يتطلع الاوروبيون الى الانتصار العسكري الاميركي في افغانستان بقدر كبير من الدهشة والاعجاب، على رغم المخاوف التي يشيرون الى انها ما زالت كامنة في العلاقات الصراعية الافغانية - الافغانية والتي من شأنها ان تحجّم هذا الانتصار اذا ما انسحب الاميركيون من هذا البلد من دون الاكتراث بإعادة بنائه وبتركيز أسس ثابتة للاستقرار فيه. ويتخوف الأوروبيون أيضاً من انعكاسات حرب افغانستان على النزاع العربي - الاسرائيلي، ناهيك عن الحالة العراقية. وهم عموماً يظهرون تحفظاً حيال ما يسمى بالمرحلة الثانية من الحملة الاميركية على الارهاب، وما اذا كانت ستشمل دولاً وبلداناً تعتبرها واشنطن ملجأ لحركات تصنفها في خانة الارهاب. وتكمن عناصر الدهشة حيال الانتصار الاميركي في اطاحة نظام "طالبان" من دون الحاجة الى حملة برية كثيفة، وبالتالي الابتعاد عن السيناريو الفيتنامي الذي حذّر منه المحللون في بداية الحرب. ومن بين عناصر الدهشة الأخرى في هذه الحرب، سقوط التوقعات التي انتشرت بكثافة مع بدايتها، حول احتمال انهيار النظام الباكستاني وعدم قدرته على احتواء التيارات الاسلامية المؤيدة ل"طالبان" وابن لادن، خصوصاً في مناطق البشتون الباكستانيين. فقد صمد نظام الجنرال برويز مشرف ولم تسجل حال انهيار واحدة في الطاقم الحاكم الذي وفرّ تغطية حاسمة للحملة العسكرية الاميركية. وفي السياق نفسه، لم تصدق التوقعات التي تحدثت عن احتراب التنظيمات الافغانية واستحالة التوصل الى اتفاق فيما بينها. فقد بينت اجتماعات بون خلال عشرة ايام ان هذه التيارات ميالة بمعظمها الى المساومة والاتفاق على صيغة للحكم، يفترض ان تستدرج مؤيدين جدداً اذا ما استمرت الضغوط الدولية والاقليمية الرامية الى اعادة ترتيب البيت الأفغاني والابتعاد عن التدخل السلبي فيه. وأظهرت الحرب ايضاً ان روسيا لم تعد تخشى من تمدد الحلف الاطلسي الى حدائقها الخلفية، فهي سمحت لأوزبكستان باستقبال قاعدة عسكرية اميركية وبإبرام اتفاق أمني مع الولاياتالمتحدة، وباتت موسكو تتطلع الى مستقبل تكون فيه هي نفسها جزءاً من الحلف الاطلسي مع ما يعنيه ذلك من تحالف اميركي - روسي يمكن ان تطوى معه صفحة المخاوف الأبرز التي ظلت مفتوحة بعد الحرب الباردة. ما يعني ان حرب افغانستان وقبلها انفجارات نيويوركوواشنطن احدثت تغييراً جوهرياً في العلاقات بين واشنطنوموسكو ما كان يمكن ان يطرأ بمثل هذه السرعة في ظروف اخرى. والمدهش ايضاً في هذه الحرب انها تركت تأثيراً سلبياً على الطرف الفلسطيني في النزاع العربي - الاسرائيلي، ذلك ان واشنطن المزهوة بانتصارها السريع في الحرب، شددت الضغوط على السلطة الفلسطينية وصممت على عزل التيار الاسلامي الفلسطيني عبر وصفه بالإرهابي. وقد جاءت العمليات الانتحارية الأخيرة لتصب الماء في طاحونة الاميركيين والاسرائيليين ولتخلص ارييل شارون من العزلة الدولية المضروبة حوله منذ آذار مارس الماضي، الى درجة ان الاتحاد الاوروبي انضم من جهته وللمرة الأولى الى الدعوات الاميركية - الاسرائيلية المطالبة بتفكيك هذا التيار واعتباره ارهابياً. واللافت ايضاً ان التحالف الدولي الذي شارك في حرب افغانستان حافظ على تماسكه الذي يمكن ان يتدعم اكثر اذا ما استطاعت الولاياتالمتحدة