الهيئة الوطنية للأمن السيبراني تشارك في معرض الدفاع العالمي 2026    بأكثر من 5000 زائر.. وزارة الإعلام تختتم مساحة "جسر الإعلام" في المنتدى السعودي للإعلام    تحديد جاهزية رونالدو لمواجهة الاتحاد    نائب أمير الشرقية يستقبل الفائزين في مسابقة يوم الابتكار بإمارة المنطقة    طالب يحقق المركز الأول في محور نجم التقديم بمسابقة "مواهب 10"    سعود بن طلال يرعى مؤتمر الأحساء للأورام    الكرملين: روسيا ستتعامل بمسؤولية رغم انتهاء أجل معاهدة الأسلحة مع أمريكا    تراجع حاد في أسعار الذهب والفضة والأسهم وسط ارتفاع الدولار وموجة بيع واسعة في السوق    القيادة تهنئ رئيس جمهورية بوروندي بذكرى يوم الوحدة لبلاده    العربية للاستثمار تُطلق هويتها المؤسسية الجديدة    متقاعدو ضمد ينظمون فعالية «المشي من أجل صحتك» برعاية محافظ المحافظة    فيرجن موبايل تفتتح متجرها الرئيسي في الرياض .. محطة مفصلية لمسيرة بيوند ون بالمملكة    المستشار الألماني يغادر الرياض    4903 زيارات رقابية تعزز حماية حقوق الإنسان    أكد متابعة التحقيقات لمحاسبتهم.. «الرئاسي الليبي»: قتلة نجل القذافي لن يفلتوا من العقاب    أمير الرياض يستقبل سفير الكويت    جلوي بن عبدالعزيز: العمل الخيري في المملكة قائم على البذل والعطاء والتكافل    الأمن البيئي يضبط ناقل الحطب المحلي    الساعات الأخيرة في الانتقالات الشتوية تغير جلد الاتحاد    بنزيمة في أول حديث له بالقميص الأزرق: الهلال.. ريال مدريد آسيا    في ختام زيارة أردوغان.. بيان مشترك: تنسيق سعودي – تركي لتحقيق الأمن والاستقرار    16 مليار ريال مبيعات أسبوع    الجامعات تشكل أساس البناء.. الأكاديميات الإعلامية.. استثمار ينتظر الازدهار    أمير الشرقية يدشّن ويضع حجر الأساس ل321 مشروعاً تعليمياً    سلمان بن سلطان يستعرض إنجازات المخطط الإستراتيجي لإدارة النفايات    أكد المضي في تطبيق العدالة الوقائية.. وزير العدل: 43% نمواً بمنظومة تنفيذ أحكام التحكيم    الشيخ يحتفل بعقد قران يارا    لجهوده في الأخلاقيات الطبية.. حلمي يكرم كشميري    سعود بن بندر: تطوير التعليم أولوية وطنية    كاتس: سنفكك حماس ونقضي على قدراتها.. إسرائيل تربط إعمار غزة باستكمال أهداف الحرب    تهيئة بيئة تعليمية حاضنة ومحفزة للابتكار.. 40 دولة تشارك في مؤتمر «الموهبة والإبداع»    10 جهات وأعمال وشخصيات فائزة ضمن المسارات المختلفة.. وزير الإعلام يتوج الفائزين بجائزة السعودية للإعلام    جامعة الملك سعود تنظم ملتقى الأوقاف والتعليم    أكثر من مليوني معتمر استفادوا من خدمة التحلل مجانًا    البيت الأبيض يؤكد استمرار المحادثات رغم التوتر العسكري.. طهران تحصر التفاوض مع واشنطن في «النووي»    حياة الفهد تعود إلى الكويت لاستكمال علاجها    هندي يمشي 10 آلاف خطوة على كرسي    جناح المملكة يختتم حضوره في كتاب القاهرة    زحمة الرياض والإنسان الجديد    تعيين فيصل الجديع مديراً تنفيذياً إقليمياً ل LIV Golf في السعودية    الاحتياط للسلامة    الرئيس اللبناني: لا رجوع عن سلطة القانون و حصرية السلاح    وفد من سفارة أميركا يزور الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان    كانتي من الاتحاد إلى فنربخشة    تعال إلى حيث النكهة    سراب الشفاء في ليلة وضحاها..    