرمين .. جائزة الملك فيصل تكرم الفائزين بها لعام 2026 غدا الأربعاء    رقابة مكثفة تثمر عن ارتفاع امتثال منشآت تبوك ل86% عبر 109 ألف زيارة ميدانية    أكثر من 90 ولادة للحياة الفطرية بمحمية الإمام تركي بن عبدالله الملكية في الربع الأول 2026م    استشهاد فلسطيني في قصف الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة    منسقة أممية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية في السودان وتدعو لتحرك دولي عاجل    بتوجيه من وزير الداخلية..ترقية 1069 فردا من منسوبي الأمن العام    رئيس مجلس الشورى يرأس وفد المملكة المشارك في اجتماعات الجمعية العامة ال152 للاتحاد البرلماني الدولي    صالح آل عاطف الحبابي في ذمة الله    هيئة الأدب والنشر والترجمة تدشّن جناح المملكة في معرض بولونيا الدولي للكتاب 2026    معالي رئيس الشؤون الدينية يؤكد: الالتزام بتصريح الحج ضرورة شرعية ونظامية    نائب أمير منطقة مكة يستقبل وزير الحج والعمرة الدكتور توفيق بن فوزان الربيعة    أمطار القصيم تُبرز جمال رامة البدائع    جهود لاحتواء التصعيد.. عرض روسي لاستقبال يورانيوم إيران    بحث تداعيات التصعيد الإقليمي.. البحرين والإمارات: تعزيز الشراكة والتعاون لمواجهة تحديات المنطقة    أدانت الهجمات وتهديد استقرار المنطقة.. المنامة تسلم مذكرة احتجاج للسفير العراقي    خالد بن سعود يؤكد أهمية تعزيز ثقافة الالتزام البيئي    رصد 70 طن مواد فاسدة داخل أحياء جدة    أمير الشرقية يشدد على الاستمرار في تطوير المعالجات المرورية    نائب أمير حائل يطلع على تقرير هيئة تطوير محمية تركي بن عبدالله    خسر ب"الركلات الترجيحية" أمام السد.. الهلال يودع دوري أبطال نخبة آسيا    الآسيوي يعتمد قائمة النصر    مطرب بالذكاء الاصطناعي يحصد نصف مليون مستمع    وزير الثقافة ونظيره الإندونيسي يناقشان رفع مستوى التعاون    مؤسسة البحر الأحمر.. شراكة لدعم صناع الأفلام    «أحمر مكة» يُدرّب 13 ألف مستفيد    قصر خراش في حائل.. شاهد تاريخي وإرث قديم    كونسيساو: أنتظر «روح الغرافة» أمام الوحدة    نائب أمير مكة المكرمة يستعرض خطط واستعدادات الحج    استعدادات مُبكرة    «إسلامية الجوف» تنفّذ جولات رقابية على المساجد    فواتير المياه المرتفعة.. معاناة مستمرة    خالد النبوي يتكفل بعلاج الفنان سامي عبد الحليم    توصيات بشأن ارتفاع معدل الولادات القيصرية    التأمل التصويبي    «صحي المدينة».. شهادة «دعم الحياة في التوليد»    يايسله بعد ترويض الدحيل: فخور ب"قتالية" لاعبي الأهلي رغم لعنة الإصابات    اعتذار ودموع في غرف الملابس.. خيبة أمل كبرى تسود مدرجات الهلال بعد موقعة السد    وزير الخارجية يجري اتصالا هاتفيا بنائب رئيس مجلس الوزراء وزير خارجية دولة الإمارات    الشؤون الإسلامية بجازان تُقيم ورشة عمل لشرح آليات تقييم شركات الصيانة والنظافة والتشغيل بمحافظة الحرث    حصار موانىء إيران عبور آمن للسفن وتقدم في المفاوضات    أمير منطقة جازان يستقبل شيخ شمل محافظة جزر فرسان    أكد أنها امتداد لعناية القيادة بالحرمين.. السديس: صيانة الكعبة المشرفة تجسيد لإجلال البيت العتيق    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



سيد قطب.. الأب الروحي للحركات التكفيرية دون منازع (8 - 15)
نشر في الرياض يوم 29 - 07 - 2017

"استعدوا يا جنود وليأخذ كل منكم أهبته ويعد سلاحه ولا يلتفت منكم أحد، امضوا إلى حيث تؤمرون.. اعكفوا على إعداد الدواء فى صيدليتكم، ولتقم على إعطائه فرقة الإنقاذ منكم، فإذا الأمة أبت، فأوثقوا يديها بالقيود وأثقلوا ظهرها بالحديد وجرعوها الدواء بالقوة، وإن وجدتم فى جسمها عضواً خبيثاً فاقطعوه أو سرطاناً خطيراً فأزيلوه، استعدوا يا جنود، فكثير من أبناء هذا الشعب في آذانهم وقر وفي عيونهم عمى".
