عكس عصرنا بما يعتريه من تقدّم وتطوّر وقيم ومبادئ طالتها عصا الحضارة أثره على روح الفنان فذهب يبحث في كل جزء من الأرض عن شيء يستحق أن يحوّره ويوّلد منه؛ لينتج جمالًا مختلفًا يعبر عن شخصيته وانفعالاته وقيمه حتى لو بدت لنا مجمّدة في قوالب أو حاويات ثلج. كلّ ذلك جاء ليتلاءم مع جنون الحداثة التي طرقت أبواب الثقافة لونًا وحرفًا وتغيّرت؛ ليكون الفن في صورته العامة معبرًا عن عقلية الفنان المتحضّر، وما أصابه من تغيّر نتيجة هذه التطورات المتلاحقة، والنماء الذي يشهده كلًا من الفنان والفن والمتلقي. أصبحت الفلسفة أمرًا رديفًا، فما تكاد تتحدّث إلى فنان إلا وتجد له فلسفته الخاصة التي تتعدى لونه وخطوطه إلى ما هو أبعد إلى شيء يتجذّرن الروح التي تخلق هذه اللوحة وتنفخ فيها بعضها. إن انطلاق الخديدي في اختيار خامة مختلفة أو نهج أسلوب مغاير لا تعني أنه لم يسبقه إليها أحد، بل نجد أن هذه التجربة “تجربة الحرية والتعبير عن القيم” قد أوجدتها حركة الدادية، والتي برزت في نهاية الحرب العالمية الأولى حين تمرد الفنان إثر فقدان القيم النبيلة، وعجز الإنسان عن مواجهة ما يعترضه من مخاطر، فانبروا يجمعون كل ما يرونه في صناديق المهملات؛ ليحوّلوه لشيء ثمين يتحدث عن قيم ماتت أو تحتضر، أو عن أوضاع مؤلمة لا قبل لهم بها، ونشأ حينها ما يسمى بفن القصاصات المركبة؛ فن يقوم على جمع الجرائد والأقمشة القديمة والأسلاك والرقائق المعدنية وغير ذلك، ولكن الفرق شاسع بين أن نجمع من نفاية، وأن نجمع أثرًا أو تاريخًا أو معالم إنسان، إذن سنتفق أن الأسلوب لم يكن جديدًا، والفكرة كذلك لكن طريقة التعاطي مع الخامة كانت هي الفرق بين الحركة التي انتشرت مابين عامي 1916- 1922وهوجمت على اعتبار أنها مجرد تخريب للجماليات. كيف تناول الخديدي هذا الفن باحترافية مختلفة يتلمّسها الجمهور، ويفهمها الجميع على اختلاف مستوياتهم الثقافية باعتبار أن الفن للجميع؛ ليربط بين المدرستين إحداهما كانت قديمة والأخرى. انبثقت من عهد قريب من أمريكا تحديدًا، وعرفت باسم مدرسة الفن الجماهيري الذي هو امتداد آخر للحركة الدادية، والتي نلاحظ أن كافة خصائصها تتجلى بوضوح في أعماله. على سبيل المثال لوحة الطفلة ومجموعة العرائس والصور وخلفية اللوحة كلها عناصر واقعية لها صفة الانتشار الواسع والمألوف لدينا جميعًا، والتي ترمي ببعد يختلف من شخص لآخر وفق ما يعتلج روحه وفكره. ماذا الذي يريد أن يصل به إلينا من خلال تجميده لهذه العناصر الجميلة؟ هل يريدها أن تبقى هكذا أمد الدهر ؟ صغيرته هل يجمّدها لتبقى طفلة أبدًا، ويظل مسبغًا عليها أحاسيسه الممتلئة بالدفء. الشفافية والتجمد نقيضان أحدهما سامٍ في معناه والآخر يذهل المعنى. هل التجمد تعبير بليغ عن الحب؟! مجموعة الأوراق التي استخدمها الفنان والألوان التي تشي بتاريخ قديم كأن الفنان يريد أن يضعه في قوالب ثلجية؛ خوفًا عليه من الضياع والاندثار، تلوّح في فلسفته التجميد الطريقة الأجدى للحفظ، وهل هذه الطريقة الخاصة في فلسفته قد تشبع رأي الآخر بالتأييد؟! الخديدي في لوحاته يظهر انفعالاته النفسية بحدة، وكأنه يقول لأحبته: “لن يسرقكم مني أحد، يتبين لنا ذلك من خلال المكعبات الثلجية التي حوت عددًا من الصور لأشخاص يعنون له الكثير. إضافة إلى الصورة التي تبرز فيها طفلته ميهاف وصديقه العسيري، ولا شك أن هذه اللفتة الإنسانية إنما كانت بفعل أحاسيسه الدفينة التي أبت إلا أن تظهر على سطح ثلجي لنقل شفاف مائي غامض، وإلا ما الفائدة التي سيخرج بها الفنان من طرح عنصر كهذا في لوحاته. إذن هو الشعور العميق الذي تملّك عليه حسه فأخضعه للتجميد. وتلك خاصية أخرى من خصائص مدرسة الفن الجماهيري. يصر على أن تكون صورة الإنسان ماثلة بشكل كبير؛ ولكن ظللت أتساءل لماذا حوى المعرض عددًا كبيرًا من الإنسانيات؟ أطفال وأوراق وأشخاص وعيون. ثم يجد المتلقي نفسه أمام الموناليزا ودافنشي هل كان الفنان في حالة تخبط؟ هل استمر يعاني من حالة الإنسان المتفاقمة هذه الحالة من عام 2006 وحتى 2009؟ لماذا لم يركز الخديدي على موضوع واحد وتناوله بكل أبعاده؟ لماذا تناول الإنسان من أمكنة مختلفة وزوايا كثيرة؟ ما الأحداث الإنسانية التي بزغت شمسها في هذه الفترة كانت جديرة بأن تجد لمكانها موقعًا ولم تجد؟! لقد كان خاضعًا لكل ما يطرأ على حياته فهو يتقاسم الحزن والقهر والحب والفرح والذكريات والخوف مما مضى وما سيأتي. ويثير الخديدي جدلًا في نفسي يتضارب بين خضوعه الإنساني، وبين ما صنعته أنامله، وبين ما يفهمه الآخرون. لماذا يؤثلج الإنسان؟ ولم لا يكون الانصهار بدلًا عن التجميد؟ أليس الانصهار هو الأكثر تعبيرًا عن الإنسان؟ لماذا كان يكرر في أفكاره؟ هل كان العمل لا يشبع حاجته فيضطر إلى عمل آخر؟ أم ترد إليه فكرة مفاجئة؛ فيعمد على تنفيذها فورًا؟ وهل يحسب هذا التكرار له أم عليه؟ مثلًا فهو لا يلبث أن يعيد استخدام الأوراق بأكثر من معنى، لا تكاد تستوعب انفعالاته في كل مرة. وهكذا نجد عددًا من أعماله يحمل ورقًا، ويحمل معه انفعالًا مختلفًا، لكنه يتباين تمامًا مع بقية المعروضات. مثال آخر ويتعاطى الإنسان بكافة مراحله، وبنوعيه الذكر والأنثى، فما فلسفته التي يريد أن يعكسها من عينيّ امرأة؟ وماذا يريد أن يقول بعد أن حبسها خلف السياج؟ هل يرمي لأمر مجتمعي يتمنى أن يجد له حلًا؟ ونراه هنا لا يزال يكرر استخدام العيون وتحديدًا مع النساء. لماذا النساء؟ إن هذا الأمر يبعث فكرته ورغبته وفلسفته التي يريد أن تصل للمجتمع، فهو هنا يحترم المرأة، ويقدر مبادئه ويحبسها فلا يظهر منها إلا عينيها، سياسة ذكر أم سياسة مبدأ؟ ثم فجأة نجد أنفسنا مع لوحة بعيدة تمامًا عن الأحياء تناقش زمن العولمة كقضية، وهو لا يستخدم لوحة مفاتيح واحدة إنه يعرض مجموعة؛ ليتحدث عن أطراف مختلفة ومن جهات أربع، وكأنه يرغب في تجميد هذه الأداة، ولكن يا ترى ما الذي كان يرمي إليه؟ وما القيمة التي تختفي في عرش عقله؟ الجورنيكا التي تتحدث عن مأساة الحرب الإسبانية كان لها وجود أيضًا، وملمح آخر أراد أن يصل به إلى المتلقي. هذا الحدث البعيد عن مأساة العالم العربي والإسلامي، ألم تكن أحداثنا أشد خطورة وحقًا في الحضور بمعرض فكرته تقوم على الإنسان ومعاناته. هذه الرؤية التي اعتنقها الخديدي تعكس مدى الانفجار الداخلي الذي رضخ له، فأخذنا في طرق غير معبدة، تارة يصعد بنا وتارة يهبط حتى يفقدنا توازننا، ونجد أنفسنا نتساءل: ماذا تريد أن تقول لنا يا فيصل؟ الحقيقة إنه يعبّر ببساطة شديدة ومدهشة عن قيم ومبادئ يراها قد تجمدت ويهديها الحياة، رغم أن الأشياء التي تقع عند درجة التجمد لا يمكن أن تعود، وكأنه يريد أن يحفظها دهرًا. إنه يتخبّط بين أمواج متلاطمة، وأخذنا معه في رحلة التخبط.