لابورتا ينتقد طريقة فوز ريال مدريد على سيلتا فيجو    ضبط (8) يمنيين في جازان لتهريبهم (120) كيلوجرامًا من نبات القات المخدر    منظومة متكاملة وخدمات نوعية لكبار السن وذوي الإعاقة بالمسجد النبوي    «هيئة العناية بالحرمين» تتيح خدمة «واتساب وشات الحرمين»    عراقجي: ترمب أجهض مبادرة بيزشكيان تجاه جيراننا    الإعلام الرصين شريك في حماية الوعي العام    وحدة الشعب وثبات القيادة أساس قوة المملكة في زمن التحولات    هجمات إيرانية جديدة على دول خليجية وترمب يتوعد بضربة قوية    الهند: سنستأنف استيراد النفط الروسي    برناردو سيلفا سيرحل عن مانشستر سيتي في الصيف    تتويج فريق إمارة نجران بكأس بطولة "ليالي نجران الرمضانية لكرة الطائرة" وتكريم الجهات المشاركة    مسجد الجبيل شاهدٌ على عمارة السراة في الطائف    برئاسة الأمير بندر بن خالد الفيصل.. مجلس إدارة نادي سباقات الخيل يعين الأمير سلمان بن عبدالله رئيسًا تنفيذيًا    "جائزة القلم الذهبي": بناء لمستقبل الأدب والسينما    «هداية» تقدم أكثر من 59 ألف وجبة إفطار في النصف الأول من رمضان    إطلاق مسابقة الأمير نايف بن عبدالعزيز لحفظ القرآن الكريم    لنفطر معًا» مبادرة لعمالة زراعة بعسير    الدعيع ينتقد تصرف ايفان توني في مواجهة الاتحاد    الوليد بن طلال يحتفل بفوز الهلال على النجمة    أمطار رعدية متوسطة إلى غزيرة على معظم مناطق المملكة    ضبط 21022 مخالفًا لأنظمة الإقامة والعمل خلال أسبوع    وزير الدفاع يلتقي قائد قوات الدفاع قائد الجيش الباكستاني    «في حضرة البحر والإلهام».. أمسية شعرية تُنعش المشهد الثقافي في الجبيل    أجواء القرقيعان تُبهج العائلات في الجبيل الصناعية بفعاليات غاردينيا بيتس    وزارة المالية: الوضع المالي للمملكة قوي وبنية تصدير الطاقة متينة وتتمتع بالمرونة    عبدالعزيز بن سعود يتلقى اتصالًا هاتفيًا من وزير الداخلية وزير مكافحة المخدرات بجمهورية باكستان الإسلامية    الكويت تتصدى لموجة من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة الإيرانية    البحرين تعترض وتدمر 84 صاروخًا و147 طائرة مسيرة منذ بدء الاعتداء الإيراني    جمعية سفراء التراث تطلق مبادرة "معسكر في يدي حرفة"    أمسية رمضانية بعنوان: "العمل الإنساني كأداة لتعزيز حقوق الإنسان وقيم التعايش والتسامح"    جمعية حياتنا الترفيهية تنظم مبادرة "أبناء الجود 4" لذوي الإعاقة بمشاركة 400 مشارك في أربعة مولات    صحفيو مكة يحتفلون بزملاء الحرف في قلب التاريخ    قطر تستأنف حركة الملاحة الجوية جزئيًا    «سلمان للإغاثة» يوزع سلالًا غذائية على الأسر النازحة في خان يونس بغزة    هوساوي يتعرض للإصابة في مباراة الهلال والنجمة    مبادرة لإفطار 100 رجل نظافة في بلدية الظهران    *"وقاء" تبوك ينظم ورشة عمل عن الإدارة المتكاملة لسوسة النخيل الحمراء*    محافظ الطائف الأمير فواز بن سلطان يكرّم الفائزين والفائزات في مسابقة "بالقرآن نسمو"    البحث والابتكار والرفعة والازدهار في عيون ولاة الأمر    حين يتحول الألم إلى فاتورة مفتوحة    بين نار السياسة وتقلبات النفط الأسواق السعودية على صفيح أسبوع حاسم    نجاح فصل التوأم الملتصق الصومالي "رحمة و رملا" بعد عملية جراحية معقدة استغرقت 12 ساعة    أكثر من 2000 زائر في فعاليات قرقيعان «ألوان الجبيل»    أمانة حفر الباطن تطلق حملة إعلامية لتعزيز استخدام معابر المشاة الذكية    أمير الشرقية يستقبل مدير شرطة المنطقة ويثمن جهود رجال الأمن    محطة الفضاء الدولية ترين سماء جدة فجر الجمعة    بدء عملية فصل التوأم الملتصق الصومالي "رحمة ورملا" في الرياض    دراسة: ضجيج المرور لليلة واحدة يؤثر في صحة القلب    رئيس مركز قوز الجعافرة يتفقد احتياجات القرى ويرعى إفطار الأيتام ويترأس جلسة لإصلاح ذات البين    حماة الوطن    «الخدمات الأرضية» بجدة تقيم مأدبة إفطار    اجتماع خليجي – أوروبي طارئ لبحث تداعيات الاعتداءات الإيرانية    مجلس القضاء يقر تسمية رؤساء ومساعدي محاكم «المظالم»    عبر اتصالات غير مباشرة.. الاستخبارات الإيرانية تتواصل مع واشنطن لإنهاء الصراع    الأمن والأمان    مشروعية السواك للصائم    شراكة إستراتيجية لتعزيز جهود صون النمر العربي    السعودية.. صوت الحكمة والاتزان    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