السعودية في وجدان كل يمني    عسى أموركم تمام والزوار مرتاحين    اللسانيات الأمنية قوة الردع الإستراتيجي لتفكيك الإرجاف    الكشف المبكر يرصد 5 حالات سرطان    أمير منطقة جازان وسمو نائبه يعزّيان عريفة قبيلة السادة النعامية بالعالية في وفاة والدته    الحُمدي يشكر القيادة بمناسبة ترقيته للمرتبة الرابعة عشرة بالرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء    السعودية وتركيا تؤكدان تعميق الشراكة الاستراتيجية وتوسيع التعاون الاقتصادي    تحت رعاية الأمير عبدالعزيز بن سعود.. مدير الأمن العام يشهد تخريج الدورة التأهيلية للفرد الأساسي للمجندات الدفعة ال (8) بمعهد التدريب النسوي    اللواء الركن ساهر الحربي يرأس الاجتماع السنوي الخامس لقيادات القوات الخاصة للأمن البيئي بمنطقة حائل    البصيلي مفوضًا للإفتاء بمنطقتي عسير وجازان    نائب أمير جازان يعزي شيخ شمل السادة الخلاوية وتوابعها في وفاة والده    المملكة تعزي شعب الكونغو جراء انهيار منجم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



صراع الهوية والدين والسلطة في مصر
نشر في الحياة يوم 19 - 10 - 2011

لا يخلو مشهد الصدام بين قوات الجيش المصري والمتظاهرين الأقباط، في ما بات يعرف ب «مجزرة ماسبيرو»، من مفارقات تستحق التوقف والتأمل. وهو مشهد يُضاف إلى سلسلة المشاهد العبثية التي حفلت بها «المرحلة الانتقالية» التي يتولى إدارتها المجلس العسكري منذ أن تم خلع الرئيس مبارك في شباط (فبراير) الماضي. وهي مفارقات تتجاوز حدود الصخب والضجيج الذي يملأ الفضاء العام ويحتل مساحة كبيرة من ساحات التفاعل الاجتماعي على شبكة الانترنت، كي يصل إلى أعماق الوعي الجمعي المصري الرابض في خلفية هذه الأحداث. وهي مفارقات تم التقاطها من بين ثنايا المواقف والشعارات «التلقائية» التي خرجت من جميع الأطراف المشتبكة في تفاعلات هذه الأحداث.
أول هذه المفارقات هو أن تظاهرة «ماسبيرو» لم يكن هدفها الاحتجاج على الاعتداءات التي وقعت على احدى الكنائس بجنوب مصر، وإن كان هذا سبباً ظاهراً، وإنما كانت بالأساس تعبيراً عن رغبة الأقباط في تصحيح أوضاعهم من «أقلية» لديها شعور بالمظلومية التاريخية من الدولة والمجتمع، إلى أقلية تتمتع بنفس حقوق الأغلبية وتأنس بامتيازات المواطَنة الكاملة. لذا فإن التظاهرة لا تختلف كثيراً عن أي من التظاهرات «الفئوية» التي تخرج يومياً للمطالبة بحقوق أفرادها ومن تمثلّهم، فما لا تخطئه العين هو أن أقباط مصر في مرحلة ما بعد الثورة، شأنهم في ذلك شأن كثير من الجماعات التي عانت اضطهاداً ممنهجاً من النظام السابق كالإسلاميين، يشعرون بأهمية اللحظة