اختتام "كليجا بريدة" بحضور تجاوز 500 ألف زائر و 340 منفذًا للبيع والتسويق    الخريّف: تكامل السياسات والاستثمار والتقنية مفتاح لتلبية الطلب العالمي على المعادن    بدء أعمال السجل العقاري ل(122) قطعة عقارية في تبوك ومكة والشرقية    القمر يقترن بكوكب زحل مساء اليوم    القبض على مواطن لنقله وإيوائه (47) مخالفًا لنظام أمن الحدود    طاقم تحكيم سعودي بقيادة فيصل البلوي يضبط صافرة نهائي كأس آسيا تحت 23 عاماً    مهرجان جازان 2026 يشهد مشاركة أكبر "كولد برو" في العالم    متحف اللوفر أبوظبي يُقدّم معرض "بيكاسو، تصوّر الشكل" - معرض بارز يستكشف تطوّر مسيرة الفنان في عالم الفن الحديث    في افتتاحية مثيرة لبطولة منتخبات جازان "العارضة" يعبر جازان و"الطوال" يقصي صامطة بركلات الترجيح    إنماء الأسرية بفيفاء تكرّم الإعلاميين المشاركين في مبادرة الحوار الأسري ضمن مهرجان جازان 2026    جمعية الإعاقة السمعية بجازان تعقد جمعيتها العمومية        سيرة من ذاكرة جازان.. الأستاذ سلطان موسى المنقري    إمام المسجد الحرام: تحصين الشباب مسؤولية كبرى وحسن الصحبة حصن من الانحراف    النفط ينتعش وسط مخاوف بشأن الإمدادات    أمطار مصحوبة بزخات من البرد مع رياح نشطة    الهلال يتحرك رسميًا لضم قادر ميتي    إنزاغي: ثقتي كبيرة في تحركات إدارة الهلال في سوق الانتقالات    موعد مباراة الهلال القادمة بعد الفوز على الفيحاء    قطر تستقبل القوات الأمنية الخليجية المشاركة في تمرين «أمن الخليج العربي 4»    بالأرقام.. مكاسب بالجملة بعد سوبر إيطاليا وإسبانيا    من رونالدو إلى بنزيمه.. مشروع ضخم يبحث عن مجدٍ مستحق    فن صناعة الحضور المقنع    اللهجة العامية في المتاحف السعودية    الخيال والابتكار    الأقمار الصناعية.. أسلحة الردع غير المرئية    أحياء ميتون    نزول البروتين بالبول سام للكلى    غيرة أم الزوج.. كيف تُدار العلاقة دون خسائر أسرية    صياغة الرياض لمعالم الاستقرار في اليمن بتأمين الاقتصاد    تدخل طبي دقيق يرفع كفاءة بصر امرأة تجاوز عمرها «100» عام من «5%» إلى 100%    حين تسبق الوقاية المرض    السيولة والائتمان محركات للأسواق السعودية الأسبوع المقبل    السعودية ثاني أكبر مصدر للصكوك عالميا    وزير الخارجية ورئيس وزراء لبنان يبحثان أوجه التعاون    نائب أمير مكة يؤدي صلاة الميت على فيصل بن تركي بن فيصل آل سعود    نائب أمير منطقة مكة يستقبل القنصل العام لجمهورية ألمانيا    أمير الشرقية ونائبه يعزيان التركي    دمشق: واشنطن تفضل الشراكة معنا لمحاربة داعش.. الجيش السوري يبسط سيطرته على مخيم الهول    نتنياهو يقبل دعوة ترمب للانضمام ل«مجلس السلام»    السعودية تدين التفجير الإرهابي في كابل    إطلاق 12 من الوعول والظباء بمتنزه السودة    لجنة فنية لتذليل عقبات تنفيذ «الجسر البري»    المنتدى السعودي للإعلام يستكشف الكنوز السعودية    السعودية تعزز الشراكات العالمية في «دافوس».. توطين الصناعات الواعدة وتقنيات الذكاء الاصطناعي    أمير الرياض .. ولحظات مؤثرة    الشهراني يحتفل بزفاف نجليه عبدالله وتركي    استقبل أئمة وخطباء المسجد الحرام.. نائب أمير مكة يطلع على استعدادات شؤون الحرمين لرمضان    «التخصصي» يحتفل بتخريج 379 طبيباً    أسرتا فايز والنجدي تتلقيان التعازي    دافوس.. وذئب الدبلوماسية العالمية    5 دقائق من المشي يومياً تقلل خطر الوفاة    وزراء خارجية المملكة و7 دول يرحبون بالدعوة للانضمام إلى مجلس السلام    تحالف دعم الشرعية في اليمن: ندين الهجوم الإرهابي على موكب قائد الفرقة الثانية بقوات العمالقة    إطلاق 12 كائنا فطريا في متنزه السودة الوطني    نائب أمير جازان يشهد حفل ختام أعمال تجمع جازان الصحي 2025    «الحج»: الالتزام بالإرشادات يضمن أداء المناسك بطمأنينة    المملكة تواسي باكستان في ضحايا حريق كراتشي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



وطن أدى قسطه للعلى... كفى
نشر في الحياة يوم 30 - 07 - 2014

كأنه المريض الذي يتمدد أمام طبيبه فيسمعه يقول له محذراً:
- انتبه، إذا عاودتك النوبة مرة جديدة فستكون الأخيرة، ولن تنجو منها.