التزامنية بين المتلازمة والاعتياد

تمثل أطروحة التزامنية Synaesthesia، وترجمتها الحرفية (ترافق الحواس)، فكرة استخدام حاسة بدلاً من حاسة أخرى وفي الواقعية الأدبية، تمثل أسلوبًا بلاغيًا يعرف بتراسل الحواس). ولقد انقسم المشتغلون على فكرة التزامنية لفريقين. ففريق هم من المهتمين بعلم الإدراك والبحث الدماغي، وهؤلاء يميلون للاعتقاد بأن «التزامنية»، ما هي إلا حالة مرضية تنشأ جراء تداخل إشارات في الدماغ بشكل عرضي، ويشيرون إلى أنها حالة شائعة بين النساء أكثر منها لدى الرجال وخصوصًا المشتغلين منهم بالفنون التعبيرية على اختلاف أشكالها (مسرح، بانتومايم، فنون جميلة)، فيصاب بها أربعة أشخاص من بين كل مائة شخص.
وعند تأمل تعاطي الناس مع أطروحة الحاسة البشرية، فسنجدهم ينطلقون في ذلك من خلال فهمهم التقليدي القائم على النطاق الضيق لفكرة الحاسة البشرية وتحديدًا ذلك التصور القديم الذي وضع لبناته الأولى الفيلسوف اليوناني أرسطو الذي يعد صاحب الصنافة الأولى التي جعلت من الحواس خمسًا فقط.
في حين أن العلم الحديث قد تجاوز هذه الفكرة، ليصل تعداد الحواس في بعض الكتب العلمية لخمس عشرة حاسة لعل أبرزها:
- الإحساس بالضغط.
- التوازن.
- الإحساس بالحرارة.
- الجوع والعطش.
- المشاعر العاطفية.
- إدراك حركة الأجسام.
- الإحساس بالألم.
- الإحساس بالزمن.
- الحكة.
- الدهليزية.
- الكهربائية.
- الرغبة بالإخراج (تغوط، تبول).
وعند تأمل تلك التفسيرات والشروحات التي قدمها لنا علماء التفسير عبر المتتالية التاريخية، فإننا نجد بأن جلهم قد كانوا يخرجون بالمفردة إلى معانٍ محدودة يرتئونها هم ويرون أن لا بديل لها على المطلق، من ذلك لفظة (ذوقوا)، في قوله تعالي: (أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ) 106 آل عمران.
إذ إن بعض مفسري القرآن، قد خرجوا بدلالة مفردة «التذوق» لمعاني ضيقة فقط مثلت فهمهم الذاتي لهذه اللفظة، وربما أملتها عليهم الدلالات الظاهرية للمكون البنيوي التعبيري لمفردة «ذوقوا»، في حين أنهم قد غفلوا عن فكرة مشاعة بين علماء اللاهوت وهي أن النص السماوي صالح لكل زمان ومكان وما ندركه كمعنى ونسقطه على جانب ما، سنجد لاحقًا بأنه يمكن إسقاطه على جانب ثانٍ وثالث وهلم جرا، بحيث يكون امتداد الدلالة للمفردة القرآنية مرتبط بمتتالية الزمن المعيشي للإِنسان، وهذا الطرح يحقق لنا فكرة «زمانية» المفردة القرآنية.
ولو تأملنا الفرد الإنساني فسنجد بأنه -أحيانًا- قد تتداخل لديه أكثر من حاسة في الاستقبال والتعاطي مع بعض الأشكال الحياتية. كأن ترتسم في مخيلته صورة قارب يمخر عباب الماء حينما ينصت لسمفونية الدانوب الأزرق للموسيقار النمساوي يوهان أشتراوس. وهذا الأمر قد نحمله على تلك الدراسات التي بنيت على عمليات مسح دماغي أجريت لأفراد؛ ولوحظ بأن ثمة حدوث لنشاط بصري لهؤلاء الأفراد بعد سماعهم لأصوات بعينها.
في حين يرى المشتغلون بالإبداع بأن هذا الأمر يدخل في السياق الطبيعي للملكة العقلية الإنسانية للشخص المبدع. فهم يعتقدون بأن الألمعي وخصوصًا في مجال الفنون كالموسيقى والرسم والنحت قادر على تقدير الأشياء بحاستين أو أكثر في ذات الوقت. فالفنان في نظرهم يستمع للموسيقى بقلبه لا بإذنه.منطلقين في فهم هذا بقول الأديب الألماني يوهان غوته: «أن تعرف كيف ترى بعين سبق لها اللمس، وكيف تلمس بيد تجيد النظر».