ان تنجز جميع أهدافها المرسومة للحرب الافغانية. ولعل ما يخشاه المراقبون هو ان يضيق هامش الضغوط على واشنطن من طرف حلفائها الأوروبيين الذين لعبوا دوراً ثانوياً في حرب افغانستان. فأميركا خاضت هذه الحرب منفردة الى حد كبير واستعادت زمام المبادرة بسرعة فائقة بعد الارتباك الذي شهدته خلال الأيام القليلة التي تلت انفجارات مركز التجارة العالمي والبنتاغون. وكلما خفت قابلية واشنطن للضغوط الدولية، كلما ازدادت اللوبيات المناهضة للعرب والمسلمين قوة وتأثيراً في مراكز القرار الاميركية ما يعني ان الطرف العربي - الاسلامي ربما يكون الخاسر الأكبر في هذه الحرب. واذا كانت الولاياتالمتحدة أكدت من خلال هذه الحرب انها القوة الوحيدة في هذا العالم القادرة على تغيير الخريطة السياسية الدولية وفق ما تراه مناسباً لمصالحها ولتطلعاتها، خصوصاً بعد اهمالها للطلبات التي تقدم بها حلفاؤها الأوروبيون للمشاركة في الحرب، على ما يؤكد الفرنسيون، فإن عالم ما بعد 11 ايلول سبتمبر ربما لن يكون أفضل من العالم الذي كان قائماً من قبل، خصوصاً اذا ما ثبت ان الاميركيين عازمون على استخدام انتصارهم في التدخل المباشر بتغيير معطيات اقليمية وممارسة ضغوط على دول وأنظمة للتخلي عن ممانعتها للسياسة الاميركية. والراجح بنظر بعض المراقبين ان تنتهز واشنطن الفرصة لخلق موازين قوى جديدة على الصعيد الدولي لا تعترضها روسيا، ولا تملك تأثيراً جوهرياً فيها قوى اقليمية أو دولية، كانت تصر على لعب دور مميز في العلاقات الدولية، وهو أمر يتناقض تماماً مع الحسابات التي وضعها المسؤولون عن انفجارات نيويوركوواشنطن، والتي كانت تفترض اضعاف الولاياتالمتحدة والحد من سيطرتها المتفردة في الشؤون العالمية. غير ان هذه الصورة الوردية لعالم يدور حول المحور الاميركي وحده بعد حرب افغانستان لا تتماثل مع تقديرات بعض المحللين الذين يعتبرون ان اهمال واشنطن للاسباب والدوافع البعيدة وغير المباشرة لما جرى في ايلول وبعده، وبالتالي عدم التصدي للبؤر والنزاعات الاقليمية، خصوصاً في الشرق الأوسط، يجعل الانتصار الاميركي موقتاً وربما مرشحاً للتآكل على المدى المتوسط والبعيد. ويعتقد هؤلاء بأن انسحاب الولاياتالمتحدة من المستنقع الافغاني بعد حسم قضية الملا عمر واسامة بن لادن، من شأنه ان يعيد خلط الأوراق في هذا البلد وبالتالي استئناف الصدامات الداخلية فيه بما يشبه الحالة التي مهدت لسيطرة حركة "طالبان" على الحكم في العام 1996. ويستشهد هؤلاء بالموقف الاميركي في كوسوفو حيث عملت واشنطن على انهيار نظام الزعيم الصربي سلوبودان ميلوشيفيتش وشددت الضغوط علىه الى ان أوصلته الى محكمة لاهاي الدولية، ثم اعربت عن نيتها الانسحاب من المنطقة وبالتالي ايكال أمرها الى حلفائها الأوروبيين. وإذا ما تكرر سيناريو كوسوفو في افغانستان، فمعنى ذلك ان شؤون النزاع في هذا البلد ستؤول الى القوى الاقليمية المحيطة به، اي ايرانوباكستانوروسياوالهند، وهي القوى نفسها التي لعبت في السابق ادواراً سلبية في الحروب الافغانية - الافغانية وحالت دون انبثاق تسوية سياسية في هذا البلد. ومعروف اليوم ان تحالف الشمال يدين بالولاء لروسياوالهندوايران، وان البشتون بزعامة حامد كارزاي هم