من الجيد انتشار كل هذه البرامج الثقافية التي تملأ الأندية الأدبية، أو مؤسسات المعرفة، أو الأجنحة الحوارية من المكتبات العامة، وذلك خلال السنوات الخمس الماضية، وتلك الفعاليات وإن كانت تدور في الغالب على موضوعات أدبية مكررة، في جزئيات في الشعر والأدب، غير أن مزاحمة هذه البرامج لبرامج التنويم والظلام بحد ذاته أمر إيجابي، غير أن ذلك التطور في كمية الفعاليات الثقافية يبدو لي أنه يشبه التطور الأعرج، حيث تدخل على الفعاليات الثقافية تقاليد اجتماعية قديمة، وعادات سلوكية سيئة، وربما ألخص ملاحظاتي الكثيرة على تلك الفعاليات بهذه المحاور: - تبدأ الندوات أو الفعاليات بقصائد تمجيد وتعظيم مبالغ فيها، حيث يتم إطراء الضيف المثقف بأوصاف وألقاب، يحشد لها المقدّم كل ما تعلمه في الأدب من أبيات في المدح، فيُحْرج الضيف، ويمللّ الضيوف، ويظنّ الناس أن الضيف قد عمل على كتابة المقدمة مع المقدّم، بينما هو في حال من الحرج والضيق في الغالب، ولا أنكر وجود عينات تطرب لهذا الإطراء والتمجيد الذي لا يستند على أسس واقعية، يستمرّ المقدّم بسرد حياة الضيف، بينما محطات حياته لا تعني الضيوف بشيء، ذلك أن الفعالية الثقافية ليست لعرض البطولات والصولات والجولات، ثم يكمل المقدم سرد كل الدول والبلدان التي زارها الضيف، ويبدأ بالزعيق والفحيح الذي يأخذ المقدم إلى مساحات عالية من الحماس، حتى يملّ الضيف والضيوف، لذا من المهم انتقاء مقدّم يفهم بالعمل الثقافي والحواري، وذلك لحماية الحضور من الملل، ولحماية الضيف من أن يوضع في مكانٍ ربما لا يريده. - يستأثر الضيف بالحديث وذلك في ورقة ربما تصل مدتها إلى ساعة كاملة، وهي مدة كثيرة، ذلك أن الورقة التي يجب أن تُطرح من المفترض ألا تتجاوز بضع صفحات، تتضمن خلاصة رأيه في الموضوع المطروح، وألا تتجاوز الورقة حجم المقالة الأسبوعية، ذلك أن الحضور لا يتحمّلون الاستطراد بضرب الأمثلة، أو محاولة إشباع الموضوع من جوانبه كافة، فالورقة الثقافية تختلف عن الرسالة الأكاديمية، الورقة عبارة عن خلاصة بحث، تُقرأ على الحضور ويتم الحوار حولها، وحينما يرى الضيف أن من الحضور من يطلب بعض الشواهد على استنتاجاته تلك، من حقه حينها أن يضرب للسائل بعض الأمثلة، هذا هو الفعل الثقافي الذي يثري، حينما تكون الجلسة أو الفعالية عبارة عن حوار مستمرّ وحوار جماعي بين الحضور والضيف، ويجب على الضيف ألا يفهم أنه أفضل من الحضور، أو أنه يتميّز عنهم بشيء، أو أنه هو العالم وهؤلاء من العامة! - يستطرد بعض الضيوف في ذكر هوامش، كذكر سعة مكتبته، أو عمق تفكيره، أو عن الحفاوة التي استقبل بها حينما زار هذا البلد أو ذاك، ويبدأ يعدّد علاقاته التي تربطه بالزعماء والمسؤولين، أو يتحدّث عن سرعة بديهته، أو عن تواضعه مع خدمه، وهي عناوين مضحكة، حيث يتكلّف بعضهم من أجل أن يبدو عظيماً، كما يحاول أن يدّعي التزامه بسمة التواضع والقرب من المنبوذين والمشردين، المهم أن بعض الضيوف يحول الأمسية الحوارية الفكرية، إلى حفلة عاطفية، ثم يبدأ بعضهم، بعد أن ينتهي من إلقاء الندوة، باستقبال قبلات تطبع على رأسه، وهو ما يرجوه بعض الضيوف، أن يتم تقديسه وتعظيمه. وأخيراً، فإن تلك الفعاليات جيدة، لكنها تحتاج إلى غربلة إدارية، فيجب - مثلاً - تحديد الوقت بشكل صارم، والمثقف الذي لا يحترم الوقت المحدد يعبّر عن همجيته، فالوقت الذي يحدد يجب أن يُحترم، وأستغرب من مثقفين يطالبون بالنظام والمجتمع المدني... الخ من قائمة المطالبات، ثم لا يستطيعون أن يتقيدوا بالوقت، هؤلاء يحتاجون إلى دورات تدريبية في معامل تطوير الذات، ويحتاجون إلى تعلّم آخر لأبجديات السلوك الثقافي. [email protected]