وزير الداخلية: إطلاق برنامج الأحياء المطوّرة يعكس دعم القيادة للعناية بمكة المكرمة وتحسين جودة الحياة    إطلاق 12 كائنا فطريا في متنزه السودة الوطني    بلدية محافظة صبيا تواصل أعمال السفلتة في مخطط أبو السلع    أمانة القصيم تُنفذ 2358 جولة رقابية بمحافظة عقلة الصقور خلال الربع الرابع لعام 2025م    نائب أمير منطقة جازان يستقبل محافظ الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة    أمانة القصيم تواصل مهرجان القصيم للصقور في نسخته التاسعة بالأسياح    نائب أمير جازان يشهد حفل ختام أعمال تجمع جازان الصحي 2025    تدشين أولى فعاليات سفارة جمعية الأدب برجال ألمع لعام 2026 بندوة ثقافية نوعية    تقنية الطائف تستقبل 950 متدربا مستجدا للفصل التدريبي الثاني    زوجه الشيخ عبدالجليل إبراهيم بترجي في ذمة الله    أسعار الذهب تتجاوز حاجز 4800 دولار للمرة الأولى    ابتدائية مصعب بن عمير تكرّم متفوقي الصف الرابع في مادة الرياضيات    حرس الحدود يختتم «السلامة البحرية» في عسير    إدانة سعودية لهدم الاحتلال مبانيَ تابعة ل«الأونروا»    الجيش اللبناني يبسط سيطرته على جنوب الليطاني    مجلس الوزراء يرحب بانطلاق المرحلة الثانية من خطة السلام الشاملة في غزة    تعليم الرياض يتصدّر في «مسابقة بيبراس»    أمانة الشرقية والأوقاف الصحية تبحثان تأهيل متعافي الإدمان    السديس يدشّن ركن «هداية» وإجابة السائلين بالمسجد الحرام    كيف تجعل نفسك قدوة تحمل الخير؟    نصف مليون ساعة تطوعية بهلال مكة    اعتماد إجراء «كرمشة المعدة» دون قص أو تحويل مسار بمستشفى الدكتور سليمان الحبيب بالريان    في الجولة ال 17 من دوري روشن.. النصر ضيفاً على ضمك.. والاتفاق يواجه نيوم    التعدين برؤية سعودية    ضبط 17 مكتب استقدام مخالفاً    الرياض ما عقبها    المملكة وجهة عالمية للاستثمارات النوعية    أمانة جدة تبدأ أعمال تحسين ميدان الجمل    وزارة الخارجية تعرب عن تعازي المملكة لذوي الضحايا ولشعب وحكومة باكستان جراء الحريق الذي وقع في مركز تجاري بكراتشي    المملكة تواسي باكستان في ضحايا حريق كراتشي    صيني يحطم أثاث منزله بسبب «غسالة»    سورية تنتصر لوحدتها واستقرارها    وسط تصاعد العنف في كردفان.. الجيش السوداني يقترب من فك حصار الدلنج    خلاف بشأن معبر رفح وخطط ما بعد الحرب.. تباعد بين واشنطن وتل أبيب حول مجلس غزة    وسط تصاعد التوترات حول أوكرانيا.. موسكو تتهم الناتو بالتحضير ل«حرب شاملة»    قصر الأمير سعد بن سعود يجسد شغفه بالعمارة والابتكار    أين نيشان!؟    القراءة بين النقد والتنمر    "هاتريك" توني يشعل صراع الهدافين في الدوري السعودي    القادسية قادم بقوة    صلاح يعود إلى تمارين ليفربول بعد مشاركته في "أمم أفريقيا"    «الحج»: الالتزام بالإرشادات يضمن أداء المناسك بطمأنينة    استعدادات مكثفة لانطلاق رالي باها حائل الدولي 2026    تعادل الشباب والنجمة بروشن    نظارات تساعد مرضى الزهايمر على التذكر    الصين تهزم فيتنام بثلاثية وتبلغ نهائي كأس آسيا تحت 23 في جدة    أمسية ثقافية تفتح ملف تحولات الكتابة    ايفان توني يشعل الصراع مع كريستيانو رونالدو    نائب أمير منطقة مكة يستقبل معالي رئيس الشؤون الدينية وأئمة وخطباء المسجد الحرام    آل كاسي يحصل على درجة البكالوريوس في القانون من جامعة الملك خالد    فرار 1500 داعشي من الشدادي يُثير مخاوف أمنية في شمال سوريا    محافظ الطائف يدشّن حزمة مشاريع تطويرية بتجمع الطائف الصحي    المملكة تدين هدم مباني الأونروا من قبل قوات الاحتلال    أمير الشرقية يؤكد أولوية الأمن ويدعم القطاع غير الربحي ويطّلع على مبادرات اجتماعية وصحية    أمير القصيم يزور مركز ساق ويلتقي بالأهالي    أمير منطقة الجوف يرفع الشكر للقيادة بمناسبة افتتاح مطار الجوف    الفقد منعطفاً… فكيف نواصل الحياة؟    