تراجع أسعار الذهب    الوحدة يتجاوز الجبيل بثنائية نظيفة    جمعية الثقافة والفنون بأبها تحتفي باليوم العالمي للتراث 2026م    رحيل الفنانة حياة الفهد إثر أزمة صحية    أمير المنطقة الشرقية يرعى حفل تخريج 3464 متدرباً في منشآت التدريب التقني والمهني    الرئيس الموريتاني يلتقي نائب وزير الخارجية    إدخال التقنيات للسوق يقدم حلولاً للتحديات في ميزان المدفوعات    برئاسة مشتركة بين المملكة والاتحاد الأوروبي والنرويج.. انعقاد الاجتماع التاسع للتحالف الدولي لتنفيذ حل الدولتين    العليمي يشيد بالدعم السعودي لليمن خلال لقائه سفيرة فرنسا    الاحتلال يغلق معبر رفح ويمنع سفر المرضى والجرحى من غزة    نائب أمير القصيم يزور متحف العقيلات التاريخي    أمير القصيم يرعى حفل تخريج الدفعة السابعة عشرة من طلبة جامعة المستقبل    ترمب يحذر من «ألاعيب».. وبزشكيان يشكو «التناقض».. أزمة ثقة تعيق استئناف الحوار    المركزية الأمريكية: تغيير مسار 27 سفينة متوجهة لإيران    تحذيرات ميدانية تهدد الهدنة.. مفاوضات لبنانية – إسرائيلية مرتقبة في واشنطن    6 % ارتفاع إيرادات الأعمال    الموارد تضبط 14 مكتب استقدام مخالفاً    كيف رسم «تيفو» الأهلي «سيناريو» العودة أمام فيسيل؟    للمرة الثانية توالياً.. الأهلي يعبر فيسيل كوبي ويتأهل لنهائي النخبة الآسيوية    في إياب نصف نهائي كأس إيطاليا.. إنتر يطارد الثنائية.. وكومو يأمل بتحقيق المفاجأة    في نصف نهائي دوري أبطال آسيا للنخبة.. شباب الأهلي الإماراتي يواجه ماتشيدا زيلفيا الياباني    تنفيذ 1048 جولة رقابية في الشماسية    أمطار حائل.. غيث سخي    بلدية المذنب تستعد للتقلبات الجوية    عاطل يقتل مسناً ويعيش مع جثته المتحللة    تخطط لاستهداف الأمن والوحدة الوطنية.. الإمارات تفكك خلية إرهابية مرتبطة بالخارج    باحث يحذر من خطر الرياح السريعة الهابطة    380.1 مليار استثمارات الأجانب    أمير الرياض يرعى حفل تخرج طلاب الجامعة السعودية الإلكترونية    رئيس مجلس السيادة الانتقالي في جمهورية السودان يصل إلى جدة    سعود بن نايف: القيادة تدعم القطاع غير الربحي    واحات مكة    العلوم الإنسانية ليست ترفًا.. في مواجهة إلغاء التخصصات الأدبية    وفاة    جديد شيرين عبد الوهاب.. «عايزة أشتكي وأشكي»    «إسلامية القصيم».. 1848 منشطًا دعوياً خلال شهر    طريق مكة    طفلتان حديثتا ولادة تغادران العناية المركزة بمستشفى الدكتور سليمان الحبيب بالخرج بعد «90» يوماً من الرعاية المكثفة    أبرز الإخفاقات الطبية (6)    «إسفنجة المطبخ» .. مصدر تلوث خفي    الضغط الصحي    آل الشيخ يوجّه خطباء الجوامع بتخصيص خطبة الجمعة القادمة للحديث عن مكانة المساجد والتحذير من أذى المصلين فيها    نائب أمير نجران يلتقي قائد حرس الحدود بالمنطقة    500 مليون برميل خسارة الأسواق العالمية من النفط    نائب أمير نجران يستعرض التقرير السنوي لبنك التنمية الاجتماعية    هرمون الحب يدير الوظائف الاجتماعية    الأهلي يتغلب على فيسيل كوبي بثنائية ويبلغ نهائي دوري أبطال آسيا للنخبة    ساعات على نهاية الهدنة و إسلام أباد تراهن على دبلوماسية اللحظات الأخيرة    حائل تودع أم الأيتام.. قوت القعيط    لبنان يطلق مسار التفاوض المباشر مع إسرائيل    أمير منطقة جازان يستقبل القنصل العام لجمهورية غانا    الجمعية السعودية الخيرية لمرض ألزهايمر توقع اتفاقية تعاون مع المركز الوطني للمنشآت العائلية    أمير الرياض يشهد تخريج جامعة سطام.. ويعتمد الفائزين بجائزة فيصل بن بندر للتميز والإبداع    أمير جازان يستقبل عضو هيئة كبار العلماء د. التركي    طريق الخير… حيث يزهر القلب ويخلد الأثر    الحج تدعو ضيوف الرحمن لحفظ أرقام الطوارئ    ب "رباعية" في مرمى الوصل.. النصر يقتحم المربع الذهبي لدوري أبطال آسيا 2    زائر يعود بعد 170 ألف عام    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مبادرة "الشرق الاوسط الكبير" الاميركية واوروبا قضايا اساسية لحوار على جانبي الاطلسي
نشر في الحياة يوم 02 - 04 - 2004

في غضون بضع سنوات مقبلة، ان لم يكن على مدى العقود القليلة المقبلة، سيصبح الشرق الاوسط مركز اهتمام الجغرافيا السياسية الدولية ويقرر الى حد كبير العلاقات بين اوروبا واميركا. وتبنت الادارة الاميركية قضية جلب "نظام جديد" الى المنطقة وأكدت على ذلك باعلان "مبادرة الشرق الاوسط الكبير" التي ستسعى للحصول على تأييد اوروبا لها في قمتي حلف الاطلسي ومجموعة الثماني في حزيران يونيو المقبل.
