يتطلع سكان محافظة جدة إلى أدوار عدة يؤديها عمدة الحي ما بين اجتماعية وأخرى أمنية، ويأملون بارتقائها إلى أفضل المستويات، وتحقيق الكثير من آمالهم على أرض الواقع. وتتلخص الأدوار الاجتماعية للعمدة في الصلح بين سكان الحي، ومساعدة الأيتام والأرامل وغيرها من الواجبات، أما الأدوار الأمنية فتتمحور في متابعة المشبوهين وأرباب السوابق الجنائية، وجميع ما يخص الجوانب الأمنية، والتعاون مع الأجهزة الأمنية كافة. وكان مجلس الوزراء السعودي أصدر عام 1993 نظام العمد في المدن، ليعيد إلى هذا التنظيم مكانته العريقة في المجتمع بعد أن تراجعت بعض الشيء. وشهدت المدن السعودية منذ ذلك التاريخ ترجمة عملية لهذا النظام عبر تخصيص عمدة لكي حي، كما وسعت مهماتهم وعدّلت آليات اختيارهم، وجرى العمل على تخطيط جغرافي جديد للأحياء وتجزئة الحي الواحد الكبير، بحيث يخدم الحي الكبير أكثر من عمدة للتسهيل على السكان وللتخفيف عنهم، ولضمان أداء جيد في مهماتهم ومسؤولياتهم. صعوبات واقتراحات يوضح عمدة حي الرويس طلال الجحدلي أن الصعوبات التي تعيق تحقيق هذه الأدوار متعددة يصعب حصرها بشكل كامل، ويقول:"إن أبرزها هو عدم وجود كوادر بشرية وتجهيزات مكتبية في مكتب رسمي حكومي يكون من شأنه مساندة عمل العمد، إذ يجب توافر موظفين للحاسب الآلي وأرشيف متكامل عن سكان الحي وأحوالهم يمكن الرجوع إليه عند الحاجة، إضافة إلى وجود قسم للصادر والوارد، فجميع ذلك يصب في تالي الأمر إلى تفعيل أدوار العمدة وتكون بمثابة الداعم القوي لتحقيقها". وأضاف حول الشروط الواجب توافرها في العمدة أن"يكون ممن عرف عنهم أمانتهم وحسن سيرتهم، وكذلك من سكان الحي الأصليين الذي أمضى فترة زمنية طويلة تكون كفيلة بضمان معرفته الكاملة بسكانه، إضافة إلى توافر عنصر حسن الإدارة ليتمكن من التعامل مع المواقف الطارئة التي في الغالب تحدث ما بين سكان الحي". وأشار رداً على سؤال ل"الحياة"حول ضرورة توافر مجلس للعمد يكون من أدواره بحث أبرز الصعوبات ومحاولة ايجاد الحلول لها، إلى أنه"منذ ما يقارب الأربعة أعوام كان العمد يجتمعون بشكل دوري في شرطة محافظة جدة وتحديداً في قطاع الأمن الوقائي، إذ كانت المرجع للعمد من خلال عقد الاجتماعات التي كان يصدر منها التقارير والتعاميم التي توفر المعلومات الضرورية للعمد كافة، لكن هذه اللقاءات توقفت، إذ أصبح العمد يتبعون لأقسام الشرطة في أحيائهم". وقال الجحدلي"من أهم الاقتراحات التي قدمتها إلى المسؤولين، ومن الواجب التعامل معها في اهتمام بالغ انطلاقاً لتفعيلها، تتلخص في وجود مبنى تحت مسمى"المكتب الأمني"في كل حي يتكون من ستة مكاتب، اثنان منها تكون خاصة بالعمدة، وبقية المكاتب تكون لسائر الدوائر الحكومية التي تقدم خدماتها للمواطن والمقيم، إذ توجد الشرطة والمرور والجوازات والبحث الجنائي، إضافة إلى مقر لحجز الموقوفين، وآخر يقدم خدمات الإعاشة لجميع الموجودين في المبنى". وأرجع ذلك إلى أن وجود مثل هذا المكتب من شأنه أن يسهّل على المواطنين والمقيمين عناء مراجعة الدوائر الحكومية، علاوة على إسهامه في تخفيف الازدحام على هذه الدوائر، وكذلك الإسهام في سرعة إنجاز المعاملات وإنهاء الروتين. من جهته، رأى عمدة حي بني مالك عوض المالكي أن أبرز الصعوبات التي تواجه العمدة لدى عمله على تحقيق دوره تتلخص في"عدم وجود آلية واضحة يقوم العمدة من خلالها على أداء عمله، وفي الوقت ذاته يدرك سكان الحي دوره وواجباته، إذ لا يعترف السكان بوجود العمدة إلا في حال الحاجة إليه لتوقيع معاملة أو المساعدة في إنجاز بعض الأمور الضرورية له". وأضاف أن"هذا يدل على غياب هيبة العمدة الذي كان في السابق يعد بمثابة"الأب الروحي"لسكان الحي، وأعاد ذلك إلى قلة سكان الحي وكانت الروابط الاجتماعية ذات طابع