*سمو أمير منطقة الباحة يسلم وثائق تملك الوحدات السكنية للمستفيدين من تبرع سمو ولي العهد*    فانس: إذا أرادت إيران انهيار المفاوضات بسبب لبنان سيكون هذا شأنها    قافلة التنمية الرقمية تصل محافظة الحجرة في محطتها الثانية    هيئة الهلال الأحمر السعودي بالباحة تُفعّل مبادرة "بالصحة والعلم نرتقي" بمشاركة واسعة لتعزيز الوعي المجتمعي    هاتفياً... وزير الخارجية يبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية مع وزير خارجية الكويت    الزعيم ينفرد بالوصافة    (1000) فرصة عمل قدّمتها 90 شركة في الملتقى المهني ال13    القبض على (5) يمنيين في عسير لتهريبهم (100) كيلوجرام من نبات القات المخدر        أفغانستان وباكستان تبحثان التهدئة برعاية صينية    الإمارات تطالب إيران بتقديم تعويضات عن الخسائر والأضرار    إيقاف ديابي وأبو الشامات    الاتحاد الخليجي.. رؤية سعودية سبقت زمنها    مزارع الورد بالهدا تستعد لموسمها الذهبي وسط إقبال سياحي يتجاوز المليون زائر    "الإفتاء" و"العدل" توقّعان مذكرة تفاهم وتعاون لتعزيز التكامل في المجالات المشتركة    جامعة أمِّ القُرى تؤسِّس كرسي جامعة أمِّ القُرى لأبحاث صحَّة الفم والأسنان    تواصل سعودي كويتي لبحث اتفاق وقف النار الأمريكي الإيراني    16 % نمو السياح المحليين    عبدالعزيز بن سعد يستقبل رئيس جامعة حائل    حرم خادم الحرمين تكرم الفائزات بجائزة الأميرة نورة    مستشفى قوى الأمن بالرياض يحصل على شهادة اعتماد برنامج زراعة الكلى من المركز السعودي لزراعة الأعضاء    دورتموند يؤكد عمله على إعادة جادون سانشو للفريق    ورشة للأرصاد تبحث التأثيرات المناخية على حج هذا العام وتعزز الجاهزية التشغيلية    نائب أمير المدينة يطلع على جاهزية المياه للحج ويكرم المتقاعدين    انطلاق «قراءة النص» وتكريم قدس    أمير نجران يستعرض أعمال فرع الموارد البشرية بالمنطقة    أمانة الشرقية تُفعّل يوم الصحة العالمي بمبادرة توعوية لتعزيز جودة الحياة    فرع هيئة الصحفيين بجازان يكرّم صنّاع التميز وشركاء النجاح لعام 2025 في ليلة وفاء إعلامية    الأمير تركي الفيصل: جامعة الفيصل تترجم رؤية الملك فيصل في بناء الإنسان وتعزيز المعرفة    الأردن تدين اقتحام وزير إسرائيلي للمسجد الأقصى    المنظومة الطبيعية ترسخ ريادة المملكة عالميًا    «أمانة جازان».. 120 ألف جولة رقابية    التزام سعودي بدعم استقرار القطاع السياحي الخليجي    النصر لن يكون بطل الدوري    في قطاعات العمل والتنمية والنقل والقطاع غير الربحي.. «الشورى» يقر حزمة اتفاقيات دولية لتعزيز التعاون    الدفاع المدني: احذروا الأودية وتجمع السيول    المرور: 5 اشتراطات لسلامة قائدي الدراجات الآلية    في ذهاب ربع نهائي دوري أبطال أوروبا.. صدام متجدد يجمع برشلونة وأتلتيكو مدريد.. وقمة بين باريس وليفربول    نادي العيون.. حلم مدينة