من ضرع هذه الكلمات العنيفة وهذا الخطاب المتطرف للأب عبدالرحمن البنا الساعاتي، تشرب مؤسس جماعة الإخوان المسلمين حسن البنا عقيدة العنف ومنهج التغيير بالقوة. هذه العقيدة أصّل لها المرشد من خلال رسائله ومذكراته والتي اعتمدها المريدون والأتباع كدستور مقدس يؤطر لعلاقة الجماعة مع باقي التكوينات السياسية من جهة، وكذا في علاقتهم برأس السلطة السياسية في مصر.
لقد رأى مؤسس جماعة الإخوان المسلمين في سقوط الخلافة الإسلامية في تركيا على يد مصطفى كمال أتاتورك فرصة ذهبية لتحقيق حلم حياته في تنصيب نفسه خليفة للمسلمين بعد استكمال الشروط الذاتية والموضوعية لنشر الدعوة الإخوانية في جميع الأقطار الإسلامية. يقول حسن البنا في رسائله "إن الناس كانوا إذا اختلفوا رجعوا إلى (الخليفة) وشرطه الإمامة، فيقضي بينهم ويرفع حكمه الخلاف، أما الآن فأين الخليفة؟ وإذا كان الأمر كذلك فأولى بالمسلمين أن يبحثوا عن القاضي، ثم يعرضوا قضيتهم عليه، فإن اختلافهم من غير مرجع لا يردهم إلا إلى خلاف آخر". (رسائل حسن البنا ص 17).
إن العنف عند الإخوان المسلمين كان دائماً من صميم الاستراتيجية التي تحكم علاقتهم مع باقي مكونات المجتمع الذي يحتويهم، فيما اعتبرت المماينة والمهادنة مجرد تكتيك مرحلي ليس إلا. والعنف عند الإخوان يرقى إلى مستوى العقيدة في حين أن الحوار هو فقط مناورة للتمرير والتبرير والتخدير. يقول حسن البنا في رسائله محاولاً تشبيه مريديه بذلك الجيل المشرق الذي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدر الإسلام "ثم أمرهم (الله) بعد ذلك أن يجاهدوا في الله حق جهاده بنشر هذه الدعوة وتعميمها بين الناس بالحجة والبرهان، فإن أبوا إلا العسف والجور والتمرد فبالسيف والسنان:
والناس إذ ظلموا البرهان واعتسفوا فالحرب أجدى على الدنيا من السلم
إن السياقات المتسارعة التي تعرفها البيئة الاستراتيجية في المنطقة العربية، والتي أصبح فيها الإخوان المسلمون طرفاً رئيسياً في الصراع، تفرض علينا وضع هذه الجماعة تحت مجهر التحليل والتشريح لمحاولة فهم البنية السيكولوجية للإخوان والتي أفرزت لنا فكراً عنيفاً جعل من (الإخوان) أينما حلوا وارتحلوا من بقعة أو مكان إلا وفاحت منه رائحة الدماء والجثث والأشلاء.
لقد حاولت هذه الحلقات أن تجعل من استشهاداتها وإحالاتها محصورة في المراجع الإخوانية المعتمدة واستبعاد المقاربة الذاتية أو كتابات الأقلام المعروفة بعدائها الأيديولوجي والسياسي للجماعة، مما يجعلنا نطمئن لصدقية هذه الحلقات التي حاولت احترام المعطيات التاريخية والأمانة في السرد والإلقاء والكتابة والإحالة دونما محاولة الالتفاف على الحقائق التاريخية أو تطويع للشهادات وفق ما يخدم طرحاً ما أو توجهاً ما.
