لا يمكن ضمان نجاح أي ثورة مهما كانت مبرراتها، حتى لو جاء فساد السلطة واستشراء الفقر، مبرراً كافياً لقيامها، كما لا يمكن صناعة ثورة راشدة وحكيمة ما لم تكتمل بنيتها الثورية من الداخل، فالذين يصنعون الثورة من خلال دفع جماهيري بذاكرة مكدسة بالأوجاع والمعاناة، والذين يقومون بها فعلياً على أرض الواقع لن يستطيعوا صنع حضارة من نوع ما من خلال الثورة، ما لم يمتلكوا أدواتها كاملة، فالثوار الشعبيون الذين يخرجون للساحات لن يمكن إعادتهم إلى بيوتهم ما داموا لم يستشعروا حقيقة ما يمكن أن يطمئنهم بأن ثورتهم نجحت تماماً. صنّاع الثورة لن يقدروا على تقديم البراهين والحجج الكافية لإقناعهم، كما لن يكون لديهم القدرة الكافية للسيطرة على الشارع الذي أججوا فيه روح الثورة، خصوصاً بعدما تحقق للبسطاء ما كانوا يحلمون به من انتزاع «سيادة الريس» من كرسي الرئاسة، فنشوة الانتصار لن تدع الفرصة كافية لأن يأخذ العقل مجراه، هذا العقل أو التعقل الغائب تحت رايات المنتصرين الذين أسكرتهم النشوة لدرجة أن الحلم الذي كان يراودهم وأصبح حقيقة جعلهم يتوهمون بأنهم قادرون على استحضار المارد بينهم و«بفركة إصبع» سيسارع كالبرق بتنفيذ طلباتهم. لعل أكبر خطأ ارتكبه صنّاع الثورة في حق الجماهير العربية الثائرة على حكوماتها تركهم من دون إعادة بناء المجتمع من الداخل، فنحن نعلم أن الثورة الأميركية الأولى التي أدت إلى نيل استقلالها عن الإمبراطورية البريطانية، على سبيل المثال، والمحرضة لقيام كل الثورات التالية، قد سبقها إرهاصات أدت إلى تبرم الأميركيين من الضرائب الجائرة المفروضة عليهم، فكانت النتيجة حاسمة باستقلال شامل لكل الولايات، تبع ذلك ثورات شعبية تنتفض على قوانين الرق والعبودية، فنحن نعلم كيف كان «فريدريك دوغلاس» يقطع الولايات الأميركية كي يقدم عريضة احتجاجه بلغة خطابية واعية ورصينة ضد كل العنت الذي كان يلاقيه إخوانه السود المستعبدين في كل الولايات، واستطاع عبر رحلة مثيرة ومضنية كسب الأصوات إلى صفه بما في ذلك البيض، وعقب 30 عاماً قضاها مصطبراً على البلاء والمحن استطاع أن يقوض نظام الرق لتشرق بعدها شمس الحرية وإلى الأبد. الثورة الفرنسية لم تكن لتندلع ويكتب لها النجاح لولا تآزر المجتمع كله على رفض الاستبداد بعدما مستهم أيادي الجوع الغليظة جراء تردي الأحوال الاقتصادية، لذلك فإن من الخطأ الفادح الذي ارتكبه صناع الثورات العربية استعجالهم قطف ثمار الثورة والمسارعة للبحث عن المكاسب والثروات المخبأة التي في ما لو تحققت ستحل من معاناة الشعوب الاقتصادية إلى الأبد، وكان هذا الحلم كافياً لتلتهب حماستهم للخروج إلى الساحات، متناسين أو غافلين الأهداف السامية والمطلقة لأي ثورة التي من أهمها الحرية، وعلى أساسه جاءت مطالباتهم المتعجلة بعيدة من هذه القيم الحقيقية لها، وهذا ما أتاح للقوى الممنهجة، وفق رؤى واضحة، أن تخترقها وتلقي بثقلها وتكسب الرهان على اعتلاء سدة الحكم، لذلك غيّرت من مسارها الطبيعي على اعتبار أنها صنيعة علمانية بحتة لتقع في فخ الحكومات الثيوقراطية وكأنها بذلك تلف حبال المشنقة بطريقة مشرعنة على رقبتها من جديد، وهذا ما يمكن تسميته حركة إحياء لوثرية جديدة على الطريقة الإخوانية ذات الصبغة الميكافيلية التي تسعى إلى تحرير الحياة من سلطتين هما السلطة العلمانية والسلطة الدينية التقليدية المحكمة للشريعة بكل تفاصيلها الدقيقة بمثل ما قام به «مارتن لوثر» من تحرير الدين من السلطة التقليدية للكنيسة، إلا أنها ستظل في حيز الارتباك ما بين شد وجذب سيستنفد الوقت والجهد من دون إحراز تقدم كبير للوصول إلى عناقيد الثورة المرتجاة، ومتى استمرت على هذا المنوال ستظل مفرغة من قيم الثورة الحقيقية، وهذا ما سيثبت عقمها السياسي والتاريخي. فالثورات التي لا تستطيع أن تقدم نظاماً جديداً ومختلفاً يُخرج الشعب من أزمته الضاربة، وعلى رأسها استشعاره بالحرية، فإننا نستطيع الجزم بأنها ستفتقر يوماً ما إلى ثورات مضادة تنقلب على المفاهيم السابقة، ولكن ليس قبل استكمال متطلباتها وتحديد قيمها الراسخة، وتمكنها من عقول الناس قبل قلوبهم، لذلك فإن نستطيع تسمية الثورات العربية الحديثة، على رغم الدوافع الاقتصادية والسياسية المشروعة والنيات الحسنة المحبوسة في ضمائر الناس ثورات ردود الأفعال المستعجلة، فالثورات الحقيقية لا تعني التحرر من همّ ما يمثله الحاكم، كما أنها ليست هي بالضبط ما تفهمه الجماهير العربية من أنها السعي بالقوة لإزالة حاكم مستبد عن سدة الحكم، بل هي اتخاذ مسار تاريخي مختلف وأن أحداثاً أخرى مختلفة وبصياغات جديدة تظهر على السطح وتمارس فعلها الكامل في حياة الناس. لقد كشفت الجماهير العربية ومن خلال صناديق الانتخاب تأثرها المباشر والتلقائي بالحكام الجدد الذين استطاعوا اللعب على الوتر الروحاني من دون السياسي الواقعي مع نثر حفنة من الوعود المستهلكة، لتكسب الرهان وتصل، ولدن أبسط الاختبارات في مادة إدارة البلاد يكتشف رسوبها بامتياز، أو على الأقل لم تلبِ جزءاً من طموحات الجماهير العريضة ذات الأطياف المختلفة، هذا عدا أنها لم تستطع كسب تضامن المناهضين لها، فكل يوم يمر تتسع هوة الفرقة وينشق عنها مزيد من الأتباع، كشفت لنا تبعات الثورة المتعجلة النتائج حقيقة أخرى مفادها أن الثورات لا يمكن أن تنهض على ركام من البغضاء والحقد والغضب، بالمقابل فإنها لا يمكن أن تبنى على العواطف الجياشة، وأخيراً فإن هذه الدول ستتحمل مغبة عدم نضوج الرؤية للثورة بما يكفي للقيام بها، وستدفع ضريبتها من خلال عمليات تصحيحية طويلة الأجل حتى تكون قادرة على تجسيدها بعمقيها الإنساني والروحاني الحقيقيين. * كاتب وروائي سعودي. [email protected] @almoziani