هذه حال لبنان الذي لا يزال، حتى اللحظة، قادراً على تجنّب نيران جهنم الملتهبة حوله، وقد كانت بداياتها تُسمّى ثورات ربيعية.
لم يعد للبنان حساب كبير في معادلات المنطقة، إذ إنه في هذه المرحلة ليس أكثر من بلد تحت السيطرة بانتظار اتفاق خارجي على تعيين رئيس له.
هو المريض الذي نجا في ما مضى من مجازفات خطيرة أقدم عليها مدفوعاً بالنخوة، وأحياناً بالغرور، كما بالإكراه أو الإغراء.
لكن لبنان هذه المرة التي قد تكون الأخيرة، هو رهينة ذاته، وهو، في الوقت عينه، أمانة لدى ذاته، أي لدى أهله. فإن خان أهله الأمانة، فإلى جهنم لبنان، وطناً، وتاريخاً، ومواطنين ما زالوا يحتفظون بكونهم شعباً.
مشكلة التاريخ أن كتبته مؤلفون يذهبون مع زمنهم، ثم يأتي بعدهم، في زمن آخر، من ينقل عنهم الحقيقة، أو الخطأ، وقد يحوّر، أو يحذف، أو يزيد. ولبنان دائماً ضحية أو غنيمة لبعض كتّاب تاريخه.
في هذا العصر، الكومبيوتر، والكاميرا، وآلة التسجيل، أصدق إنباء من الكتب ومن كثير من وسائل الإعلام المرئية، والمسموعة، والمكتوبة، والإلكترونية. مع ذلك، الخطأ المقصود وارد، وإن كان أحياناً نوعاً من التزوير الفج.
تشبه خريطة لبنان على الورق شكل هراوة غليظة مدببة بالتضاريس، وتمتد من ناحية الشمال باتجاه الجنوب، منتفخة قليلاً في الوسط عند سلسلة جبال لبنان الشرقية، وقبالتها سلسلة الجبال الغربية لتنتهي جنوباً مثل لسان بحري على الحدود مع فلسطين.
لكن، على طول الحافة الشرقية الممتدة من جبل الشيخ إلى أقصى الشمال البري والبحري، تلتف سورية حول لبنان مثل قوس قزح.
هذه المساحة التي يتكوّن منها الوطن الصغير، والتي لا تعادل أكثر من مساحة ناحية من نواحي دولة عربية كبيرة، لا تزال تمثّل نظاماً مختلفاً في المنطقة يحظى بدمغة ديموقراطية.
ولقد تعاقبت الدروس والفرص التي يُفترض أن تكون كافية ليتعلّم اللبنانيون كيف يعيدون ترميم نظامهم كي يكتسب معنى الديموقراطية فيتمكنوا من تحصينه ضد الانهيارات التي يشاهدونها أمامهم. بل إنهم يسمعون حالياً استغاثات النساء والعجّز والأطفال الذين يظلّون أحياء تحت الركام، ولا سبيل أمامهم للخلاص كما أتيح لسواهم الفرار.
ثمّ إلى أين يفرّ اللبنانيون إذا انغمسوا في المحنة أو انزلقوا إليها؟ فالعدو الإسرائيلي بمحاذاة خاصرتهم من الجنوب، والبحر وراءهم، ولا مراكب. أما الأخ، والجار، الذي كان إلى جانبهم يرفع راية حامي الحمى فقد باتت رعاياه مشتتة في أصقاع الأرض، حاملة «بقجة» نكبة فلسطين الأولى بعد خمسة وستين عاماً عليها.
نسبة الثلث من الإخوة والجيران السوريين انضمت إلى نسبة الربع من الإخوة والجيران الفلسطينيين الذين تقاطروا ضيوفاً على الديار اللبنانية فضاقت بأهلها، وقد شحّت مواردها وينابيعها إلى حدّ الجفاف، فيما شبكات أنوارها تنطفئ، الواحدة بعد الأخرى، في مشهد يشبه نهاية حفل عرس.