وفرحة صعود    «نيفيز» يتوج بأفضلية الجولة 27 في روشن    حتى نزاهة لا يرضيها هذا    وزيرا الطاقة والثقافة يفتتحان متحف الذهب الأسود    مجمع الملك سلمان يعزز حضور اللغة العربية عالمياً    تامر حسني يشعل زفافاً دولياً على طريقته    حسين فهمي بطل فيلم صيني    تعزيز الخدمات الرقمية في المسجد الحرام بتقنيات QR    59.1 مليون ريال لتطوير وتأهيل 29 جامعاً ومسجداً    صندوق النقد يؤكد متانة اقتصادات «التعاون»    تصعيد متبادل على جبهة الجنوب اللبناني.. غارات إسرائيلية وضربات لحزب الله تطال مستوطنات    تحييد المهاجمين وإصابة شرطيين.. 3 قتلى في إطلاق نار قرب القنصلية الإسرائيلية بإسطنبول    «حقن مونجارو».. ترند عرائس الهند    دواء جديد يخفض ضغط الدم المستعصي    محافظ الطائف يستقبل الرئيس التنفيذي لتجمع الطائف الصحي المعيَّن حديثًا    فرسان تتزيّن بالأرجواني.. كرات الحريد الحية تحول البحر إلى لوحة ساحرة    وزير "الشؤون الإسلامية" يدشّن برنامج تطوير وتأهيل 29 جامعًا ومسجدًا    «منتدى العمرة والزيارة».. اتفاقيات تكامل وشراكة    الدعم المؤذي    حرب في السماء.. والأرض أمان    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



يوم كان المريض يداوى ويكسى ويعطى مالاً يساعده على النقاهة . بيمارستان نور الدين : من مستشفى وجامعة علمية الى متحف لحضارة بقيت ذكرياتها
نشر في الحياة يوم 20 - 09 - 1999

منذ اللحظة التي تجتاز فيها المدخل الرئيسي ل"بيمارستان نور الدين" تأخذك مناظر الطبيعة الخلابة وانواع الاشجار والازهار الشامية متمايلة عاكسةً ظلالها فوق مياه "البحرة" الكبيرة التي تتوسط الفناء. على الفور يسري في أوصالك نوع من الراحة النفسية وتشعر كما لو انك عدت مئات السنين الى الوراء، الى تلك الازمان السعيدة التي كانت الحضارة العربية - الاسلامية تعيش فيها ازهى لحظاتها. ومع هذا لبعض دقائق خلت كنت تجتاز للوصول الى "البيمارستان" منطقة "الحريقة" التي تعتبر اكثر مناطق دمشق اكتظاظاً بالبائعين وبالسيارات وبالزبائن.
اذاً، دقائق قليلة هي تلك التي تفصل بين الحاضر بصخبه والماضي بهدوئه. اما "البيمارستان" نفسه فإن الحاضر عرف كيف يحوله الى "متحف للطب والعلوم عند العرب" متحف فريد من نوعه يعطي زائر اليوم الف حقيقة وحقيقة عما كان اجداده حققوه في الامس.
فالمتحف عبارة عن حيز يشتمل على الابتكارات والادوات والكتب التي انتجتها الحضارة العربية في ميادين الطب والصيدلة والفلك والرياضيات والجغرافيا والموسيقى، حاملة بذلك مشعلاً أضاء الحضارة الانسانية ردحاً من الزمن و"ساهم في تطور البشرية في وقت كانت فيه اوروبا غارقة في بحر من ظلمات التخلّف والجهل" حسبما يقول المؤرخون.
في تلك الازمان لم يكن "البيمارستان" مجرد مكان يُعالج فيه المريض، بل كان كذلك مدرسة للطب والعلوم يتلقى فيها الطلاب انواع العلوم واصول التداوي والعلاج.