الطرف الأضعف في المعادلة السياسية وان باكستان التي وقفت بقوة الى جانب واشنطن يتملكها شعور بالمرارة لانحسار نفوذها في افغانستان، ولاضطرارها لتحمل النتائج السلبية لهذه الحرب داخل أراضيها وخارجها خصوصاً في النزاع الذي يدور بينها وبين الهند في اقليم كشمير الملتهب. ويرى المحللون ان اميركا المنتشية بانتصارها الافغاني، هذا اذا افترضنا ان القبض على الثنائي ابن لادن - الملا عمر قد أصبح أمراً سهلاً، قد تعمد الى فتح جبهات أخرى في العالم بداعي مكافحة الارهاب، وفي هذه الحالة ربما تفقد الاجماع الدولي، خصوصاً اذا ما تبين ان الأمر يتصل بتصفية حسابات عالقة ولا صلة مباشرة لها بأحداث 11 ايلول. ويعتقد هؤلاء ان أحد أهم عناصر النجاح الاميركي يكمن في الاستراتيجية التي اعتمدها وزير الخارجية كولن باول والتي تقضي بأن تستخدم الولاياتالمتحدة القوة عندما تتعرض مصالحها مباشرة للخطر وعندما تكون اميركا واثقة من الانتصار النهائي في الحرب، وتنسب الى باول عبارة شهيرة عشية حرب كوسوفو فقد قال: "نحن نتدخل في الصحراء وليس في الجبال" في اشارة الى "عاصفة الصحراء" في حرب الخليج الثانية والشكوك التي كانت منتشرة حول صعوبة تحقيق انتصار في حرب برية في كوسوفو. وتقضي استراتيجية باول ايضاً بأن تتوافر للقوات الاميركية السيطرة الكاسحة لئلا تتعرض للاهانة وللخسائر البشرية كما حصل في فيتنام، وهو يصر ايضاً على ان تكون أهداف الحرب واضحة تماماً وبعيدة عن الغموض الذي ساد حرب فيتنام. ويرى باول ان أهداف الحرب الواضحة تتيح تشكيل تحالف دولي كبير على غرار التحالف الذي نشأ خلال حرب الخليج وحرب افغانستان. ويعتقد باول ان الحرب ضد الارهاب لا تكفي وحدها لاستئصاله الذي يستدعي استخدام وسائل سياسية واقتصادية وديبلوماسية وبوليسية واستخباراتية، وقد بات واضحاً ان استراتيجية باول هي التي سادت خلال حرب افغانستان، في وقت كان الطرف الآخر في الادارة الاميركية ممثلاً بوزير الدفاع دونالد رامسفيلد يرى ان المهمة التي ترسم للحرب هي التي تحدد نوع الحلفاء وليس العكس، وكان يميل الى استخدام القوة العسكرية من دون ايلاء عناية كبيرة لتشكيل ائتلاف دولي. ولعل التباين بين الطرفين وان كان قد حسم لمصلحة باول وانحياز الرئيس جورج بوش لوجهة نظره، الا ان الانتصار السريع والكلفة البشرية الضئيلة في الحرب، ربما يعزز نفوذ وزير الدفاع وبالتالي سيادة تصوره للتعاطي مع النزاعات الدولية، على تصور وزير الخارجية، وهو ما بدأ يبرز تدريجياً خلال الحديث المتزايد عن مرحلة ثانية في الحرب ضد الارهاب تقضي بقصف وتدمير دول شرق أوسطية من بينها العراق وربما الصومال وغيرهما. ان غلبة الصقور في الادارة الاميركية، يمكن ان تقود الولاياتالمتحدة نحو مجابهات وحروب وضربات عسكرية، وضغوط لتغيير أنظمة ودول، وسيادة لغة التهديد باستخدام القوة في العلاقات الدولية. والراجح ان مثل هذه السياسة ربما تطيح التغطية الدولية التي اكتسبتها واشنطن بعد 11 ايلول، ومع هذه الخسارة يرتفع مجدداً شبح فيتنام ولربما فيتنامات اخرى على المدى البعيد. في حسابات الربح والخسارة بعد حرب افغانستان تعتبر واشنطن الرابح الأكبر، لكن السؤال المطروح هو الى متى وكيف؟ والجواب عنه لن يتأخر كثيراً