رغم ما شهدته العلاقات السعودية – الأمريكية من تطورات، لم يكن بعضها إيجابيًا، إلا أنها استطاعت أن تتجاوز كافة التحديات التي ظلت تواجهها على مدى 65 عامًا لتصل إلى ما وصلت إليه من مستوى متميز من الشراكة الاستراتيجية التي عبرت عن نفسها في العديد من المظاهر، بدءًا بما أبداه الجانبان من تعاون وثيق خلال فترة الحرب الباردة في التصدي للخطر الشيوعي، وحرب تحرير الكويت عام 1991. واستطاع هذا التعاون أن يحقق نقلة نوعية على صعيد تلك الشراكة من خلال تضافر الجهود لمواجهة مخاطر الإرهاب في فترة ما بعد هجمات سبتمبر الإرهابية، وتأكيد أمن الطاقة، والعمل معًا لحل القضايا والأزمات التي تهدد الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، وفي مقدمتها عملية السلام بعد أن تبلورت الرؤية السعودية للحل في قمة بيروت العربية ربيع 2002 فيما أصبح يعرف منذ ذلك الحين بمبادرة السلام العربية. ويمكن القول إن هجمات 11 سبتمبر الإرهابية شكلت نقطة تحول في مجرى العلاقات بين البلدين وإضفاء طابع الشراكة الاستراتيجية عليها، فقد بادرت المملكة على إثر الهزة التي شهدتها تلك العلاقات بسبب اتهام 15 سعوديًا من أصل 19 بمسؤولية تفجيرات نيويوركوواشنطن، واستغلال اللوبي الإسرائيلي في الولاياتالمتحدة المدعوم من المحافظين الجدد الذين كانوا يسيطرون على البنتاجون ، ومعهم أصدقاء إسرائيل في الكونجرس الأمريكي ، في شن حملة إعلامية هي الأعنف في تاريخ تلك العلاقات. عندما بدأت بوادر الاكتشافات النفطية في المملكة، فضل القائد المؤسس الملك عبدالعزيز – يرحمه الله – أن تكون الشركات الأمريكية، وليست البريطانية – هي من يعطى لها حق التنقيب عن النفط في المملكة، وقد تعاقبت الإدارات الأمريكية وتولى رئاسة الولاياتالمتحدة رؤساء من الحزب الجمهوري وآخرون من الحزب الديموقراطي فبعد ايزنهاور الجمهوري جاء كينيدي الديموقراطي ثم جونسون الديموقراطي ثم نيكسون وفورد الجمهوريان، ثم كارتر الديموقراطي ثم ريغان الجمهوري لفترتين ثم بوش الأب وهو جمهوري ايضا، وخلال تلك الحقبة لم تتغير المبادئ الرئيسية للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط واستمرت الشراكة السعودية الأمريكية وهي تجتاز اختبارات صعبة إقليمية ودولية مثل حربي 1967 و1973 وتداعياتهما، كما تعززت تلك الشراكة في مواجهة تحديات أخرى مثل الحرب العراقية الإيرانية. وواجهت الشراكة السعودية الأمريكية كافة مراحل القضية الفلسطينية، ورغم تباعد مواقفهما إزاء تلك القضية، إلا أن الانحياز الأمريكي لإسرائيل والدعم السعودي للفلسطينيين لم يتسببا في فك الشراكة، بل إن المملكة سعت في العديد من المناسبات في توظيف علاقات الشراكة مع واشنطن لكسب مواقف أمريكية أقل تحيزًا لإسرائيل وأكثر تعاطفًا مع الفلسطينيين، وهو ما تبلور في نهاية الأمر بإصرار الرئيس أوباما على ضرورة حل الدولتين على نحو ما أكدته القمة الأخيرة. والواقع أن المملكة نجحت في تطوير علاقاتها مع واشنطن إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية من خلال عدة مظاهر وإجراءات، لعل من أبرزها تكثيف اللقاءات بين القيادتين، عبر الزيارات المتبادلة بين كبار المسؤولين السعوديين والأمريكيين، وإبرام العديد من اتفاقيات التعاون بينهما في العديد من المجالات، وإقامة العديد من مجالس وجمعيات الصداقة والتعاون. وفي صعيد آخر، عملت المملكة على انتهاج مبدأ الإصلاح والتطوير كاستراتيجية عامة للدولة، ولعبت الإصلاحات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والتعليمية التي شهدتها ووصلت إلى ذروتها – وما تزال تشهدها- في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز – حفظه الله- دورًا كبيرًا في تهيئة المملكة لعصر العولمة وتعزيز قدراتها التنافسية على الصعيد العالمي، وهو ما تجلى في انضمامها لمنظمة التجارة العالمية ومجموعة العشرين.