ربما بدت كتابة محمود الورداني تعبيراً جمالياً رهيفاً عن مسار السردية السبعينية في بنية الإبداع المصري، في ما يعني أننا أمام كاتب يملك رهانه الخاص على التّماس مع واقعه المحلي، والتعبير عنه، انطلاقاً إلى أفق إنساني أرحب. وفي روايته الجديدة «بيت النار» الصادرة عن دار «ميريت» في القاهرة، يبدو الورداني مسكوناً بالسياسي، ومنغمساً فيه، ساعياً إلى تخليق ذلك الجدل الخلاق ما بين الأيديولوجي والفني، حيث يطل الواقع السياسي المصري في حقبتي الستينات والسبعينات ليمثل ذلك الزمن المرجع في الرواية، الحاوية إشارات للتحولات السياسية/ الثقافية في بنية المجتمع المصري، بدءاً من هزيمة الصيف السابع والستين، مروراً بتنامي الحركة الطالبية واحتلالها المشهد في بداية السبعينات، ودفعها السادات إلى اتخاذ قرار الحرب ضد العدو الصهيوني، ووصولاً إلى انتفاضة الخبز في أحداث 18 و19 كانون الثاني (يناير) 1977، لقد بدت التنويعات المشار إليها علامات فارقة في تاريخ الأمة المصرية، كما بدت في السرد إطاراً حاكماً لما جرى، وخلفية لما كان. وفي ذلك كله تبقى قدرة الكاتب على توظيف طاقات التخييل السردي، وبما يفضي إلى انفتاح مدارات التلقي والتأويل لنص محكم ومتجانس تتواشج فصوله السردية لتخلق في ما بينها جدارية عن الحياة المصرية بتنويعاتها. فثمة جماعة بشرية في أزمة، يبرز فيها السارد/ البطل (مصطفى) الذي نرى العالم عبر عينيه، وكأنه عدسة كاميرا تنقل لنا ما دار، وتظل حركته داخل الرواية مقترنة بإيجاد مساحات جديدة للفعل السردي المنتج على مستوى التقنية. كما تمثل تحولاته داخل النص، منذ أن كان صغيراً، بدءاً من عمله بائعاً للثلج، ومروراً بعمله صبياً لكواء، وعاملاً في مطبعة، ووصولاً إلى عمله صحافياً ثم ناشطاً سياسياً. في نص سردي محمل بالأيديولوجيا، لا يمكن الفصل بين الإهداء الذي صدر به، والمتن السردي، بحيث يمكننا القول إن الإهداء الدال في «بيت النار» لمناضلين من اليسار المصري: الشاعر محمد صالح، والفنان محمد شهدي، يعد – وباختصار - جزءاً من البنية السردية للرواية، والتي تشكل الفصول السردية المختلفة: «صيف الثلج/ نوال/ بيت النار/ أيام المانجه/ الفرقة خفيفة الحركة/ رسائل الشهداء/ بيت الحب»، مجمل المتن السردي لها، والتي يصبح السارد/ البطل فيها العنصر المركزي في إدارة السرد وتنظيمه، فعبره تتكشف الحوارات داخل الرواية، لنرى عالماً ممتداً ومتسعاً عبر عينيه اللتين تنقلان لنا مشاهد/ مقاطع النص المختلفة. ثمة ارتحالات قلقة تكشف عن مقطع من الحياة المصرية بتنويعاتها المختلفة في حقبتي الستينات والسبعينات من القرن المنصرم، عمادها «مصطفى» المار بتحولات يتشابك فيها الذاتي بالموضوعي، ويمتزج فيها الخاص بالعام، وتتكشف الروح الستينية بالتعايش البديع بين المسلمين والأقباط. ولعل الإشارة الذكية إلى العلاقة بين «العم عريان» و «مصطفى» تعد دليلاً على ذلك. ومن نمو الشعور القومي إلى انكسار الحلم الناصري وإجهاضه، يتحرك مصطفى حاملاً، ومعه أمه «قمر»، عبء أسرته الصغيرة، متنقلاً بين أمكنة مختلفة، باحثاً عن ستر منشود، وأمان مبتغى. لنصبح أمام عالم إنساني يعبر عن المقموعين والمنسيين. وفي السبعينات تطل الحركة الطالبية بزخمها السياسي، وتأثيرها اللافت في دفع السادات إلى اتخاذ قرار الحرب ضد إسرائيل، وصولاً إلى إجهاض الانتصار المصري بفعل معاهدة السلام، ومن قبلها الانتقال إلى عصر التبعية الاقتصادية بفعل قرارات الانفتاح الاقتصادي عام 1974. ربما يصبح مناط الجدارة في رواية «بيت النار» قدرتها