وفاة تايواني استخدم كوباً حرارياً 20 عاماً    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حزب «النهضة» وأساطير النشأة
نشر في الحياة يوم 23 - 06 - 2013

في أحد أيام كانون الأول (ديسمبر) 1980، تلقّى موظف بسيط في جهاز الأمن من مواطن تونسي بسيط محفظة يدوية أضاعها أحد الأشخاص. كانت الحادثة عادية يقع مثلها كلّ يوم، إلاّ أنَّ فَتْح رجال الشرطة المحفظة كاد أن يغيِّر تاريخ تونس. فقد اتضح أنها ملك قيادي من الحركة الإسلامية التي كانت تسمى آنذاك «الجماعة الإسلامية» وتعمل في كنف السرية، وكانت تحتوي الهيكلة الكاملة للحركة في كلّ البلاد، بالأسماء المفصلة، ومعلومات أخرى كثيرة تكشف تقريباً كلّ شيء عن التنظيم السرّي للإخوان في تونس.
عندما علمت قيادة الحركة بالأمر، أدركت أن كشف أسماء جميع قياديّي تنظيمها لن يسمح لها باعتماد الخطة المعتمدة عادة، أي دخول هؤلاء في السرية. فضخامة العدد ستؤدّي إلى الشلل التام لنشاطاتها. كانت تونس آنذاك مرّت بأزمتين عاصفتين، هما القمع الوحشي للحركة النقابية سنة 1978 والمحاولة الانقلابية ضد النظام انطلاقاً من مدينة قفصة في 1980. في الحالين، لم تكن للإسلاميين أية مسؤولية ولا أية مساهمة، لذلك لم يكن الأمن مهتماً بهم اهتماماً دقيقاً. ولكن كانت هناك الثورة الإيرانية وشبح تسلّل الخمينية إلى تونس. وكان النظام الحاكم اضطرّ بعد الأزمتين المشار إليهما إلى التنفيس السياسي، وعيّن بورقيبة وزيراً أول جديداً هو محمد مزالي الذي وعد بفتح المجال للتعددية والديموقراطية.
لذلك احتار النظام أي سلوك عليه أن يسلكه، بعد كشف التنظيم السرّي. فإذا قرّر محاكمة أعضائه سيعكّر مجدّداً الوضع العام الذي وصل إلى أقصى درجات الاحتقان وكاد أن يفلت من سيطرته، وإذا ترك هذا التنظيم وشأنه فقد يسمح له بالتخطيط لما يشبه ما حصل في إيران قبل سنة. ظلّ النظام حائراً في تحديد أفضل طريقة للردّ، لأنه كان نظاماً قد هرم وفقد السيطرة على الوضع وأصبحت تتنازعه الطموحات المتباينة للطامعين بخلافة بورقيبة العجوز المشرف على الموت (مع ذلك عاش عشرين سنة أخرى بعد الحادثة!).
في المقابل، كانت الحركة الإخوانية ناشطة ومبدعة، لم تشارك في النضالات السياسية والنقابية المتواصلة في تونس منذ الخمسينات، ولم يعرف مناضلوها السجون والمنافي ولم يكونوا موضع اهتمام خاص من الأجهزة الأمنية. بل على العكس، شُجِّعَت نشاطاتهم لمواجهة اليسار الذي سيطر على الجامعات والنقابات، وللتشويش على الحركة الحقوقية التي خرجت من صلب الحزب الحاكم وأصبحت تهدّد بإنشاء حزب منافس لبورقيبة يمكن أن يجد الدعم من الغرب. فكّر أعضاء الحركة في أفضل الطرق للخروج من ورطتهم، فرأوا أن يبادروا بتقديم ترخيص لتكوين حزب سياسي، مستفيدين من إعلان النظام آنذاك رغبته في فتح عهد من التعددية والحريات، واتفقوا على القول إن هيكل الحركة الذي انكشف أمره لا يعدو أن يكون مشروعاً لهيكلة الحزب إذا ما منح حقّ النشاط.