وفي الزمن الذي انجز فيه بيمارستان نور الدين صارت دمشق تضم ثلاثة بيمارستانات: اولها عُرف ب"الدقاقي" ثم عرف ب"العتيق" وظل يقوم بوظائفه الى ما بعد القرن الثامن الهجري كما يقول ابن كثير في كتابه "البداية والنهاية" حيث يشير الى انه "لم تخمد فيه النار منذ بني الى زماننا". ولقد جرى تجديده خلال النصف الثاني من القرن الثامن. اما البيمارستان الثالث فهو "القيمري" نسبة الى الامير الايوبي سيف الدين القيمري وبني في منطقة الصالحية قبل العام 654ه. ومنذ ذلك الحين بعد تهدم "الدقاقي" واهمال "القيمري" واغلاقه لم يبق في دمشق سوى "بيمارستان نور الدين" ولهذا البيمارستان في ما يتعلق ببنائه حكاية حدثت مع نور الدين بن محمود زنكي الذي شهدت دمشق ايام حكمه عصرها الذهبي. اذ تذكر كتب التاريخ ان نور الدين اثناء حروبه الطويلة مع الافرنج اسر احد ملوكهم، فأشار عليه مجلس اعيانه حين سأل المجلس عما يفعل بالأسير، ان يطلق سراحه مقابل فدية مالية "تُنفق في بناء بيمارستان يكون مشفى يقدم الدواء والعلاج للمرضى". وبالفعل راقت الفكرة لنور الدين، وحصل على الفدية واطلق الملك. ثم استقدم خيرة المهندسين والعمال المهرة لبناء ذلك البيمارستان الذي عُرف باسمه. وحين بدأ البيمارستان ممارسة وظائفه اجتذب اليه أمهر الاطباء في الشرق، فكان اول واعظم جامعة طبية في الشرق كله آنذاك.
وتشير المصادر التاريخية الى ان الخليفة الاموي السادس الوليد بن عبدالملك اول من بنى البيمارستان في دمشق وذلك سنة 707م وجعل فيه الاطباء واجرى عليه الارزاق وامر بحبس المجذومين لئلا يخرجوا، واجرى عليهم وعلى العميان الارزاق، وفي هذا قال رشيد الدين بن الوطواط: "اول من عمل البيمارستان وأجرى الصدقات على الزمنى والمجذومين والعميان والمساكين، واستخدم لهم الخدّام الوليد بن عبدالملك".
وكان لاختيار موقع البيمارستان قواعد واصول اتبعها العرب منذ ايام العالم الكبير ابو بكر الرازي الذي عندما اراد اختيار موقع البيمارستان العضدي الذي بُني ببغداد في القرن العاشر الميلادي، تفتق ذهنه عن طريقة مبتكرة لا تزال محل تقدير الاطباء واعجابهم حتى يومنا هذا، فقد عمد الى وضع بعض قطع من اللحم في انحاء مختلفة من بغداد وراح يلاحظ سرعة سير التعفن فيها، وبطبيعة الحال كانت أنسب الاماكن من حيث نقاء الجو واعتداله هي اقلها تعفّناً.
وعلى رغم وقوع بيمارستان نور الدين في قلب دمشق القديمة الزاخرة بروائع فن العمارة العربية والاسلامية المتعددة والمتنوعة والمجسّدة في: البيوت، المكتبات، الحمّامات، الدكاكين، القهاوي… حتى الأروقة والحارات فهو مجاور لسوق الحميدية الشهير، ومقابل للطريق المؤيد الى سوق العصرونية القديم، والى الجنوب الغربي منه وعلى مسافة غير بعيدة يقع الجامع الاموي الكبير، المكتبة الظاهرية والحمام الظاهري الا انه يمثل طرازاً غريباً ومختلفاً عن بقية الابنية الاثرية القديمة المشيدة في المنطقة نفسها ويقال بأنه فن حمله معه الملك العادل نور الدين زنكي من العراق عندما حكم دمشق ايام الدولة الايوبية. واعتبر المختصون مبنى البيمارستان من الابنية المتكاملة التي تقدم نموذجاً يمثل فن العمارة السلجوقية من حيث مخططه وطراز عمارته وعناصره المعمارية والزخرفية التي ما زالت محافظة على وضعها الاصلي حتى يومنا الحالي، وهذا ما دفع الكثير من الباحثين والدارسين الى تشبيهه بالقصور الملكية وعده واحداً منها.