وليس أدل على ذلك من قصة رسام ونحات عصر النهضة الإيطالي ميكيل انجيلو، مع منحوتته الشهيرة المسماة «تمثال موسى Mses Statue». إِذ قد جسد هذا العمل الفني مثالاً حيًا على عبقرية ميكيل انجيلو في منح الصخرة الجامدة تعبيرات الحركة والحياة، فهز قد صور النبي موسى على شكل رجل مفتول العضلات جالسًا منحنيًا بجسده إلى اليسار بعض الشيء ولافتًا برأسه إلى اليمين بالكلية وفي حالة من التوتر وكأنه ينظر إلى قومه بني إسرائيل بغضب وهم عاكفون على عبادة إلههم العجل.
وتشير الروايات إلى أنه بعد أن أنهى ميكيل انجيلو نحت تمثاله وطالع كمية العبقرية والإبداع التي أودعها في هذه المنحوتة - التي غدت الآن تحفة خالدة لاتقدر بثمن - فإنه قد أخذ يضرب دون وعي منه، بأزميل النحت الذي كان يحمله بيده، ركبة التمثال وهو يصرخ به: انطق موسى.. انطق موسى.، فنتج عن ذلك أن أصاب ركبة التمثال كسرًا طفيفًا جراء هذا الصنيع.
فهل كان هذا الألمعي الإيطالي الذي يعد واحدًا أعظم فناني مرحلة النهضة، قد وظف مع تمثاله حاستين مثلاً، بحيث تكون الأولى هي البصر في حين الأخرى هي الكلام (التخاطب)، أي هل رأى في منحوتته من الكمال ما يحرض على البوح، فتحدث إليه وانتظر منه الرد فلما أبطأ عليه التمثال بالرد سارع لمحاولة استنطاقه، أم كان يتخاطر عقليًا Telepathy، مع التمثال الذي شكله بيديه وينتظر منه الرد؟!
أم هل الأمر في مجمله ضرب من الجنون أو هو عرض صحي يمكن تسميته ب«التزامن الحسي Synaesthesia»، أم هي عملية عقلية يمكن توصيفها بتداعي المعاني، تتواجد لدى فئة من البشر ممن يمكن أن نطلق عليهم فنانين عباقرة؟
حقيقة لا أملك إجابة، لكن يميل البعض من المتتبعين لهذه الحالة العقلية البشرية، للاعتقاد بأن أول من فطن لها وعبر عنها كتابيًا هو الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو Jean-Jacques Russeau، في كتابه الشهير (أميل Emile)، وتحديدًا حين افترض أن هناك مولودًا حين ولادته قد خرج على شكل رجل كامل النضج، فقامته قامة رجل وملامحه الخارجية ملامح رجل قد بلغ أشده.بحيث وصف روسو هذا (المولود الرجل، أو الرجل الولد)، بأنه يكون تمثالاً جامدا، كامل البلاهة، فاقد للحس فلا يرى شيئًا، ولا يسمع شيئاً، ولا يعرف أحدًا ولا تكون الألوان في عينيه أو الأصوات في أذنيه موجودة، بل هي عوض عن ذلك تجتمع مجمل إحساساته في نقطة واحدة، ولا يكون له غير فكرة واحدة، هي فكرة الذات التي يرد إليها جميع إحساساته.
وربما هذا الطرح هو ما أوحى للبريطانية ماري شيلي بكتابة روايتها الشهيرة فرانكنشتاين، التي عبرت فيها عن التزامنية على لسان أحد أبطال عملها الروائي وهو المسخ، وذلك حين يقول: «من الصعب على أن أتذكر الأيام من حياتي، فجميعها تبدو كتلة ضبابية واحدة هائلة. كنت أرى، وأشعر وأسمع، وأشم في وقت واحد...لكنني تعلمت بعدئذ أن أميز بينها».
ولو تأملنا نتاجنا الأدبي العربي، فسنجد بأنه قد بنيت على فكرة التزامنية العديد من الأعمال التعبيرية، من ذلك ماكتبه الشاعر اللبناني وديع سعادة، وتحديدًا في قصيدته المسماة (ارتدادات الهواء)، التي يقول فيها:
عوضَ أن يسمع الصوتَ يراه
آتيًا، على عكاز، من أماكن بعيدة تَعِبًا.
على كتفه حمولات كلام يريد أن يوزعه أعلى آذان
وعلى دروبه آذانٌ ترى ولا تسمع
عوضَ أن يرى الطريق يسمعها مثل صدىً بعيد،
كأنه يمشي على ارتدادات هواء
وكأن الأرض ليست ترابًا بل صوت
تراب يسمعه ولا يراه
وصوت يراه ولا يسمعه
كأنما لا يسمع غير خرسه
ولا يرى غير عماه
** **


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.