يقدم أحمد ماطر في كتابه"عسير من السماء"تجربة فريدة ومميزة، تمثل تجربته في التصوير الفوتوغرافي، والكتاب يتألف من 80 صفحة من القطع المتوسط، ويضم 42 صورة فوتوغرافية التقطت من الجو. جاء في مقدمة الكتاب"التصوير الجوي Arial Potography يحتم الوجود في نقطة رؤية معينةPoint of View عالية، ذلك الوجود يفترض الكشف والرؤية البانورامية، وكل ذلك مدعاة للمصور أن يتقمص دور المصور التسجيلي، لا دور الفنان المبدع. فإذا أضفنا ما للعدسة من شمولية الرؤية، وقارنا ذلك بتجريدية Abstractive الرؤية وتناسق التكوينComposition ، لأدركنا أن تجربة التصوير الجوي، يمكن أن تصل إلى مستوى عال من الجمالية الباذخة". والتصوير بصفته لغة تمارس البوح واصطناع التأويلات يحاول أحمد ماطر في هذا الكتاب إعادة رسم ملامح البيئة، وما يحدث فيها من تشويه أو إعادة صياغة تلك المشاهد بطريقة فنية. يقترب بعين طائر من الأرض التي تفصح عن مفاتنها بجسارة ، يصغي إلى بوح الطبيعة ويقف أمام سحر اللحظة الشعرية، يتأكد من ضبط عدسة الروح، وبعدها تولد الصورة التي تمنح المخيال فرصة للتأمل واقتراف الدهشة. ولا يقف عند ذلك، بل يشير إلى أن الاتحاد مع هذه اللحظة، طريقة للاقتراب من روح المكان، وهكذا فإن صور ماطر تخلق حالاً من التواشج مع المكان، المسطحات المكانية تتحول إلى مساحات لونية ذات تعبيرات مختلفة، وذلك يمنحها قيمة جمالية، تجعل هذه النصوص البصرية ناطقة بحرية لا حدود لها. الصور ليست وسيلة للتوثيق أو استنساخ الواقع، بل تكوينات مفتوحة على احتمالات متعددة، منتجة زخماً شعرياً عبر علاقات تشكيلية كمساحات تم تكثيفها، مهمتها تأليف المعنى المنبثق من الصورة. وهذا التأليف يسعى إلى اختزان آفاق المشهد وفضاءاته المأهولة، وتصبح التضاريس الأرضية تكوينات تجريدية، تمتاز بإشراقة مبهرة ذات إيقاع بصري يضمن حضور دهشة المتلقي، وهذا سحر الرؤية البانورامية. هناك محاولة لسرد ذاكرة المكان باعتباره مرآة الكائن الجنوبي، ومحاولة كتابة انطباعات عن لحظات حميمية لتفسير هذه النوستالجيا الجنوبية وتجلياتها. ويتحول النص البصري إلى أداة تشكيل وعي للنسق القيمي، والذاكرة بوصفها الصندوق الذي تتجمع فيه التجارب الإنسانية، وهي الحديقة التي تنمو فيها ذكرياتنا مثل أزهار اللوتس، تحتفظ بالقرية لوحات معلقة على جدرانها، وصور الكتاب تعرض بحنين مستعاد ما تبقى من تلك الذكريات. قمر يقف على غصن شجرة، بيوت صغيرة تنام على سفوح النهار، وهناك على المرتفعات جدران حجرية تشبه مكعبات الأطفال، ?وديان مكسوة ضفافها بالبياض بعد هطول المطر، جبال تعانق السحاب، جزيرة تطفو فوق زرقة البحر كأنها فاكهة كمثرى، غيمة بيضاء ترقص بين السهول، وتفسح للحلم مساحة كافية للصعود.