قوي على عكس الوضع الحالي". ولفت في شأن طرق تفعيل دور العمدة إلى أنه"من الواجب على الإعلام التعريف بدوره وتسليط الضوء على الأسباب التي من أجلها وجد العمدة، وأقترح ضرورة وجود مقر موحد لجميع العمد في جدة وسيارات تميزهم، إذ يكون لها الأثر في تفعيل إحساس سكان الحي في وجود ممثل للحكومة في الحي، إضافة إلى أن أصحاب النفوس الشريرة يتورعون عن الجرائم مما يقلل من معدلات الجرائم". وعاد للقول:"إنه من الواجب أن يسمح للعمد بالمشاركة في المجالس البلدية من خلال المشاركة في اجتماعاتها، ويكون ذا دور فاعل ينقل من خلاله متطلبات سكان الحي إلى المجلس، وتتم مناقشتها لإيجاد الحلول المناسبة لها، وفي الوقت ذاته يشارك في صنع القرارات الصادرة، إضافة إلى ضرورة وجود مجلس آخر للعمد يجتمعون فيه بشكل دوري". وأكد أنه في حال تفعيل مجلس العمد"فسيكون له انعكاسات ايجابية على النواحي الأمنية، إذ أن العمدة يعتبر العين المباشرة لأقسام الشرطة، إضافة إلى الدور الكبير الذي يسهم به من خلال مناقشة النواحي الاجتماعية ونواح أخرى يثيرها العمد في اللقاءات المتتالية، فتكون المحصلة النهائية ذات فائدة عظمى، لما للنقاش الفعال من دور كبير على عملية صنع القرار". وأشار إلى أن الشروط الواجب توافرها في العمدة تتلخص في ضرورة أن يكون على مستوى عال من التعليم لا تقل عن الشهادة الجامعية، لكي يتواكب مع متطلبات العصر الحديث إلى جانب توافر خبرة واسعة في الحياة وخصوصاً في التعامل مع شرائح المجتمع كافة، إضافة إلى النزاهة والأمانة اللتين من شأنهما كسب احترام المجتمع وتعاونهم جنباً إلى جنب مع العمدة. وأوضح عمدة حي البوادي الجنوبي عطية الزهراني أن أبرز الصعوبات التي تواجه العمد تتعلق بالمشكلات الاجتماعية التي تنشأ بين سكان الحي، إذ أن بعض سكان الحي لا يتجاوبون مع مساعي العمد للإصلاح بينهم، وذلك يرجع في تقديره إلى جهلهم بدور العمدة، ويأخذونه من جانب التدخل غير المشروع. وأضاف أن الطريق الوحيد للخروج من هذا المأزق هو تفعيل المجالس الإصلاحية تحت إشراف إمارة المنطقة وأهل الخير، للابتعاد عن العفوية والحرص على العمل في إطار مقنن، وتعمل على الإصلاح بين سكان الحي واحتوائها، قبل اللجوء إلى القضاء الذي يؤدي إلى تفاقم في المشكلات". وطالب الزهراني الضمان الاجتماعي بتنفيذ جولات ميدانية في الأحياء للاطلاع عن كثب على الأسر المحتاجة، أو توفير مقار دائمة داخل الأحياء تعمل على خدمتهم، إذ أن أغلبهم لا يملكون أجرة الذهاب إلى مكتب الضمان للمراجعة، ويكون ذلك في ظل تنسيق دائم ومستمر مع عمدة الحي. مؤكداً في الوقت ذاته وجود نواة بداية حقيقية لتحقيق ذلك من جانب مكاتب الضمان الاجتماعي. وأشار إلى الشروط الواجب توافرها في العمد بقوله:"إنها مرصودة لدى الجهة المشرفة على العمد، ومنها أن يكون العمدة على دراية بأحوال السكان، وأن لا يقل عمره عن 30 عاماً"، ورأى ضرورة حصول العمدة على الخبرة في الشؤون الأمنية، إذ تسهم في تسهيل أدائه الأدوار الأمنية المطلوبة منه. ودعم الزهراني فكرة وجود مجلس للعمد، وقال:"نوقش هذا الأمر مع عدد من العمد وحاز على استحسانهم، لكن العقبة التي ربما تظهر أمام ذلك وجود الشخص المناسب القادر على إدارة المجلس، إذ يجب أن يكون متفرغاً لهذا العمل لما يتطلبه من جهود كبيرة". وأضاف من الضروري إلى جانب ذلك توفير مقر رسمي للعمد من قبل الجهات الحكومية، تتوافر فيه جميع الخدمات التي يحتاج إليها العمدة من أجهزة ومعدات تسهم في زيادة فاعلية العمل، إذ أنه حالياً يستأجر المقر على نفقته العمد الخاصة، إلى جانب وجود كوادر بشرية تدعم العمل، وكذلك توفير مكتب خاص للسيدات تستطيع من خلاله ساكنات الحي المراجعة للحصول على احتياجاتهن. وخلافاً لما أشار إليه العمد السابقون لجهة