لم يعد لبنان مهماً للعرب، كما كان من قبل، حين كان وحيداً في مواجهة العدو الإسرائيلي زمن فلتان الحدود الجنوبية مع فلسطين المحتلة.
في ذلك الزمن الذي بدأ في مطلع الستينات، مع أول عملية فدائية ضد الاحتلال من خارج فلسطين، كان لبنان الخندق الأول، ثم القاعدة المحمولة على الكتف لإطلاق الصواريخ باتجاه العدو، وكانت تسقط في أي رجمة مثل مذنّبٍ من دخان. وأول ضحية في تلك اللعبة التي كانت عواقبها المدمرة ترتدّ على لبنان، كان الفلسطيني مصطفى كعوش، فقد قضى تعذيباً تحت أيدي عناصر من «الشعبة الثانية»، أو «المكتب الثاني» في الجيش اللبناني. وكان عذر قيادة الجيش منطقياً ومقبولاً: لا يحق لأي كان، من اللبنانيين، أو سواهم، أن ينفرد بعملية مخاطرة، ثم يذهب وينام لتتلقى قرى الحدود الجنوبية صواريخ العدو مقابل لا شيء...
ولكن ما لم يكن مقبولاً، ولا إنسانياً، أن يكون نصيب ذلك الفلسطيني المغامر تعذيباً حتى الموت، وإن عن غير قصد أو عمد.
يومها قامت قيامة الجماهير الشعبية في لبنان، وامتدت إلى عواصم الدول العربية، مشرقاً ومغرباً، ضد دولة لبنان وجيشه.
في هذه الأيام يقمع الجيش اللبناني، بدعم من «حزب الله»، إطلاق الصواريخ العشوائية من الجنوب على المستعمرات الإسرائيلية في شمال فلسطين المحتلة، ويُدرج هذا الفعل المشروع في خانة السيادة اللبنانية، ولا يلقى أي انتقاد، أو اعتراض، من أي جهة على مدار الوطن العربي الكبير. أما في الماضي فكان مثل هذا التصرف فعل خيانة لا يُغتفر.
حادثة كعوش التي حصلت قبل حوالى خمسين سنة وضعت تاريخاً لبداية أزمة لبنان مع ذاته ومع محيطه العربي، وكان لبنان قد مرّ قبلها في حرب داخلية ظلّت محصورة بين جبهة لبنانية اتخذت العروبة شعاراً لها وسياجاً ضد الأحلاف الأجنبية، وجبهة لبنانية أخرى جعلت من العروبة عدواً للبنان.
لكن أسباب الأزمة كانت أعمق. كانت في أساس النظام اللبناني، ولا تزال. هي أزمة عدم مساواة في الحقوق المقدسة بين اللبنانيين، وهم طوائف ومذاهب ليست من صنعهم، ولا من خيارهم، في حين أن دستورهم يصنفهم «أمة واحدة».
من تلك الفجوة المصطنعة بين «اللبنانية» و «العروبة»، تسللت أنظمة العسكر والقمع العربية إلى الهيكل اللبناني تحت راية فلسطين، وراحت تعمل على تقويضه. وما كانت لتنجح لولا المساعدة من بعض أهله.
ولقد صمد لبنان طويلاً، ولا يزال صامداً، حتى اليوم، على أمجاد سابقة كان يستحقها. وهو استحقها بالقول والفعل. ولطالما اشتهر بأنه وطن التميز، والتنوّع، والائتلاف، ووطن الاختلاف، ضمن الوحدة، في إطار من الديموقراطية التي كان ينفرد بها وسط المنظومة العربية. ولذلك وُصف، على مدى العهود، بأنه درة العقد العربي، وبوصلة الاتجاه نحو المدنية، والثقافة، والحرية، والفنون، والفرح، والإبداع.
كانت العاصمة بيروت جامعة العرب، وصحيفة العرب، ومنبر العرب، وفندق العرب، ومطعم العرب، ومقهى العرب، وملهى العرب، ومستشفى العرب، وميدان العرب للتظاهرات، ورفع الرايات والشعارات، وتنفيس الكبت المحتقن في الصدور، وفي الرؤوس، وفي الأفواه والأقلام.
ولم تكن تلك الأوصاف التي أسبغت على لبنان من مصطلحات المجاملات، إنما كانت تمثل الواقع الذي يلمسه الزائر، والسائح، فيتعلق بالوطن العربي الاستثنائي بأسلوب عيشه، ومزاج شعبه، فضلاً عن طبيعة مناخه، حتى إذا فارقه حمل معه منه في ذاكرته، وفي وجدانه، مزيجاً من مزايا الشرق والغرب تغنيه عن السفر والذهاب بعيداً.