الضافية على أنسنة الأشياء، وخلق عالم مواز، ورهيف في آن، يختبئ خلف المقولات السياسية، وزخم الأيديولوجيا، ورهاناتها، وبما يعني أنه - بالأساس - عالم إنساني تخييلي، ينطلق من الواقع لاكتناهه واستبار جوهره الثري. وعبر هذا النزوع الإنساني يقدم الكاتب شخوصه (قمر - نجوى - حنان - نوال - فريدة - العم عريان)، والملاحظ أن ثمة حضوراً بارزاً للمرأة في النص، بحيث تتنوع لتصبح (نجوى) المرأة القوية/ اللعوب التي تهيمن على مكان الفعل السردي (الحارة)، أو (حنان) الابنة ذات النزق الخاص التي تهوى الراوي/ البطل، أو (نوال) الفاتنة عشيقة الكل، أو (فريدة) المثقفة والناشطة السياسية، أو فاطمة الخرساء التي يشغلها جسدها أكثر من أي شيء آخر، وكلهن تنويعات على تيمة المرأة التي تظل (قمر) إحدى أهم تجلياتها بنزوعها الأمومي اللافت. وفي الارتحالات المتواترة للسارد/ البطل تتكشف مصائر الشخوص وعلائقهم الاجتماعية، وتشابكاتهم السياسية، وصولاً إلى انخراطه الفعلي في العمل التنظيمي السري في السبعينات، لنصبح أمام نقطة تحول درامي في حياة السارد/ البطل، حيث يتعرف إلى (فريدة) التي تصير شريكته في معايشة الحياة من جديد، والتعاطي معها من منظور مغاير. ثمة إحالة يصنعها الكاتب إلى روايته «نوبة رجوع» والصادرة في عام 1990، وبما يعني امتداداً للمشروع السردي لديه من جهة، وتوظيفاً دلالياً لمقطع كامل من عمر الأمة المصرية في لحظة فارقة (حرب 1973) من جهة ثانية، حيث تعد الحرب بمثابة الزمن المرجع الذي تتقاطع فيه الروايتان، وتتحرك فيه الشخصية المركزية في العملين، «مصطفى» والذي يعمل في قسم المتروكات، حيث يتسلم جثث الشهداء ومتعلقاتهم الخاصة في عمله داخل الجيش، ما يصيبه بحال من الارتباك والتشوش، بخاصة أن ثمة تحولات عاصفة من حوله، لم يعد باستطاعته أن يفهمها أو يتابعها (اتفاقية الفصل بين القوات المصرية والإسرائيلية/ قرارات الانفتاح الاقتصادي). يوظف الكاتب آليات التشكيل الكتابي على فضاء الصفحة الروائية، حيث يكتب بخط مغاير أكثر بروزاً تجربة اعتقال السارد/ البطل، وتنقلاته ما بين السجون المصرية المختلفة حاوياً بعداً توثيقياً، يتواري خلفه شجن إنساني نبيل، يتكئ على تقنية البناء الدائري، إذ يبدأ الفصل وينتهي بالمقطع ذاته: «عنب... ركله يسمع: واحد يا فل/ اتنين يا ياسمين/ تلاتة يا أجدع ناس معلمين/.../ تسعة يا زهرة الشباب والحركة الوطنية/ تسعة يا كده/ عشرة يا كده وكده/ حداشر ومفيش أحسن من كده». ينهي الكاتب «بيت النار» بمقطع يصفه بأنه «على سبيل الخاتمة»، ولكن هل ثمة نهاية يمكن أن تلوح لبطل مطارد/ مُقصى أربكته الحياة بتصاريفها، بعد إخفاق ذاتي نابع من إخفاق عام، وتجل له في آن، إنه سارد/ بطل مشغول بالحياة وحدها، يرغب فحسب أن يتقلب بين أعمالها/ صورها، فيحيا كبائع عطر، أو عازف فيولين، أو رسام بورتريه، أو طالع للنخل، أو حارس للكروم، أو مغني راب في هارلم، غير أنها قد فاتته تلك الأعمال جميعها، كما هي الحياة ذاتها، حين تفلت من كل من يحبونها: «فاتتني كل هذه الأشغال التي طالما هفوت إليها، ولسوف أبدأ فيها على الفور، وها أنا أحمل صنارتي متوجهاً إلى شغلي على مجاري المياه، وفي أعالي البحار». في «بيت النار» يتقدم محمود الورداني بثبات تجاه أنسنة الأيديولوجي، وصبغه بماء الحياة، موظفاً السخرية بصفتها أداة لإنتاج المعنى وتوليده، مدركاً جدل العلاقة ما بين السياسي والفني، ومنحازاً إلى ناسه، الحاضرين منذ الإهداء وحتى المختتم في رواية تعد امتداداً لمشروعه الروائي المائز، وتوسعة له في آن.