الخطاب كما يراه بعضهم"كلام مباشر أو غير مباشر شفوي أو مكتوب يلقى على المستمعين بقصد التبليغ والتأثير"، ويختلف نوعه باختلاف مضمونه والمواقف التي يلقى فيها، ومن هنا يتم تصنيفه إلى: خطاب سياسي، اجتماعي، ديني، علمي، ثقافي... إلخ، ويعد الخطاب الوسيلة الأكثر تأثيراً وتفاعلاً في نفس المتلقي. وما يهمنا هنا هو الخطاب السياسي كونه الأكثر شيوعاً وأهمية في هذه الأيام، كما أنه قد يكون الأكثر خطراً في المجتمع إذا كان غير مسؤول وغير مدروس ويأتي بطريقة استفزازية ومتشنجة تنطوي على حال من التهديد والوعيد. وتكمن الخطورة عندما يتحول الخطاب السياسي وسيلة للشحن الانفعالي المهيج للعواطف والكراهية عبر اللجوء إلى الصراخ في أبسط المشاكل وأتفهها بعيداً من الهدوء والروية في حل الأمور وعدم الرجوع إلى العقل والمنطق. إن لغة الانفعال والتوتر قد لا تجلب نتائج طيبة أو مقبولة لدى الجهات التي تتبناها، حيث انه لا يمكن للصراخ والانفعال أن يصل بأصحابه إلى غاياتهم ومقصودهم، بل قد تكون نتائجه العكسية أكبر وأخطر على من يتبناه. وعلى رغم شهادة العديد من المراقبين المحليين والدوليين بأن ما يجري في العراق اليوم يؤسس لمرحلة جديدة من التنافس السياسي والتداول السلمي للسلطة والاحتكام إلى المؤسسات الدستورية، إلا إن ما نلاحظه ونلمسه من قبل بعض الكتل والأحزاب المتنافسة يجعلنا نأسف كثيراً لسماع بعض التصريحات المتوترة والعنيفة في جميع المحافل ووسائل الإعلام المختلفة، فالارتباك والعصبية والتشنج الحاصل لدى البعض هي الطاغية على أغلب تصريحاتهم. إن هذا التشنج الحاصل في الخطاب السياسي لدى البعض قد يكون مرده إلى عوامل عدة منها: أولاً: غياب المشروع السياسي الاستراتيجي لدى بعض السياسيين ما يؤدي الى غلبة العامل التكتيكي وبروز أسلوب الشحن الانفعالي لتغطية ضعف البرنامج السياسي. ثانياً: استخدام أسلوب سيكولوجية القطيع لتحقيق غايات انتخابية فئوية سريعة المفعول، من دون حساب الخسائر التي قد تقود البلد إلى حافة الخطر والصدام. ثالثاً: طبيعية حداثة التجربة وقلة الخبرة في مجال العمل السياسي الذي يؤسس لنظام تعددي ديموقراطي. رابعاً: تأثر عدد غير قليل من هؤلاء المتشنجين بثقافة سلطة النظام الديكتاتوري السابق في العراق والتي كانت تعتمد لغة التهديد والوعيد في أغلب خطاباتها وبخاصة ممن كانوا ضمن سلطة ذلك النظام أو ممن يحملون أفكاره أو ممن تأثروا بسلوكياته وممارساته القمعية. خامساً: الانجرار خلف الإيحاءات الخارجية التي أنست مثل هؤلاء المتشنجين بأنهم شركاء في الوطن وأن العراق لا يمكن أن يتم حكمه من قبل شخص أو حزب أو طائفة كما يحاول البعض بالعودة به إلى الوراء أو تعطيل المؤسسات الدستورية. ويعد هذا الخطاب المتشنج سلبياً بالدرجة الأولى على من يتبناه من حيث يشعر أو لا يشعر كما تنعكس تلك السلبية على المجتمع ونظام الدولة ومؤسساتها الدستورية، حيث أن هذا النوع من الخطاب العنيف له طبيعة ارتدادية تؤسس لمقاطع من العنف والعنف المضاد، لأنها قد تقود الى تفكك النسيج الاجتماعي العراقي. إن إيجاد خطاب سياسي إيجابي يكون بديلاً عن الخطاب المتشنج والمتطرف وبعيداً من المهاترات والتهديدات التي لا تجلب سوى العنف والدمار للدولة والمجتمع، هو الطريق الأمثل للحفاظ على وحدة الصف الوطني في ظل تجربة ديموقراطية ناشئة. إن الخطاب السياسي الناضج والفعال في بناء العملية الديموقراطية السليمة يعتمد على: الالتفات إلى مسألة الشراكة الحقيقية بين جميع مكونات البلد في إدارة السلطة والحكم وجعلها المحور الرئيس الذي تبنى عليه العملية السياسية. إعادة النظر بلغة الخطاب السياسي والتحول به من خطاب سلبي متشنج ومتأزم وغير مدروس إلى خطاب إيجابي مدروس يساعد في إعادة اللحمة الى هذا البلد. الابتعاد عن الاتهامات والتشكيك في الآخر أو حمله على المحمل السيء. ترسيخ ثقافة اللجوء إلى القانون وتفعيل دور القضاء من دون تدخل في الأحكام التي يصدرها إلا إذا كانت تلك الأحكام تحمل طابعاً سياسياً وليس قانونياً. احمد جويد - مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث - بريد إلكتروني