يتضمن محتوى هذه المبادرة سلسلة برامج سياسية وعسكرية واقتصادية تضم اجراءات متعددة الاطراف وثنائية لدمقرطة بلدان الشرق الاوسط، وعروضاً للتجارة الحرة تقدم الى بلدان منفردة، وتوسيع النطاق الجغرافي للشراكة بين منظمة التعاون والامن في اوروبا ومنطقة البحر الابيض المتوسط وتعميقها، وبرنامجاً للتعاون العسكري مماثلاً ل"شراكة من اجل السلام" في حلف الاطلسي. وتعكس المبادرة ادراكاً متزايداً في واشنطن، في اعقاب الحرب في العراق، بأنه في الحرب ضد الارهاب وانتشار اسلحة الدمار الشامل لا يكفي توجيه تهديدات عسكرية الى بلدان معادية او اطاحتها. كما ادركت واشنطن، متأخراً، انه تنبغي معالجة مشاكل بنيوية في المنطقة. وينبغي ان تتوقع اوروبا مطالب حازمة تماماً من واشنطن بأن تشارك في اعادة بناء الشرق الاوسط "الكبير". ولن يكون الامر كذلك في ظل ادارة جمهورية فقط. فالارجح ان يصبح اصلاح الشرق الاوسط واعادة بنائه ايضاً جزءاً من اجندة ادارة ديموقراطية اضافة الى اجندتها للعلاقة بين جانبي الاطلسي.
في الوقت ذاته، لم تستكمل "مبادرة الشرق الاوسط الكبير" الاميركية بعد بكل تفاصيلها. وفي الواقع، تخفي الفكرة الجيوسياسية الفخمة التي يجسدها عنوان المبادرة غياب افكار جديدة. ويمثل هذا الوضع فرصة لاوروبا: بدلاً من الاكتفاء بمسايرة او رفض مبادرات الولايات المتحدة، يمكن وينبغي ان تلعب دوراً بارزاً في صوغ النقاش حول استراتيجية شاملة لجانبي الاطلسي تجاه جارها الجنوبي. وستكون مقاربة اوروبا مختلفة، جزئياً على الاقل، عن المقاربة الاميركية. وهو ما لمح اليه وزير الخارجية الالماني يوشكا فيشر في الكلمة التي القاها في مؤتمر الامن في ميونيخ. وتعرض هذه الورقة بعض القضايا الاساسية التي ستهيمن على النقاش حول سياسة مشتركة بشأن الشرق الاوسط، وتوضح ما ترى انه مواقف المانيا وأوروبا في هذا النقاش على جانبي الاطلسي.
