لا شك أن الجميع يعرف اليابان بصناعاتها المميّزة التي يقبل عليها كافة المشترين؛ لأنها معروفة بجودتها العالية في ظل أسعار تقل عن المنتجات المصنعة في الولاياتالمتحدةالأمريكية، وأوروبا. ولكن هل سأل أحد ممّن يشترون تلك المنتجات اليابانية كيف أتت إليها أفكار هذه المنتجات؟ يمكن أن يقول قائل: إنها جاءت إليها من خلال استيرادها من خارج اليابان، بالطبع لا أقصد هذا المقصد، ولكني أقصد كيف تمكّن الإنسان الياباني من تحويل تأخره، وحرب مدمرة، وقنبلة ذرية، وموارد فقيرة، إلى كل هذا النجاح والتقدم، هل يبدو هذا محيرًا؟ التعليم في اللغة اليابانية يعني “كيو-إكو” وهي تتكون من حرفين: “كيو” والذي يعني “التشجيع على التقليد” (بمعنى تقليد ما يفعل الآخرون، وهو أساس عملية التعليم) وحرف “إكو” والذي يعني “تربية الطفل”، وهذان الحرفان يعبران عن جوهر العملية التعليمية في اليابان. يقول المثل الفرنسي حينما تحدث مشكلة لشخص ما: “فتش عن المرأة”، وأنا أقول حينما ترى تقدمًا هائلاً: لابد لك أن تفتش عن التعليم، والتعليم يحدث داخل مدرسة، فما هي مميزات المدرسة اليابانية؟ لكن قبل إلقاء الضوء على المدرسة اليابانية تعالوا نطالع المدرسة الأمريكية؟ المدرسة الأمريكية تضع مناهج متقدمة، وتوفر الإمكانات الحديثة، ولكنها لا تتعامل مع سلوكيات الأفراد، فالسلوك حرية شخصية هناك في المدارس الأمريكية طالما كان في إطار القواعد العامة. أمّا المدرسة اليابانية فهي تطبق نفس المبدأ الذي مكن اليابان من التقدم، وهو مبدأ الاستثمار في الإنسان، كما أن المدرسة اليابانية تركز على سلوك الفرد بجانب المباني والأجهزة الحديثة. نكتب هذه المقالة ونطالع المدرسة اليابانية من أجل أن نضع النموذج الياباني في إنشاء المدرسة، وعلينا أن نرى الفارق بين مدارسنا ومدارسهم. نحن نتفوق عليهم في مدارسنا بأن سلوك الفرد منضبط بحكم تقاليد الأسرة وقواعد المجتمع التي تشكل سلوكه الاجتماعي الديني القويم، وأقول علينا أن نضيف إلى تلك السلوكيات، بعض السلوكيات التعليمية اليابانية الأخرى مثل: تعليم الانضباط في الوقت، تعليم المسؤولية عن نظافة الفصل، حيث يعمل ذلك على تعلم كيفية تحمل المسؤولية مبكرًا، وتعليم الابتكار والاختراع من خلال الورش الصغيرة التي تحتوي على وحدات بسيطة من أدوات يستخدمها التلاميذ ليتعودوا على كيفية التعامل مع الأدوات الحديثة سواء كانت طرقًا زراعية، أو صناعية، أو غير ذلك. يبقى أن نقول إنه في عام 1968م أصبح اقتصاد اليابان الثاني بعد الولاياتالمتحدةالأمريكية، وكانت اليابان عام 1948م مدمرة، وكانت تتبع نظامًا اقتصاديًّا يعتمد على قاعدة تصنيع المنتج الواحد، حيث تنتج منتجًا واحدًا جيدًا بأسعار منخفضة، وحينما تنجح تنقل هذا المنتج إلى إحدى الدول المجاورة، وتقوم بإنتاج منتج آخر تحت قواعد: الجودة العالية، والتطوير المستمر، والسعر المنافس، وهي قواعد التصنيع الياباني اعتمادًا على أساس تعليمي مدرسي قوي. هل يمكن أن تصبح مدارسنا يومًا ما؛ هي المدارس التي يمكن أن تدفعنا لتصنيع المنتجات التي تنتشر في العالم؟ إن غدًا لناظره قريب. يبلغ متوسط كلفة الدراسة الجامعية للعام الواحد حوالى 1.4 مليون ين ياباني، ويعتبر من أعلى المصاريف بالنسبة للآباء، لذلك غالبًا ما يعمل الأبناء أعمالاً إضافية مؤقتة، بالإضافة إلى دروسهم الجامعية لتحصيل مصروفهم. هذا هو التعليم في اليابان، أرض الشمس المشرقة، ويجب على الجميع متابعة التجارب الرائدة في التعليم في كافة دول العالم، ونأخذ منه ما يفيدنا، ليصبح لدينا أفضل نظام تعليمي يعلم أولادنا وبناتنا الانضباط، وحب العلم والعمل والسعي إلى التقدم والازدهار. [email protected]