يقول سيد قطب: "لنضرب، لنضرب بقوة، ولنضرب بسرعة، أما الشعب فعليه أن يحفر القبور ويهيل التراب". ويقول حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين في رسائله "إن آمنتم بفكرتنا واتبعتم خطواتنا فهو خير لكم، وإن أبيتم إلا التذبذب والاضطراب والتردد بين الدعوات الحائرة والمناهج الفاشلة فإن كتيبة الله ستسير".
هي إذا رحلة بين تراب المخازن لسبر أغوار هذه الجماعة والوقوف على معظم الاغتيالات السياسية التي تورطت فيها، وفرصة للتعرف على الوجه المظلم لهذا التنظيم الخطير وعلى تاريخه الدموي والذي يحاول بعضهم الدفاع عنه على استحياء وبغير كثير من الحماس.
«على الدعاة ألا يلتفتوا في أثناء الطريق الدامي المفروش بالجماجم والأشلاء وبالعرق والدماء»
العالم كله يعيش في «جاهلية».. هذه هي خلاصة فكر سيد قطب
المرجع العقدي الأبرز لدى التنظيمات التكفيرية من خلال مبدأ «الحاكمية»
أعطى الجماعات التكفيرية مُسوغات التكفير واستحلال الدماء والأموال والأعراض
أيد الضباط الأحرار في البداية وعندما رفضوا فكره انقلب عليهم
يُعتبر يوم 29 اغسطس 1966 يوماً حزينا عند حركات الإسلام السياسي والحركات التكفيرية على السواء، حيث يصادف هذا التاريخ ذكرى إعدام سيد قطب على يد نظام جمال عبدالناصر فيما عرف إعلاميا بقضية (تنظيم سيد قطب) أو تنظيم 1965.
لقد اعتُبر سيد قطب الأب الشرعي لتنظيمات الإسلام السياسي والتي اعتمدت على تأويلاته الفقهية للمشاركة في اللعبة السياسية واستغلال هامش الديمقراطية من أجل الركوب عليها، مرحليا، إلى حين توافر الشروط الذاتية والموضوعية للانقضاض على الحكم، وذلك من خلال تفسير ضيق وتطويع مشبوه لقصة سيدنا يوسف وإسقاطها على الوضع السياسي الحالي من خلال تبرير "مشروعية السعي إلى السلطة في ظل مجتمع جاهلي ونظام كافر".
اعتبر سيد قطب، أيضا، المرجع العقدي الأبرز لدى التنظيمات التكفيرية من خلال الالتقاء حول مركزية مبدأ "الحاكمية" في العقيدة التكفيرية والتي سيتم اعتمادها كمُسوغ شرعي لتكفير الأنظمة والخروج على الحكام "الطواغيت"، حسب تقعيدات قطب الفقهية.
من هو سيد قطب؟
ولد سيد قطب بقرية "موشا" في إحدى قرى محافظة أسيوط بصعيد مصر بتاريخ 9 أكتوبر 1906م. تلقى تعليمه الأولي وحفظ القرآن الكريم ثم التحق بمدرسة المعلمين الأولية بالقاهرة ونال شهادتها والتحق بدار العلوم وتخرج سنة 1933 م. عمل قطب بوزارة المعارف بوظائف تربوية وإدارية وابتعثته الوزارة إلى أميركا لمدة عامين وعاد إلى مصر عام 1950م.
انضم سيد قطب إلى حزب الوفد المصري لسنوات وتركه على أثر خلاف معه في الرؤيا والتصور السياسي المرحلي سنة 1942م، ليلتحق بجماعة الإخوان المسلمين سنة 1953، ليخوض معهم محنتهم التي بدأت منذ عام 1954 م إلى عام1966 م.
ألقي القبض على قطب بتهمة التآمر على نظام الحكم فيما عرف إعلاميا بقضية تنظيم سيد قطب وصدر الحكم بإعدامه وأعدم ليلة 29 اغسطس 1966م.
بدأ سيد قطب حياته شاعرا وأديبا وتأثر إلى حد كبير بأستاذه عباس محمود العقاد، غير أن تواضعه في الميدانين الأدبي والنقدي دفعه إلى الاتجاه إلى الكتابات الإسلامية التي ظلت، ولو إلى حين، في حدود المراجعات الإسلامية المعتدلة التي لم تخرج عن قاعدة الكتابات الإسلامية "العادية" التي سطرها مفكروا تلك الفترة.