دمقرطة البلدان العربية والشرق اوسطية
تتفق الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي على ان تحولاً ديموقراطياً للعالم العربي او الشرق الاوسط الاوسع هدف ينبغي السعي الى تحقيقه. والارجح ان يذكّر الاوروبيون نظراءهم الاميركيين بأن اوروبا سعت الى هذا الهدف حتى قبل ايلول سبتمبر 2001، ولم "تكتشف" فحسب غياب الديموقراطية في العالم العربي في سياق صراعها ضد الارهاب الدولي. وفي حقيقة الامر كان بناء الديموقراطية ودعم المجتمع المدني وحكم القانون وحقوق الانسان عناصر اساسية في الفصل الخاص بالسياسة والامن في "عملية برشلونة" الشراكة الاوربية المتوسطية في بعديها المتعدد الاطراف والثنائي على السواء "اعلان برشلونة" واتفاقات الشراكة الثنائية. لذا فان المطلوب، من وجهة نظر اوروبية، ليس "استراتيجية مستقبلية للحرية" جورج بوش، بل منظور مشترك للتغيير السياسي والاقتصادي والاجتماعي في المنطقة المجاورة لاوروبا يؤسس على الامكانات الكامنة في هذه البلدان ويسعى الى اشراك مجتمعاتها، ويحترم كرامتها ويدرك الترابطات القائمة بين التخلف السياسي والاقتصادي من جهة والنزاعات في شأن الاراضي من جهة اخرى.
عملية معقدة
كما قد يتعيّن على الاوروبيين، في النقاش على جانبي الاطلسي، ان يلفتوا الى ان اشاعة الديموقراطية ليست عملية تسير بخط مستقيم، بل انها بالاحرى مهمة طويلة ومعقدة تزخر بالتناقضات والمعارك السياسية والنكسات. واذا امكن عرض المسألة عى نحو مبسط فان الاختلافات بين المقاربتين الاميركية والاوروبية يمكن ان توصف كالتالي: في وقت تميل الولايات المتحدة الى تشخيص عيوب تتعلق بالديموقراطية في الحكومات التي تناهض مصالح الغرب في المنطقة وتهددها باجراءات عقابية، سيحاول صناع السياسة الاوروبيون على الارجح ان يدعموا قوى ذات ذهنية اصلاحية داخل البلدان المعنية ويدفعوا الانظمة القائمة برفق في اتجاه المسار المؤدي الى الاصلاح عبر الحوار والدعم المادي واشكال من الاشتراط. وتتجلى هذه المقاربات المتباينة خصوصاً في ما يتعلق بايران. فعلى رغم المصالح المشتركة على جانبي الاطلسي ليس اقلها تخلي ايران عن برنامج اسلحتها النووي، تستمر الولايات المتحدة واوروبا في النظر الى ايران من منظورين مختلفين، ولا شك ان ذلك سيبقى عقبة امام اي سياسة مشتركة. فواشنطن ما تزال تعتبر ايران "دولة مارقة"، وفي المقابل تنظر اوروبا الى ايران كشريك صعب، ولكن ايضاً كمجتمع معقد ينطوي على امكانات هائلة لحدوث تطورات تقدمية على صعيد السياسة الداخلية. كما انها تنظر الى ايران باعتبارها النظام الاكثر تعددية في منطقة الخليج.
وغالباً ما تتضمن المساعي البراغماتية لاوروبا لتعزيز اشاعة الديموقراطية تبني المبدأ غير المرضي الذي يدعو الى "التعامل مع البلدان انطلاقاً من وضعها الراهن" والتعويل بالاحرى على امثلة جيدة تضرب في اماكن اخرى والحوار بدلاً من تهديدات بتغيير النظام. بمعنى آخر، قد يكون صناع السياسة الاوروبيون مستعدين فعلاً لدعم حتى خطوات اصلاح ثانوية التعليم او الاصلاح الاداري او السياسات الاقتصادية في بلد مثل سورية، حتى اذا كانت سرعة التطور السياسي في هذا البلد ابطأ كثيراً مما يطمحون اليه، فيما ينتقدون بلداناً مثل تونس او فلسطين او لبنان او اسرائيل لعيوب في التطور الديموقراطي او انتهاكات لحقوق الانسان قد تكون بالمقارنة اقل جدية. وأحد الدروس من عملية برشلونة هو انه قد يكون من الحكمة تفكيك مفهوم "الديموقراطية" الى عناصره المكونة، مثل: حكم القانون، استقلال القضاء، الشفافية، المساءلة، تعزيز المجتمع المدني، وغيرها. وقد يجعل هذا من الاسهل على النخب في هذه البلدان ان تساير العملية، وان يخلق مصالح مشتركة بدلاً من اشاعة مخاوف من تغيير النظام بتدخل خارجي.
لكن لا ينبغي تجاهل الثغرات في سياسة اوروبا بالسعي لتعزيز قضية اشاعة الديموقراطية. وبالفعل، لم تناقش برلين او بروكسيل قضية وضع شروط لتقديم مساعدات اقتصادية واقامة علاقات سياسية بعمق كاف، ناهيك عن وضعها موضع التطبيق.