ويذكر بأن العلاج كان مجانياً حيث لا يتكلف المريض درهماً واحداً، بل كان المريض الفقير يُمنح لدى خروجه من المستشفى ثياباً ونقوداً تكفيه للعيش دونما اضطرار الى العمل طوال فترة النقاهة.
الموسيقى للمعالجة
وتذكر مصادر التاريخ ان الطبيب بدر الدين ابن قاضي بعلبك الذي كان رئيساً للاطباء والجراحين عام 637ه/1237م قد عمل على توسيع بيمارستان نور الدين بإضافة دور كانت حوله ليتسع لعدد اكبر من المرضى. كما دلّ بعض الكتابات التاريخية المنقوشة فيه على ترميم بعض اجزائه خلال العصر المملوكي ايام السلاطين: الظاهر بيبرس وقلاوون وابنه الناصر محمد في اواخر القرن السابع الهجري، وبقي يقدم رسالته حتى القرن التاسع عشر حين بني المستشفى الوطني الى جانب تكية السلطان سليم.
وقد زاره الرحالة ابن جبير في القرن الثاني عشر م. فقال فيه: "دخلت دمشق سنة 580ه وبها مارستان قديم الدقاقي وحديث نور الدين والحديث احفلهما واكبرهما وجرايته في اليوم نحو الخمسة عشر ديناراً، وله قومة وبأيديهم الازمّة المحتوية على اسماء المرضى… والاطباء يبكرون اليه في كل يوم، ويتفقدون المرضى، ويأمرون باعداد ما يصلحهم من الادوية والاغذية حسبما يليق بكل انسان منهم، وللمجانين المعتقلين ايضاً ضرب من العلاج". وفي موضع آخر قال: "بأن الاطباء قد اهتدوا الى المعالجة بواسطة الموسيقى للترويح عن المرضى وتسليتهم عن آلامهم، فقد كانوا يجلبون القصاص والمطربين الى القاعات وكانوا يجعلون لمن يخرج من البيمارستان عند برئه كسوة وخمس قطع من الذهب كإعانة حتى تنتهي فترة نقاهته".
وفي ايامنا هذه وتقديراً لأهمية "هذا المبنى تاريخياً كونه احد الاماكن الاثرية القيّمة في فيحاء الشام"، اضافة "الى مساهماته الجليلة والكبيرة التي ساعدت في تطور العلوم الطبية والصيدلانية عند العرب على مرّ قرون عديدة"، ارتأت مديرية الآثار والمتاحف بدمشق ترميم هذا البيمارستان وتحويله الى متحف للطب والعلوم عند العرب وفتحه امام الرواد والدارسين... في البداية قد لا ينتبه السائر في منطقة الحريقة الى البيمارستان لكثرة المحلات التجارية لكنه مع بعض التمعن يمكن ان يتلمس دلائله من تميز بابه الخارجي عن واجهات المبنى الخالية من اي زخرف. ويعد المتخصصون في مجال الآثار والتراث هذا الباب قطعة فنية فريدة. فهو يتألف من مصراعين خشبيين مُصفّحين بالنحاس ومُزخرفين بمسامير ذات رؤوس كروية بشكل زهور صغيرة وعلى كل مصراع مدقّة نحاسية جميلة، والمصراعان مزخرفان من الخلف بالحشوات الخشبية المنقوشة بالرسوم النباتية. كما ان للباب ساكفاً مؤلفاً من حجر واحد منقول من بناء قديم يرجع الى العهد الروماني، وتعلو الباب واجهة من الزخارف الجصية تتألف من صف محاريب ذي أقواس مخصصة. اما المقرنصات فقد صممت من تسعة مداميك على شكل الورقة المجوفة وهو نمط قدم مع السلاجقة. وكذلك يلفت النظر تجويف البوابة حيث الاقواس المؤلفة من سبعة فصوص، اما القبة المقرنصة فوق المدخل فتعد من اجمل قباب دمشق واكثرها غرابة وبعداً عن طراز العمارة العربية المنتشرة في سورية وهي مشابهة لقبتي السيدة زبيدة والسيد السهروردي في بغداد.