سيد قطب والضباط الأحرار
ساند سيد قطب بكل جوارحه انقلاب الضباط الأحرار سنة 1952م ورفعهم إلى درجات المديح القصوى فيقول عنهم: "هذه اليد النظيفة الأمينة قد صانت الثورة من هذا كله، وليست المسألة هي النظام وحده، ولكنها النظافة والأمانة. فالمثل الذي تعرضه قيادة الثورة في هذه الأيام مُثل نادرة في تاريخ البشرية كلها، مثلها لم تقع إلا في مطالع النبوءات" (حلمي النمنم: سيد قطب وثورة يوليو ص73).
غير أن هذه العلاقة ستتدهور بعد ذلك لخلافات سيد قطب مع مجلس قيادة الثورة ولعدم تبنيهم لتوجهاته الفكرية ومحاولة فرضه لرؤيته الخاصة في تدبير شؤون الدولة ليتم اتهامه بالضلوع في محاولة اغتيال جمال عبدالناصر فيما عرف إعلاميا بحادثة المنشية بالاسكندرية سنة 1954م وحكم عليه بالسجن 15 سنة، سيقضي منها سيد قطب عشر سنوات ليتم الإفراج عليه بعفو صحي بعد تدخل من الرئيس العراقي الأسبق المشير عبدالسلام عارف سنة 1964م.
سيؤسس سيد قطب ما أطلق عليه اسم (الطليعة المؤمنة المقاتلة) التي كانت تتكون أساسا من شباب حركة "الإخوان المسلمين" والتي خططت لمجموعة من العمليات النوعية داخل مصر. تم اكتشاف هذا التنظيم الذي عرف ب "تنظيم سيد قطب" أو تنظيم 1965 ليتم اعتقاله والحكم عليه بالإعدام إلى جانب كلٍّ من عبد الفتاح اسماعيل ومحمد يوسف هواش رفيقاه في التنظيم.
تبلور مفهوم الحاكمية
ذهب معظم الدارسين لسيرة سيد قطب يتفقون إلى اعتبار تجربة السجن السبب المباشر والمناخ الملائم لظهور أفكاره الأخيرة التي دونها في كتبه، خاصة منها كتابه "في ظلال القرآن" وكتابه المثير للجدل "معالم في الطريق"، والتي تصل إلى حد الحكم القاطع والنهائي على المجتمع والأمة بأكملها بالجاهلية التي تفوق جاهلية أهل مكة أيام البعثة النبوية، وأن الأمة قد كفرت بالإسلام، حتى وإن كانت تردد على المآذن عبارة لا إله إلا الله.
تأثر سيد قطب بكتابات أبي الأعلى المودودي وخصوصا كتاب "المصطلحات الأربعة في القرآن الكريم" فكرس لديه مفهوم الحاكميّة وجعله محورا لتفكيره، حاكمية الله ضد حاكمية البشر، وألوهية الله ضد ألوهية البشر وربانية الله ضد ربانية البشر".
"إن العالم يعيش اليوم كله في جاهلية"، هذه هي الخلاصة التي وصل إليها سيد قطب "جاهلية تقوم على أساس الاعتداء على سلطان الله في الأرض وعلى أخص خصائص الألوهية وهي الحاكمية. إنها تُسند الحاكمية إلى البشر، فتجعل بعضهم لبعض أربابا، لا في الصورة البدائية الساذجة التي عرفتها الجاهلية الأولى، ولكن في صورة ادعاء حق وضع التصورات والقيم، والشرائع والقوانين، والأنظمة والأوضاع بمعزل عن منهج الله للحياة" (معالم في الطريق ص 5).
إن استعراض بعض ما جاء في كتابات سيد قطب حول الحاكمية نجدها تدور في فلك واحد وتنحو منحى واحدا يصب في محاولة إنضاج الشروط الذاتية والموضوعية ل "الثورة الشاملة على حاكمية البشر في كل صورها وأشكالها وأنظمتها وأوضاعها، والتمرد الكامل على كل وضع في أرجاء الأرض الحكم فيه للبشر بصورة من الصور" (المعالم ص 36).