كانت تلك طبعاً كذبة كبرى صيغت على مبدأ الغاية التي تبرّر الوسيلة، بما لم يكن ليخطر على بال مكيافيللي نفسه، وهذا دائماً شأن السياسة. وبادر هؤلاء بالإعلان عن تكوين هذا الحزب يوم 6 حزيران (يونيو) 1981، ورأت السلطة في ذلك تحدياً إضافياً لها، فقرّرت محاكمة الحركة وأعضائها. وكانت تلك المحاكمة أكبر هدية منحتها السلطة البورقيبية المتداعية للحركة الإخوانية. فقد كان المناخ العام في البلد يشهد نوعاً من الانفراج وحرية التعبير، فكانت وقائع المحاكمة تنقل يومياً وبكلّ موضوعية على صفحات بعض الجرائد المستقلة والمعارضة، واستفاد الإسلاميون استفادة عظمى من هذا المنبر الهائل الذي مُنح لهم للتعريف بأنفسهم والبروز فجأة كأكبر قوة معارضة ومضطهَدة.
بورقيبة لم يكن جادّاً في زعمه آنذاك فتح المجال للديموقراطية، بدليل أنه سمح بقيام الأحزاب وتنظيم انتخابات تشريعية، ثم زوّرت نتائجها بأمر شخصي منه. لكن ما ينبغي أن يقال أيضاً، إنّ الإسلاميين بدورهم لم يكونوا جادّين آنذاك في دعوى الانخراط في الديموقراطية ولا حتى الإيمان بها، بل كان كثيرون منهم، إن لم يكن معظمهم، يعتبرونها بدعة مستوردة من الغرب وأمراً حراماً. وقد لا ينتبه البعض اليوم، وهم يقرأون البيان التأسيسي لحركة الاتجاه الإسلامي (حركة «النهضة» لاحقاً)، إلى أنه لا يتضمن كلمة ديموقراطية، ولا يتضمن من الحريات إلا حرية التعبير والتجمع (لأنها الوحيدة المفيدة للحزب الناشئ)، مع أنّ المطالب الديموقراطية والحقوقية كانت مطروحة بقوّة في تونس منذ الستينات، وقبل عشرين سنة من الظهور الرسمي للتيار الإخواني على الساحة.
تواصل التاريخ بعد ذلك مراوحاً بين نوع من التلاقي الغامض والمتردّد بين الحركة والديموقراطية، بسبب ما نال مناضليها من القمع والاضطهاد، وما نعم به آخرون من إيجابيات الإقامة في الغرب «الكافر» والاطلاع عن كثب على مزايا الديموقراطية فيه. ولا شكّ في أنّ التاريخ يتطور، وكذلك مواقف الأشخاص والأحزاب، ولا عيب في ذلك. لكن من المهمّ أن نحرص على بيان هذا التطوّر، لأن تنسيب التاريخ يساهم في تنسيب الحاضر، أما التحوّل من تاريخ النشأة إلى بناء الأساطير حولها فقد يفتح الطريق إلى التحوّل من حزب حاكم إلى حزب ديكتاتوري.
لقد احتفلت حركة «النهضة» الأسبوع الماضي بالذكرى ال 32 لتأسيسها، واختارت أن تسم هذه الاحتفالات بكثير من البهرج الزائف والرضا المفرط عن النفس، وزعم زعماؤها أن حركتهم نشأت ديموقراطية وللديموقراطية، وأنها، لذلك، الأولى بقيادة التجربة الديموقراطية في تونس. وبشّر السيد راشد الغنوشي أتباعه بأن الحركة ستنتصر في الانتخابات المقبلة والتي تليها، وصفّق هؤلاء بكلّ حماسة، ولم ينتبهوا كما لم ينتبه شيخهم إلى أنّ هذه البشارة هي نقيض الديموقراطية القائمة على تداول السلطة.
كان هذا الإعلان والتصفيق دليلاً في ذاته على أن طريق الوعي الديموقراطي الحقيقي ما زال طويلاً ومحتاجاً لكثير من التعميق.
... أردنا أن نذكّر ببعض الأحداث من الماضي لأن تنسيب الأمور والالتزام بروح التواضع والقبول بالماضي مع علاّته ونواقصه هو أيضاً جزء من الوعي الديموقراطي الذي لن يستقيم بناء من دونه.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.