شاهدت رجل المرور يوزع أكياس النفايات أو لنسمها أكياس النظافة على سائقي السيارات فقلت هذه خطوة جيدة للقضاء على ظاهرة إلقاء النفايات عبر نوافذ السيارات في إطار حملة شاملة لنشر الوعي بأهمية النظافة وأهمية المساهمة فيها. موضوع النظافة لا يقتصر على رمي النفايات من السيارات، بل هو أشمل من ذلك بكثير، فالمتنزهات البرية، والحدائق، والمساجد تشتكي من سلوكياتنا التي تتسم بعدم المبالاة وعدم الإحساس بالمسؤولية تجاه الشأن العام. يذهب الناس للمتنزهات والحدائق العامة التي كلفت الملايين ويقضون فيها أوقاتاً ممتعة ثم يرحلون وقد تركوا خلفهم بقايا الأطعمة و المشروبات على الأرض في غياب الرقابة الذاتية رغم وجود حاويات للنفايات. وفي الأسواق والمطارات والأماكن العامة يمارس بعضنا سلوكيات خارجة على آداب النظافة وتستفز الآخرين الذين يلتزمون بهذه الآداب ولكنهم لا يملكون السلطة لفرضها ومحاسبة الخارجين عليها، وإن فعلوا تعرضوا للإهانة وتهمة «اللقافة». إن التوعية خطوة مهمة سواء بالنسبة للنظافة أو لغيرها من القضايا ولكنها وحدها غير كافية ما لم تصاحبها قوانين وأنظمة صارمة للمحافظة على النظافة على غرار القوانين والأنظمة المتعلقة بالغش التجاري والمخالفات المرورية وغيرها. روى لي أحد المواطنين الذين يهتمون بنظافة البيئة ولديهم رقابة ذاتية أنه جرب النصيحة المباشرة والعتاب مع أحد الممارسين لسلوك البصق ورمي النفايات فكان رد الفعل في منتهى السلبية. هذا المواطن الإيجابي لجأ إلى أسلوب آخر، فقد لاحظ أن أحد المواطنين يلقي بالنفايات في الشارع وكانت الإشارة حمراء، فبادر المواطن الإيجابي إلى النزول من سيارته وأخذ النفايات معه إلى سيارته ثم اتجه إلى حاوية للنفايات وألقى بها أمام مرأى ذلك المواطن السلبي. النتيجة لحق المواطن السلبي بالمواطن الإيجابي واعتذر منه وقال ان هذا موقف لن ينساه ودرس قوي مؤثر، وتمنى لو أن الأساليب التربوية تتم بهذا الأسلوب. أمام هذا الموقف، لابد أن نراجع أساليبنا في التوعية والتوجيه وأثرها على السلوك من الناحيتين أي تعزيز السلوك الإيجابي وإيقاف السلوك السلبي.. وهذه قضية ذات صلة مباشرة بكل أمور حياتنا، وكل ما نمارسه من سلوكيات داخل المنزل وخارج المنزل مثل السلوكيات المرورية، أو التعامل مع الأبناء، أو عدم الاهتمام بنظافة البيئة، أو ما نمارسه من ممارسات إدارية خاطئة في بيئة العمل. السلوك تعريفاً هو كل ما يقوم به الإنسان من قول أو عمل، والتعامل مع السلوك الإنساني غاية في الصعوبة، وليس من البساطة بحيث تؤثر فيه كلمة جميلة، أو نصيحة تركز على الجانب السلبي في شخصية الإنسان، وتنسى الجانب الإيجابي. لقد حيّر السلوك الإنساني علماء النفس وعلماء الاجتماع من حيث مسبباته وكيفية التأثير فيه، ولو كانت التوعية كافية لتحقيق سلوك مثالي لكنا الأفضل في هذا المجال، ولكن القضية لا تعالج بنتائجها وظواهرها فقط بل بمسبباتها والرجوع إلى مصادرها بشفافية واعية واقعية تسعى للصالح العام. [email protected]