العصبة المؤمنة بين العزلة والاتصال
تتمثل العصبة المؤمنة أو جماعة المسلمين أو الطليعة المؤمنة، عند سيد قطب، أساسا في تلك الصورة المصغرة للمجتمع المسلم الخالص من شوائب الجاهلية والمحتكر للفهم الحقيقي للإسلام. هذه العصبة "ابتلاها الله"، كما ابتلى كثيراً من خلقه، بجعلها تعيش وسط مجتمع جاهلي افتقد الهوية الإسلامية وأفلت فيه شمس الإسلام، وعليها أن تتحمل على عاتقها أعباء إعادة إحياء هذا الدين وإقامته وفق مبادئ الحاكمية المطلقة لله تعالى، وفق التعريف القطبي للعصبة المؤمنة.
يقول سيد قطب "إن هذا المجتمع لا يقوم حتى تنشأ جماعة من الناس تقرر أن عبوديتها الكاملة لله وحده، وأنها لا تدين بالعبودية لغير الله... هذه الطليعة لا بد لها من "معالم في الطريق"، معالم تعرف منها طبيعة دورها، وحقيقة وظيفتها، وصلب غايتها" (المعالم ص 53).
من هذا المنطلق، يطرح لنا سيد قطب سياقات تشكّل هذا البناء الحركي فيقول: "ينبغي أن تطول مرحلة بناء العقيدة، وأن تتم خطوات البناء على مهل، وفي عمق وتثبت، ثم هكذا ينبغي ألا تكون مرحلة دراسة نظرية للعقيدة، ولكن مرحلة ترجمة لهذه العقيدة -أولاً بأول- في صورة حية، متمثلة في ضمائر متكيفة بهذه العقيدة ومتمثلة في بناء جماعي وتجمع حركي" (المعالم ص 24).
العزلة الشعورية
إن الطليعة المؤمنة، عند سيد قطب، هي النواة الأولى لبناء المجتمع المسلم القادر على مواجهة المجتمع الجاهلي بعد استكمال مراحل إعداد العدة. غير أن موازين القوى وضرورة تحصين هذه العصبة المؤمنة من هجمات "المجتمع الجاهلي" ومن كيد "المارقين عن الدين" تتطلب، لدى قطب، نوعا من العزلة النسبية والاتصال.
يعتبر سيد قطب العزلة الشعورية "نقلة بعيدة" للمسلم من الجاهلية إلى الإسلام حيث "كانت هناك عزلة شعورية كاملة بين ماض المسلم في جاهليته وحاضره في إسلامه، تنشأ عنهاعزلة كاملة في صلاته بالمجتمع الجاهلي من حوله وروابطه الاجتماعية" (المعالم ص 10).
وفي سياق هذه العزلة الشعورية والاتصال الحسّي بين العصبة المؤمنة والمجتمع الجاهلي، تعتبر المواجهة مع المجتمع والتصدي له مسألة حتمية، وفي هذا يصرح سيد قطب: "وفي الطريق تكون المعركة قد قامت بين المجتمع الوليد الذي انفصل بعقيدته وتصوره، وانفصل بقيمه واعتباراته، وانفصل بوجوده وكينونته عن المجتمع الجاهلي وتكون الحركة من نقطة الانطلاق إلى نقطة الوجود البارز المستقل قد ميزت كل فرد من أفراد هذا المجتمع".
التكفير بالحاكميّة:
سمة الخطاب القطبي
يقول سيد قطب بنبرة جازمة: "ذلك أنهم يعتبرون كل نص منها كما لو كان نصاً نهائياً، يمثل القواعد النهائية في هذا الدين، ويقولون وهم مهزومون روحياً وعقلياً تحت ضغط الواقع اليائس لذراري المسلمين الذين لم يبق لهم من الإسلام إلا العنوان". وفي موضع آخر من كتابه "في ظلال القرآن" يصرح سيد قطب: "إنه ليست على وجه الأرض اليوم دولة مسلمة ولا مجتمع مسلم قاعدة التعامل فيه هي شريعة الله والفقه الإسلامي (في ظلال القرآن ج 2 ص 1222).
