فيما يبدو فإن الصراع في ميدان التحرير بين زمن الإنترنت الفائق السرعة، وبين زمن آلة الراديو العتيقة قد تم حسمه لصالح شباب العولمة يوم الأربعاء الدامي، الذي اصطلح المصريون على تسميته ب “موقعة الجمل”، حين اقتحم مَن قِيل إنهم مؤيدو النظام مواقع المتظاهرين فوق ظهور الجمال والبغال والحمير، بهدف استعادة السيطرة على ميدان التحرير قبل أن ينقلبوا على أعقابهم خاسرين. كان يبدو أن نتيجة المعركة طبيعية، فالذين احتفظوا بالسيطرة على الميدان هم أبناء العولمة، فيما أن مَن انقلبوا على أعقابهم قد جرى استدعاؤهم من عصور سحيقة؛ ليطمسوا معالم عصر سيطر إنسانه على البُعد الرابع (الزمن). استطاعت قوى العولمة في ميدان التحرير، استقطاب أجيال سبقتها بالعمر، وأعجزتها أدواتها القديمة عن إحداث التغيير، وبدا للكافة أن شباب العولمة الذي استدعته الأحداث للنزول من العالم الافتراضي إلى أرض الواقع ليفجر تغييرًا طالما انتظره آباؤهم، وأعجزتهم أدواتهم عن بلوغه، ليس سوى “شمعة الاحتراق” التي أطلقت شرارة لم تكن لتتحرك بدونها الآلة المصرية العتيقة. شمعة احتراق من زمان العولمة تمنح قُبلة الحياة لآلة مصرية قديمة صانها الإنسان المصري على مدى آلاف السنين، لكنّ عهودًا من التردد حملتها إلى قاعات المتاحف قبل أن يدفع بها شباب العولمة مجددًا إلى قلب العالم. ما الذي حدث؟! من السابق لأوانه تحديد ماهية ما يحدث في مصر، وإن كان بعض أركان النظام قد وصفوه بأنه “ثورة”، بينما تحفظ بعض قادة الحدث في ميدان التحرير على وصفه بأنه كذلك، معتبرين أنه ليس سوى “حركة احتجاجات” سوف ترقى إلى الثورة عندما تتحقق كل مطالبها، وأيًّا كان توصيف الحدث أو تكييفه، فهو قد وقع محدثًا دويًّا تجاوز بكثير حدود ميدان التحرير؛ ليعصف بمراكز صنع القرار حول العالم وفي المنطقة، وإن كان ثمة أسئلة حول أسباب ما يحدث في ميدان التحرير فإن الأسباب لكثرتها يختنق بها حلق الحدث، وتتعثر فيها فرص الحل، فيما يبدو مَن يسأل وكأنه يجهل حضور الشمس، أمّا السؤال عن كيف وقع الحدث؟ فالجزء الظاهر من الصورة يشير إلى مفاجأة إستراتيجية كانت وراء حالة العجز التي أصابت عناصر النظام بأجهزته الحزبية والأمنية والسياسية، فالمؤسسة برمتها تنتمي -فيما يبدو- لعصر تجاوزه جيل الأبناء بكثير، لا مفرداتها مفرداته، ولا همومها همومه، ولا أدواتها أداوته، ولهذا لم يتصوّر أحد في موقع المسؤولية إمكانية أن يخرج هؤلاء الشباب من العالم الافتراضي الذي كان موضع استخفاف المسؤولين طول الوقت، إلى عالم الواقع الذي ظنوا أنهم يسيطرون عليه دون منازع. لم يتوقع أحد أن تتحوّل شاشات الكومبيوتر ، وكاميرات الهواتف النقالة، ومواقع التواصل الاجتماعي، إلى قنوات يجري فيها نهر التغيير حتى يفيض، فيغرق ميدان التحرير بطوفان بشري، هائل الكتلة، صلب الإرادة، ولهذا تمترست عناصر الأمن خلف الصورة النمطية للمعارضة الشقية و“القلة المندسة”، و“الكثرة المخدوعة”، وحين لم تستطع بأدوات حديثة، ولكن بفكر عتيق، العثور على أيٍّ من تلك الأنماط، باتت مستريحة فوق وسادة “الاستقرار” إلى أن داهمها الحدث الكبير، فوقع الانكشاف الأمني، فيما راح المحتجون يرفعون سقف مطالبهم، في عملية بدت وكأنها غرامة تأخير يتعيّن على مديري الأزمة من رجالات النظام تسديدها عن كل دقيقة تأخير في التعامل مع الحدث، ومع تداعياته المتسارعة. مديرو الأزمة من رجالات النظام يواصلون الرهان على كسب الوقت، ويطرحون تصورات للحل، لا يبدو من وجهة نظر المتظاهرين أنها تستوعب مطالبهم، ولهذا فثمة غموض يكتنف مجريات الأزمة، ويغطي على قنوات الحل، فيما تدخل مؤسسة الرئاسة المصرية ممثلة بنائب الرئيس عمر سليمان حوارات مع أطراف لا يملك أغلبهم أي قدرة على إقناع المحتجين في ميدان التحرير بالعودة إلى بيوتهم، رغم تعهد الرئيس بأنه لن يخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة، لا هو، ولا أي أحد من أسرته، وفيما يبدو فإن الأمر الوحيد الذي تجمع عليه قوى المعارضة في الشارع هو رحيل الرئيس، أمّا ما عدا ذلك فسوف يتقرر بعد الرحيل وليس قبله. دلالات المشهد في ميدان التحرير تتجاوز بكثير حدود الميدان، وحتى حدود مصر، إلى الشرق الأوسط كله، بل وحتى مناطق ما ظن أحد أن رياح ميدان التحرير قد تطالها، فالصين التي فاجأتها أحداث مصر، تساورها الهواجس حول إمكانية انتقال العدوى إليها، فيما يحاول مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي الهروب إلى الأمام بادّعاء أن شباب ميدان التحرير قد استلهم نموذج ثورة الخوميني، لكن قياديين في حركة الشباب المصرية ردّوا عليه مؤكدين أن التيار الإصلاحي في إيران هو من سوف يستلهم النموذج المصري للإطاحة بحكم الملالي. المشهد في ميدان التحرير تصنعه تقنيات الاتصال، ويتقدمه شباب العولمة، وهو يشرع الأبواب لجيل جديد بفكره وبأدواته، ربما استخف به البعض، وربما ساعد ذلك الاستخفاف على خروجه من العالم الافتراضي إلى عالم الواقع بتكلفة أقل، وإثارة أعلى، لكن توابع هذا المشهد سوف تتقرر شدتها ووجهتها في ضوء نتائجه النهائية، وفي كل الأحوال فإن تغييرًا قد وقع في مصر يصنع تاريخًا فارقًا بين ما قبل 25 يناير وما بعده. [email protected]