الراهنة، باعتبارها لحظة تأسيسية جديدة في تاريخ مصر لا يجب تفويتها قبل أن يتم تصحيح الخلل في أوضاعهم السياسية والاجتماعية وضمان عدم تجديد مظالمهم. وبالنسبة الى الأقباط، فإن الخطر الأكبر على مستقبلهم لا يأتي من العسكر، الذين تورطوا في قتل متظاهريهم، وإنما من الإسلاميين. لذا، فقد كان من بين الشعارات التي استوقفت في تظاهرة «ماسبيرو» ما يتعلق بتحذير الأقباط للمجلس العسكري من ترك السلطة للإسلاميين، وذلك بافتراض أن هؤلاء سوف يحصلون على أغلبية المقاعد البرلمانية في انتخابات تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل. وهنا يتبدى حجم المعضلة القبطية، فأولئك الأقباط الذين آثروا الخروج والتظاهر، لم يفعلوا احتجاجاً على «ظلم» الدولة وأجهزتها (قرار محافظ أسوان بوقف البناء في كنيسة المارناب)، ولكنهم خرجوا للمطالبة ببقاء هذه السلطة في الحكم من أجل تفادي خطر أكبر وهو وصول الإسلاميين للسلطة. وهي معضلة تكشف حجم الهوة بين الأقباط والمسلمين من جهة، وبينهم وبين الدولة من جهة أخرى. لذا فقد كانت فاجعة الأقباط مضاعفة حين خذلتهم السلطة التي خرجوا للاستجارة بها، بعدما ظنت هي الأخرى أن ثمة مخططاً «خارجياً» يُدار بأيدٍ قبطية من أجل إحراج العسكر وإخراجهم من السلطة تحت شعار الفشل في حماية المواطنين وتوفير حرية ممارسة الشعائر الدينية، وهو ما قد يفسر الرد العنيف للعكسر على تظاهرة «ماسبيرو» التي اعتبروها «إهانة» وتعدياً غير مسبوق على «هيبة» الجيش وقياداته.
ثاني هذه المفارقات وأكثرها غرابة ما يمكن أن نسميه بأصولية «الوعي القبطي»، فمن بين الشعارات التي رفعها متظاهرو «ماسبيرو»، لفتت النظر شعارات صادمة لا تختلف كثيراً عن تلك التي يطلقها المنتمون الى التيارات الأصولية الإسلامية، منها على سبيل المثال: «ارفع رأسك فوق إنت قبطي»، «إحنا أصحاب الأرض ومش هنمشي»... إلخ. لا أريد الخوض في الجدل حول تحديد المسؤول عن تبلور هذا الوعي الطائفي وتطوره حتى وصل إلى هذه الدرجة من العزلة والانطواء على الذات، لكن ما يجب لفت النظر إليه هو حالة الهوس والتطرف الهوياتي التي باتت تسيطر على كثير من المصريين، بصرف النظر عن انتماءاتهم وخلفياتهم الدينية والأيديولوجية. وهي قطعاً قد تكون حالة مفهومة وربما تكون منطقية لدى أقلية عانت، ولا تزال، تمييزاً منهجياً فى ظل نظام سلطوي كان يضطهد الجميع، بيد أن المعضلة تكمن في انتقال «فيروس» التمييز من الدولة إلى المجتمع، الذي بات هو بذاته منتجاً للتمييز ومغذياً له. وهنا لا يمكن بحال إغفال دور المؤسسة الدينية المسيحية في تغذية «الهوية» القبطية باعتبارها الهوية الأصلية للوطن. وقد تبلور هذا الدور بوضوح في قيادة بعض القساوسة ورجال الكنيسة للتظاهرات، تماماً مثلما يفعل بعض قيادات التيار الإسلامي حين يقودون تظاهراتهم. ولم يخلُ خطاب بعض هؤلاء القساوسة من عنف لفظي وتحزّب طائفي ساهم في تأجيج الغضب القبطي من جهة، وفي صمت الكثيرين عن إدانة المجزرة من جهة أخرى.
