يستمر معرض الفنان الفرنسي بيير بونار في «متحف لوديف» حتى تشرين الثاني (نوفمبر) 2009. اجتمعت على جدران المتحف 65 لوحة وفدت من آفاق متباعدة، من متاحف ومجموعات خاصة. مع أهمية أصالة بونار اللونية لم يُعترف به حتى عام 1935، وذلك بسبب رؤيته وتمايزه في طوبوغرافية تشكيل الفراغ. تتمفصل لديه العناصر بطريقة أقرب الى الحلم والذكرى الناعسة الموشحة بالنسيان. تحمل تجربة بونار كل أسرار الحداثة التصويرية لما بعد الانطباعية، يمثل بالأحرى الثمرة الخصبة لمنعطف تيار الانطباعية الذي فتح بوابة الفن الحديث على مصراعيها. يصب في شطحاته اللونية كل ما له علاقة بالغنائية في مدرسة باريس بما فيه استشراف «التجريد الغنائي»، هو ما يفسّر تسمية مجموعته (فويار وسوريزييه) بالأنبياء من التنبؤ والرؤيوية وتبصر التيارات الحداثية اللاحقة، ابتدأت هذه التسمية مبكرة منذ عام 1890 حينما أنجز بونار للمرة الأولى في تاريخ الفن اعلان معرضه بالطباعة الحجرية (الليتوغراف). لكن تأثيره تجاوز هذه الحدود بعد أن أصبح مدرساً في «أكاديمية رانسون» عام 1906، وأصبح يعرض بصورة نظامية لدى غاليري «دوران رويل» الباريسية (البلدة التي ولد فيها عام 1967 وتوفي فيها عام 1947). عرف بونار بألغازه اللونية والتكوينية وبموضوعاته الحميمة، يصور ذاكرته الضوئية والقزحية عن الأشياء اليومية المألوفة فتتحول الى «طوباوية» تشكيلية، يصور زوجته مارتا في خلوتها في الحمام أو غرفة النوم، وأطفاله يداعبون القطط، كثيراً ما يستخدم المرآة ليس فقط لتصوير نفسه وإنما لقلب المنظور وتداخل الفراغ بين الداخل والخارج، لا فرق لديه بين دواخل الغرف وفردوس الحديقة، فإذا كان سابقه الانطباعي كلود مونيه يصور تحولات الضوء والزمن على واجهة كنيسة روان، فإن بونار ينكفئ بالرهافة اللونية نفسها ليصوّر ذاكرته عن الأشياء، فهو لا يترصّد الهوية الزمانية، لأن زمان فصوله مطلق لا يعرف فارقاً بين الشتاء والصيف، الربيع والخريف. يملك تأويله الشخصي الخاص (برهافته اللونية) حول موروث الشرق اللوني الموسيقي، خصوصاً الياباني والمغاربي. لا تفيد مرصعاته اللونية فقط من عين ثاقبة وباليتا انطباعية وانما وهو الأهم والأشد طليعية انها نتاج ثقافة أو فكر يكاد يتطابق مع نظيره الفيلسوف هنري برغسون. يؤمن مثله بالصيرورة الحدسية وديمومة الذاكرة النسبية وعدم التفريق بين سياق العالم الداخلي والخارجي إذ يعتمدان على عدم التماثل في تطورات حالتهما بصيغة دؤوبة. يتضاعف كل يوم الاهتمام النقدي بتأثيرات بونار في الفن المعاصر داخل فرنسا وخارجها. تفرعت عنه كما ذكرت بعض التجارب التجريدية الغنائية كما هي تجربة التجريدي استيف (باريس)، كما يملك تراثه اهتماماً خاصاً عند بعض التعبيريين العرب بسبب رهافته الحلمية المشرقية. فيبدو تأثيره في المحترف الحداثي العربي متفوقاً على بيكاسو وماتيس، لكن العائق الأكبر أن لوحاته على رهافة ألوانها تفقد نسبة كبيرة من تقنيتها في الطباعة. هو ما يفسر تأويله أحياناً بصيغة مسطحة أقرب الى الاستشراق منها الى روحه الحديثة المتطورة.