وجود صعوبات تواجه تحقيق أدوارهم، قال عمدة حي النزهة فيصل القريقري"لا توجد أي صعوبات تذكر، إذ أن جميع المتطلبات الضرورية التي من شأنها النجاح في إنجاز الأدوار المختلفة للعمدة متوافرة سواء من تعاون المواطنين أو الجهات الأمنية والأجهزة الأخرى كافة ذات العلاقة". مؤكداً أن من يذكر وجود أي صعوبات تعيق تحقيق أدوار العمد يكون مجانباً للصواب. إلا أن القريقري عاد ليوضح بأن العمدة يجب أن ينظر إلى تحقيق الأفضل دوماً في الأدوار التي يقدمها، وتطوير النواحي الضرورية كافة في مجال عمله وتطبيقها بشكل فعلي. ورأى أن الشروط التي وضعتها الجهات المعنية تعتبر كافية لأداء العمد واجباتهم الوظيفية، إلى جانب اشتراطات الاستقامة والصلاح، وأن يكون العمدة على مستوى عال من التعليم، وقادراً على التعامل مع القضايا الاجتماعية". وأبدى القريقري تأييده الكامل لفكرة إنشاء مجلس للعمد،"لما له من إيجابيات عدة تتلخص في مناقشة المشكلات الاجتماعية الجديدة التي تطرأ في الأحياء، وإيجاد حلول جذرية لها قبل أن تتحول إلى ظاهرة داخل المجتمع، إضافة إلى تبادل التقارير عن وجود عدد من السكان ذوي الجرائم وأرباب السوابق، تفادياً لانتقالهم إلى حي آخر، ويستطيعون بعد ذلك الاستمرار في جرائمهم، وأمور أخرى تخدم الجميع". وفي المقابل تقاربت آراء سكان أحياء محافظة جدة حول فاعلية وجود العمد، والأدوار الأساس التي تقع على عاتقهم، فقال فواز الزهراني:"يجب أن يتمتع كل عمدة حي بالقدرة على إدارة شؤون الحي بشكل جيد، لأنها الأصل في تحسين أوضاع الحي والرقي به". وسعت"الحياة"بدورها إلى الحصول على إجابات لاستفسارات عدة حول تعيين العمد وأدوارهم وطرق الارتقاء بها، من رئيس اللجنة الفرعية لتعيين العمد في محافظة جدة محمد بن حمزة عين الدين، لكنها لم تلق أي تجاوب على رغم اتصالات عدة أجرتها معه امتدت لأكثر من شهرين. ومطالب بتفعيل دوره الاجتماعي أوضحت الاختصاصية الاجتماعية حياة راشد الغامدي أهمية التفاعل الاجتماعي بين سكان الحي والعمدة، وقالت"إن ذلك التفاعل لم يعد موجوداً في الوقت الحاضر". وأضافت منذ سنوات غاب الدور المهم الذي ينبغي أن يمارسه العمدة مع سكان الحي، فغالبية سكان الأحياء يجهلون وجود العمدة أو يجهلون مكانه أو طريقة الاتصال به، والسبب أن العمدة يكتفي بعدد من المعارف من سكان الحي، وبالتالي فإنه لا يبحث عن طرق ووسائل تشعر السكان بوجوده، فليس شرطاً أن يكون سكان الأحياء جميعهم من السعوديين، إذ يسكنها أيضاَ إخوة عرب وأجانب، كما تسكنها نساء أرامل ومطلقات، لذا ينبغي اتخاذ الوسائل والطرق في التعريف بدور العمدة في الحي. وأشارت إلى أن حرص العمدة أولاً بالتعريف عن نفسه وموقعه في الحي وطريقة الوصول إليه من خلال عوامل عدة، تشمل تنظيم اجتماعات لجميع سكان الحي من رجال وشخصيات، وفي وقت مناسب للجميع يشرح لهم دوره، ويناقش معهم احتياجاتهم كافة. كما ينبغي أن يعرّف بموقعه من خلال وضع لوحات إرشادية وتعريفية في مداخل الحي ووسطه، كما ينبغي أن ينفذ كتيبات خاصة تشرح في نقاط مختصرة دور العمدة مع أهل الحي وأرقام هواتفه، وتوزيع استبيان على سكان الحي تحوي بيانات أولية ومعلومات توضح وتعرف بسكان الحي ووضعهم المادي والسكني والأسري، وتفريغ معلومات ذلك الاستبيان في الحاسب الآلي، وتكوين قاعدة بيانات لأهل الحي يمكن الرجوع إليها عند الحاجة. وأشارت الغامدي أيضاً إلى أهمية تلمس العمدة لحاجات أهل الحي وخصوصاً حاجات الأرامل والأسر الفقيرة، وتكوين فريق لتوزيع المساعدات وسد حاجتهم من أهل الخير بالحي، والإسهام في حل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية ومشاركة أهل الحي مناسباتهم الاجتماعية، وعقد مجالس شهرية مع كبار رجال الحي ومناقشة حاجاتهم والسعي لتوفيرها لهم.