إن المنطق التكفيري عند سيد قطب لا يحتاج إلى قراءة بين السطور أو إلى تأويل لغوي قد يُفهم في غير سياقه، بل يعلنها قطب صراحة فيقول "الذين يلجؤون إلى تلمس أسباب دفاعية بحتة لحركة المد الإسلامي، إنما يؤخذون بحركة الهجوم الاستشراقية، في وقت لم يعد للمسلمين شوكة، بل لم يعد للمسلمين إسلام" (المعالم ص 45). ويستمر مؤشر التكفير عند سيد قطب في الارتفاع فيقول "فأما قبل أن يقرر أناس من الناس إخلاص عبوديتهم لله - على النحو الذي تقدم - فإنهم لا يكونون مسلمين" (معالم في الطريق ص 53).
وفي سياق دراستنا للبنية الفكرية والسلوكية لسيد قطب، لا بد أن نستدرك فكرة أساسية مرتبطة بكون بوادر التكفير قد بدأت عنده قبل محنة السجن بسنوات، وخصوصا في كتابه "العدالة الاجتماعية في الإسلام" (صدر سنة 1947) الذي يحوي أطروحات عقدية لا تختلف عن تلك التي طرحها سيد قطب في كتابيه "في ظلال القرآن" و"معالم في الطريق".
من هذا المنطلق، قام قطب بتقسيم المجتمع الواحد إلى فريقين أو بالأحرى إلى دارين: "دار الإسلام" و"دار الحرب" حيث ان "هناك دارا واحدة هي دار الإسلام، تلك التي تقوم فيها الدولة المسلمة، فتهيمن عليها شريعة الله، وتقام فيها حدوده، ويتولى المسلمون فيها بعضهم بعضا، وما عداها فهو دار حرب، علاقة المسلم بها إما القتال، وإما المهادنة على عهد أمان، ولكنها ليست دار إسلام، ولا ولاء بين أهلها وبين المسلمين" (المعالم 85).
إن البحث بين تراب المخازن يكشف عن حقيقة "المُخلَّفات التكفيرية" التي تركها سيد قطب واعتُمِدت كدستور للحركات الدينية المتطرفة والتي أينما مرت تركت وراءها الجثث والدماء والأشلاء، فهل كانت هذه غاية الإسلام؟ وهل هذا ما يقره جوهر العقيدة؟ وهل هذا الذي دعا إليه وعانا من أجله "الرحمة المهداة" سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ونجد سيد قطب، وعلى غرار الحركات التكفيرية التي نراها اليوم التي لا تتحدث إلا لغة جزّ الرقاب وحرق الجثث والأشلاء، يردد نفس المصطلحات ويغرد بنفس الخطاب فيقول "وهذه اللفتة جديرة بأن يتدبرها الدعاة إلى الله، فلا يلتفتون في أثناء الطريق الدامي المفروش بالجماجم والأشلاء، وبالعرق والدماء، إلى نصر أو غلبة، أو فصل بين الحق والباطل في هذه الأرض" (المعالم 114).
لقد دخل سيد قطب التاريخ باعتباره الرائد الأول والمؤسس لأفكار الجاهلية والتكفير في مصر والعالم الإسلامي، وحتى المجتمعات العربية التي عرفت الخوارج وغيرها من الفرق الضالة استطاعت التحكم فيها إما بالاحتواء أو الاجتثاث، إلى أن هل علينا هلال سيد قطب بأفكار الجاهلية والحاكمية، والتي سيتم اعتمادها كدستور للحركات التكفيرية التي تدعي كونها "جهادية"، وأعطاهم سيد قطب مُسوغات التكفير واستحلال الدماء والأموال والأعراض. وسنرى في استعراضنا لبعض الفصول العملية من هذه الحلقات، بعض تمظهرات أفكار سيد قطب على مجموعة من الجماعات "الإسلامية"، وإلى أي حد وصلت بهم أفكاره وإيديولوجيته.
خلف القضبان
عبدالفتاح اسماعيل.. نفذ فيه حكم الإعدام مع سيد قطب
سيد قطب خلال محاكمته
سيد قطب في شبابه عندما حاول أن يكون أديبا وفشل
ينزل من عربة السجن في طريقه للمحكمة
سيد قطب مع مدير جامعة نورث كارولينا الأميركية التي درس فيها
نواب الصفوي (مؤسس ولاية الفقيه) وسيد قطب.. تقارب بين الإخوان والصفويين
الرئيس العراقي عبد السلام عارف توسط عند عبدالناصر للإفراج عن سيد قطب


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.