أما المفارقة الثالثة، فهي تتعلق برد فعل الإسلاميين على «مجزرة» ماسبيرو، والذي انحاز سواء صراحة أو بشكل غير مباشر للدولة، أو بالأحرى للعسكر في مواجهة الأقباط، وهي مفارقة كاشفة لحجم التحزّب الهوياتي والطائفي لدى الإسلاميين، فالتيارات الإسلامية التي ذاقت مرارة القمع والإقصاء والتنكيل من قبل الدولة وأجهزتها، خاصة التيار السلفي والراديكالي، آثرت الاصطفاف مع العسكر في قمعه وقتله للمتظاهرين واستسلمت للدعاية الرسمية عن مسؤولية المتظاهرين عن استفزاز قوات الجيش، ما أدى إلى سقوط القتلى والجرحى. وهو اصطفاف لا يخلو من طرافة، فقد كان أحد أهداف تظاهرة «ماسبيرو» محاولة التفرقة بين الطرفين من خلال اللجوء للعسكر لوقف زحف الإسلاميين على الفضاء العام، ولكن النتيجة جاءت عكسية وألقى الطرفان بالمسؤولية على المتظاهرين عن وقوع «المجزرة». وهو ما قد يمهد الأرض لاندلاع صراع أصوليات في مصر بين الإسلاميين والمسيحيين خلال المرحلة الانتقالية.
هذه المفارقات الثلاث خرجت من رحم ثلاث دوائر باتت أكثر تداخلاً وتقاطعاً في مرحلة ما بعد الثورة، وهي: دوائر الهوية والدين والسلطة. هذه الدوائر تعكس صراعاً مريراً بين مختلف القوى والطوائف والجماعات حول تحديد ملامح النظام السياسي الجديد الذي تسعى جاهدة لأن يكون في خدمة مصالحها، بصرف النظر عن مصالح الأطراف الأخرى. وتبدو هذه المكونات الثلاث حاضرة في خطاب جميع الأطراف وسلوكهم، فالمسيحيون يرفضون التنازل عن هويتهم القبطية التي هي بالنسبة الى كثيرين منهم أقرب الى هوية «السكان الأصليين» indigenous identity، وهي هوية تتغذى على سياسات التمييز والعزلة المجتمعية التي تمارسها الدولة وبعض فئات الأغلبية تجاههم. لذا، فإن الحماية الدستورية والقانونية بالنسبة إليهم هي الضمانة الوحيدة للحفاظ على هذه الهوية والالتزام بعدم انتهاك تجليّاتها الدينية والشعائرية. أما بالنسبة الى التيارات والجماعات الدينية، فالهوية «الإسلامية» للدولة والمجتمع تمثل خطاً أحمر لا يمكن للسلطة أو لغيرها من التيارات السياسية والأيديولوجية تجاوزه، وهي على استعداد للتضحية بأرواحها في سبيل الحفاظ على هذه الهوية. لذا، فإن الوصول إلى السلطة أو المشاركة يمثل لهذه التيارات الضمان الوحيد للحفاظ على هذه الهوية وحمايتها من العبث العلماني. أما العسكر، فمسألة الهوية بالنسبة إليهم تتلخص في الحفاظ على الطابع «السلطوي» للدولة على حساب الحريات والحقوق الفردية والمدنية، لذا فالإمساك بالسلطة يمثل الضمانة الوحيدة للحفاظ على مصالحهم وامتيازاتهم السياسية والاجتماعية تحت شعار حماية الدولة واحترام «هيبتها».
وعليه، فإن النتيجة المنطقية لاستمرار هذه المنظومة الصراعية هو مزيد من التوتر والاحتقان والعنف السياسي والمجتمعي. ولا مناص للخروج من هذه المنظومة إلا بتحويل اولوياتها من الصراع إلى التنافس على تحقيق قيم الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية التي جسدها شعار الثورة المصرية.
* كاتب وأكاديمي مصري - جامعة دورهام، بريطانيا.
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.