يلي الباب الرئيسي غرفة مربّعة الشكل تقوم مقام الدهليز، وتُعدّ حالياً من اجمل غرف المبنى عناية وزخرفة. كان يُطلق عليها بلغة ذلك العصر "الدركاة" وتقع بين البابين الخارجي والداخلي، مزودة بإيوانين صغيرين على جانبيها ويعلو جدرانها اشرطة كتابية تشير الى اعمال الاصلاح التي تمت في العهد المملوكي على اعتبار ان البيمارستان قد بُني على مرحلتين: الاولى تمت في عهد الملك العادل نور الدين بن محمود زنكي في حوالي 548ه/ 1154م وتضم البناء الاساسي، والثانية حين وسّعه الطبيب بدر الدين ابن قاضي بعلبك سنة 637ه. وما يزال القسم الرئيسي في البيمارستان محافظاً على وضعه الاصلي حتى الآن.
ويفضي الدهليز الى باحة سماوية كبيرة تتوسطها بحرة ماء مستطيلة مبنية من الحجر المنحوت لزواياها من الداخل حنايا نصف اسطوانية كعنصر زخرفي شاع في العهدين السلجوقي والايوبي. وتنتشر حول البحرة انواع من الاشجار المثمرة، الورود الجورية والازهار الدمشقية لأن الطب العربي انتبه ومنذ القديم الى تأثير الطبيعة الجميلة على الصحة النفسية للانسان، لذلك عمد الاطباء العرب الى استغلال هذه الميزة اثناء بنائهم للبيمارستانات.
كما انتبه اصحاب العمل في توزيع البيمارستان الى تخصيص اروقة خاصة بالذكور واخرى للإناث مع تجهيزها بكل ما يلزم من حمام عام وصيدلية ومكتبة ومكان يجلس فيه الاطباء لالقاء دروس في الطب ينتفع بها الطلبة، وكانت للبيمارستان اوقاف يسجلونها في حجج مكتوبة.
وينفتح على الباحة من كل جهة ايوان وعلى جانب كل ايوان قاعتان، وتشرف ابواب القاعات على صحن البيمارستان، ويعلو الابواب مناور على شكل شبك مصنوع من الجص المزخرف والاشكال النجمية، ومحاط بإطار جميل من الاوراق النباتية. وسميت الاواوين بحسب اتجاهاتها الغربي، الجنوبي، الشرقي… وقد تميز الايوان الجنوبي بكسوته الرخامية الرائعة ونقوش الزخارف النباتية المتميزة والاطارات التزينية والاقنية الحلزونية والتيجان الكورانثية… وقد عدّ استخدام هذا النوع من الفسيفساء استخداماً في العمارة العربية. ويتميز وسط الايوان الجنوبي بنقش زنبقية محاط بدائرة وهو شعار السلطان نور الدين او كما يسمونه قديماً "رنك" وكثيراً ما كان هذا الشعار يُشاهد في المبانى التي شُيدت في عهده. واقيم وسط هذا الايوان نموذج مصغر لناعورة عربية ما زالت تستخدم حتى الآن في حوض نهر العاصي لرفع المياه من اجل سقاية الاشجار والمزروعات.