ولطالما كسب لبنان من كتابات الصحافيين، والأدباء، والشعراء، والفنانين العرب والأجانب مدائح تتحول مسابقات لنيل الجوائز في وصف بيروت.
ولقد انفردت بيروت بالوهج العربي المتاح. لكن البعض من الفلسطينيين، ومن اللبنانيين، وسائر العرب، جعل منها طبلاً يُقرع فتُسمع أصداؤه في أرجاء العواصم العربية، تلك التي كانت ساكنة تحت رهبة وقار النظام العسكري الحاكم مستمعاً إلى هدير الثورة الآتية من مدينة الشعر والموسيقى مع الهتاف الذي يروح يعلو، وتعلو معه البنادق والرشاشات المرفوعة بقبضات شبان وفتية يافعين. بعضهم كان يغادر الصفوف الثانوية والجامعية، والبعض الآخر من أجيال ناضجة كان يغادر المكاتب والدكاكين والبيوت، والبعض الآخر كان يلبي النداء فيأتي من أرصفة البطالة وأزقة التيه.
ومن ناحية أخرى كانت تأتي إلى ساحات بيروت طبقة مثقفة، بجناحيها، الأرستوقراطي، اليساري بالدمغة والمدني العلماني بالانتماء إلى رسالة لبنان العربية الحضارية. ولم يكن ملفتاً أن يكون هناك محمد، ومارون، وعلي، وجرجي، ومعروف.
وفي مكان آخر من بيروت كان هناك «غداء المجدرة» كل يوم سبت حيث كانت تلتقي شلّة من سيدات وسادة، فتأتي عليا رياض الصلح متلفعة بالكوفية الفلسطينية المرقطة، وبيدها رشاش، وفي حقيبتها دفتر إيصالات مقابل التبرعات التي كانت تنهال لنصرة فدائيي فلسطين.
ذلك كان لبنان الذي أدى قسطه للعلى قبل أن يبدأ الهبوط. فماذا بقي من ذاك اللبنان اليوم؟ وماذا بقي من الديموقراطية، على علاتها، ومن المدنية، على تشوهاتها؟
بل ماذا بقي من دستور «الأمة» ومن القوانين، وماذا بقي من نمط ذلك العيش الذي كان نموذجاً للاندماج، ليس فقط بين أبناء الشعب الواحد، بل بين كل الديانات، والمذاهب، والمبادئ.
ماذا عن بعلبك التي كانت تنافس بمهرجاناتها العالمية مدن الفنون، والغناء، والرقص، والموسيقى؟
ماذا عن «جبيل» التي كانت تسرق أضواء باريس ونيويورك؟
وماذا عن «صور» التي كانت تحوّل وجهات رحلات عشّاق التاريخ والحضارات فتأخذهم من أثينا ومن الأندلس؟
وماذا عن «بيت الدين» التي تحاكي لياليها المقمرة ليالي فيينا وبرلين؟
وماذا عن بيروت، ست الكل، وأميرة الليل والنهار، وعروس البحار التي كانت تتكلم لغات كل الأمم، وتلبس أزياء كل الشعوب، وتوزع الذوق، والفرح، واللطف، والأنس، هدايا للسياح والزائرين؟
فماذا بقي من كل تلك المدن؟ ماذا بقي من ذلك «اللبنان»؟
بقيت المقاومة التي دحرت العدو الإسرائيلي...
نعم، وهذا إقرار بالواقع، وبالواجب، وبالرضا والتسليم، وعلى الرأس والعين؟
ولكن ماذا بعد؟
ماذا بقي من الدولة اللبنانية؟ ماذا بقي من الشرعية، ومن أدنى الاحترام للدستور؟
مجلس نواب يُعقد بكامل نصابه، وبأكثر من الثلثين، في بهو الجدل، والتنمير، والتنكيت، ثم يتبخر عند قرع الجرس، هرباً من الدخول إلى القاعة لانتخاب رئيس باسم الشعب الذي يكون حاضراً بكامل نصابه، أمام شاشات التلفزيون، فيصاب بالخيبة، ويصب اللعنات، ثم يطفئ الضوء.
وحده المواطن اللبناني يرزح تحت عبء الواقع المرير...
ولعله الوحيد الذي يسمع تحذير طبيب الوطن:
- انتبه... إذا عاودتك النوبة مرة جديدة فستكون الأخيرة، ولن تنجو منها... لقد أدى لبنان قسطه للعلى... كفى...
* كاتب وصحافي لبناني


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.