اما الايوان الشرقي فهو الاكبر، وكان مخصصاً لعقد جلسات الاطباء والقاء المحاضرات. وتتصدر الايوان خزانتان جدرايتان كان ذكرهما طبيب معاصر لعهد السلطان نور الدين وقال: "انهما كانتا مملوءتين بكتب الطب التي اوقفها نور الدين على البيمارستان". ويضم الايوان لوحة رخامية اثرية تؤكد ان باني هذا المكان هو الملك العادل نور الدين زنكي حيث نقرأ على الرخامة "بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أمر بتمام عمارته الفقير الى الله في سعة رحمته لا للخلود فيه بل للمقام به منذ مدة الاجل المحصى والعمر المقدر المقضي وذلك سنة تسع واربعين وخمسمائة للهجرة، مولانا الملك العادل العارف الزاهد المجاهد نور الدين ركن الاسلام والمسلمين ابو القاسم محمود بن زنكي بن سنقر". كما تزيّن جدران هذا الايوان لوحات رخامية قديمة كتبت عليها آيات من القرآن الكريم. ومع تحويل البيمارستان الى متحف تم توزيعه الى ثلاث قاعات رئيسية: العلوم، الطب، الصيدلة اضافة الى مكتبة صغيرة تضم انواعاً من الكتب العلمية المتخصصة.
ويطالعك في قاعة العلوم بعض اللوحات الفنية المتواضعة التي تدل على تطور العلوم عند العرب، ومجموعات من الادوات الفلكية العربية التي تبيّن للزائر دور العرب في تطور علوم الفلك، او كما يسمونه قديماً "علم الهيئة" فتقدم بذلك صورة تقريبية عامة عن المدى الذي بلغوه في اعلاء شأنه والجهود التي بذلوها في تكريسه علماً استقرائياً مستقلاً عن التنجيم يستند الى الملاحظة الحسية ويصطنع الارصاد لتعليل حركات الاجرام السماوية وتفسير الظواهر الفكلية، ولعل اهم ما في هذه المجموعة هو الاسطرلاب العربي، العائد تاريخه الى القرن الثاني عشر الميلادي، ويعتبر اداة فذّة للمراقبة خاصة وانه قابل للحمل، ويمكن بواسطته تقدير ابعاد النجوم والشمس والقمر وسائر الكواكب السيارة وتبيان الوقت ايضاً، وقياس مدى ارتفاع جبل من الجبال او مدى انخفاض الآبار كما ان له قيمة عظيمة عند الملاحين.
ساعة مبكرة
ومن بين المعروضات آلة تم تطويرها انطلاقاً من الاسطرلاب وسميت "ربع الدائرة الفلكية" استعملها العلماء العرب لقياس الارتفاع الزاوي قبل ان يعرفها العلماء في اوروبا بقرون عديدة، وفي مكان آخر هناك ساعة دقاقة هي متطورة عن النموذج القديم الذي يعترف الكثير من الباحثين الغربيين ان العرب هم مخترعو الرقّاص، وينسب هذا الاختراع الى ابي سعيد عبدالرحمن بن يونس المصري. وكان الفلكيون العرب يستخدمون الرقاص لحساب الفترات الزمنية اثناء رصد النجوم، ويعتقد بأن العرب هم من طبّقوه على الساعة، ومثالهم على ذلك: الساعة الدقّاقة التي ارسلها هارون الرشيد الى شارلمان والتي تعجّب منها اهل ديوانه ولم يستطيعوا ان يعرفوا طريقة عملها ولا كيفية تركيب آلاتها، وهي ساعة مائية تدقّ كل ساعة بسقوط كراتها النحاسية على قرص معدني، كما تعرض قناديل قديمة تعتمد على ارجاع بخار الماء بالفحم المتوهج، وتستعمل مثل هذه القناديل في الامكنة التي يندر فيها تواجد الهواء، ونماذج اخرى متنوعة لأهم الموازين والاوزان العربية التي كانت وما زالت شائعة الاستعمال حتى وقتنا الحاضر. في الواجهة الجنوبية من القاعة تمثال مصنوع من الجص للعالم ابو النصر الفارابي المعتبر من اكبر النظريين العرب في علم الموسيقى وقد وصفه ول ديورانت بأنه اشهر من الف في العصور الوسطى في النظريات الموسيقية، فهو من صمّم الرباب واخترع آلة القانون الذي يعدّه الكثيرون أصل البيانو، وكان الفارابي الى جانب ذلك طبيباً مرموقاً ورياضياً وفلكياً من الدرجة الاولى. كما تضم القاعة ادوات فلكية اخرى، ولوحات فنية لاشهر العلماء المسلمين: البتاني، البيروني، الخوارزمي، ابن رشد، ابن الهيثم، الادريسي، ابن خلدون…
اما قاعة الطب فتحتوي على احدى عشرة خزنة تعرض فيها مجموعات من المخطوطات الطبية القديمة كمخطوطة تحفة الملوك - طب بالتمام للشيخ زين الدين الحلبي والعائد تاريخها الى اواخر القرن الثامن عشر، كما نجد في خزائن اخرى نماذج نحاسية لادوات طبية قديمة اخذت مصادرها من كتاب الطبيب العربي ابو القاسم الزهراوي المسمى "التصريف لمن عجز عن التأليف" وهي نماذج استخدمها الجراحون العرب في عملياتهم الجراحية مقصات، كلاّبات مشارط، مناشير، ملاقط… وشديدة الشبه بأدوات الجراحة العصرية. ويُعرض ايضاً قميص طبي يعود تاريخه الى اواخر القرن الثامن عشر ومجموعة تمائم مختلفة الاشكال والانواع كان يعتقد بها لدرء وإبعاد السوء.
وفي احدى الخزائن تتصدر بعض الصور التذكارية الطريفة لاول طائرة وصلت الى سورية، الى جانب مجموعة من الادوات والتجهيزات الطبية التي كانت شائعة في معالجة الاسنان وصناعتها.
اما اهم هذه الخزائن فتعرض لوحة ملونة فريدة تبين تشريح العين كما وردت في المخطوطة المحفوظة بدار الكتب في القاهرة عن كتاب للطبيب والمترجم حنين بن اسحاق حول موضوع بنية العين وامراضها ومعالجتها وهذا الكتاب وضعه في عشرة فنون، وفقاً لنظريات "ابي قراط وجالينوس".
وفي قاعة الصيدلة او "علم الادوية" كما كان يسميه العلماء العرب تطالعك نماذج الادوات والاجهزة التي كان العلماء العرب يقومون بواسطتها بمزج وتركيب الادوية المستخرجة من الاعشاب والنباتات الطبية مثل المهابيج والهاونات والمدقّات… بالاضافة الى اجهزة التقطير الخاصة المستخدمة في مثل هذه الامور، وتحفل خزائن هذه القاعة بكاسات مختلفة من الزجاج وضع في داخلها ما يزيد على ستين نوعاً من النباتات والاعشاب الطبية التي استُخدمت لاستخراج الادوية منها.
وفي محاولة لتكريس التقليد الذي كان معروفاً عن البيمارستان فقد خصصت للمتحف مكتبة صغيرة تضم عدداً لا يستهان به من المخطوطات النادرة والكتب العلمية المتخصصة، كنوع من اعادة شيء من عبق ماضي هذا المكان الذي كان يضجّ بالعلماء والاطباء والمرضى وطالبي الشفاء… وسبق ان اصطفت على رفوف مكتبته شتى انواع الكتب الطبية والعلمية والفلكية والرياضية… مادة غنية دسمة لكل طالب علم ودارس مهنة ومرجع للاطباء الاساتذة وملتقى لمن اراد الاستزادة والاطلاع من المرضى والمقيمين والمراجعين الزائرين.
ويبقى بيمارستان نور الدين شاهداً حاضراً ابداً على نبوغ العرب والمسلمين في علوم شتى ولقرون عديدة، امضوا خلالها جلّ وقتهم وجهدهم لخدمة الانسانية جمعاء، وما زالت آثارهم واكتشافاتهم تدرس في كثير من الجامعات، ويُستفاد من تطبيقاتها في شتى المجالات


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.