الديموقراطية كهدف
وفي وقت يمثل التحول الديموقراطي للدول العربية بوضوح هدفاً، فانه لا يمكن ان يعتبر من منظور اوروبي شرطاً مسبقاً لمشاركة سياسية، وبخاصة ليس شرطاً مسبقا لمشاركة جدية في عملية السلام في الشرق الاوسط. وفي بعض الاحيان يدعي معلقون اميركيون او اسرائيليون انه لا يمكن الاّ لدول ديموقراطية ان تصنع السلام، ولذا فانه سيكون سابقاً للأوان استئناف مساع جدية من اجل السلام في الشرق الاوسط ما لم تصبح دول عربية رئيسية ديموقراطية. على الصعيد العملي، يقدم هذا الادعاء ذريعة للذين لا يريدون ان يستأنفوا محادثات سلام جدية، وهو بالتأكيد خاطئ بالاستناد الى التجربة. فالدولة العربية الاولى التي توصلت الى سلام مع اسرائيل، اي مصر، ليست بالضبط نموذجاً للديموقراطية، ومع ذلك ما يزال اتفاق السلام الاسرائيلي - المصري صامداً بعد ربع قرن. لكن العكس صحيح: السلام بين اسرائيل وجيرانها العرب سيعزز المساعي الاقليمية والخارجية لتحقيق تحول ديموقراطي. لكن ربط محاولات الغرب للتوسط من اجل السلام بدمقرطة البلدان العربية سيفاقم افتقار سياسات الولايات المتحدة والغرب الى الصدقية في المنطقة.
اين هو "الشرق الاوسط الكبير"؟
عند تطوير سياسات لمنطقة معينة في العالم، من المهم ان يعرف المرء ما هي البلدان التي يتحدث عنها. فلا يمكن تطوير سياسة موجهة بشكل عقلاني الاّ اذا اولي اهتمام كاف للنزاعات الاقليمية وترابطاتها، ولمواقف الدول والمجتمعات المنفردة، ولتلك العلاقات السياسية والاجتماعية - الثقافية والاقتصادية المتخطية للحواجز الوطنية التي تجعل الناس يشعرون بأنهم ينتمون فعلاً الى منطقة معينة. ويربط المشاركون في الجدل الاميركي بشأن "الشرق الاوسط الكبير"، وبعض زملائهم الاوروبيين، هذا المفهوم بأفكار جيوسياسية مختلفة تماماً. فتعابير مثل "من مراكش الى بنغلادش" تبدو جيدة، لكنها غير واضحة. وفي ورقة عمل تمهيدية اعددت لقمة مجموعة الثماني في حزيران المقبل، قدمت الادارة الاميركية تعريفاً ل"الشرق الاوسط الكبير" يشمل الدول العربية واسرائيل وتركيا وايران وباكستان وافغانستان. ويذهب البعض الى ضم كل آسيا الوسطى او القوقاز. ومع ذلك غالباً ما يشير محللون الى البلدان العربية عندما يشرعون بتشخيص مشاكل محددة.
وللتوصل الى تعريف مفيد لسياسات اوروبا الخارجية والامنية، يتعين ان تؤخذ بالاعتبار العلاقات المتخطية للحواجز الوطنية اضافة الى تأثير النزاعات الاقليمية. وعلى هذا الاساس يصبح من المعقول تعريف الشرق الاوسط الاوسع باعتباره يضم البلدان العربية واسرائيل وايران وافغانستان، ولكن تجنب توسيعه ابعد من هذه البلدان.
ولا يمكن اطلاقاً، بالطبع، تحديد المناطق بشكل واضح، وبعض الديناميات السياسية تربط البلدان المذكورة هنا بغيرها، مثل تركيا او باكستان او القوقاز او آسيا الوسطى. لكن تعريفاً واسعاً على نحو مفرط للمنطقة يعيق تطوير استراتيجيات سياسية. لذا ينبغي لصناع السياسة الاوروبيين ان يعتبروا تركيا شريكاً في حلف الاطلسي وعضوا محتملاً في الاتحاد الاوروبي. ويمكن لضم تركيا الى مفهوم الشرق الاوسط ان يؤدي الى تداعيات سياسية غير مرغوب فيها، من ضمنها ابتعادها عن اوروبا. كما لا يمكن النظر الى بلدان القوقاز بخلاف افغانستان، ضمن اطار شرق اوسطي، اذ ينبغي بالأحرى ان ينظر اليها ضمن اطار اوروبا في مرحلة ما بعد الشيوعية. ولم يكن تبني المعارضة الجورجية لتجربة الصرب كنموذج من دون سبب، فالامثلة المستمدة من حركات احتجاج عربية او ايرانية لن تفيدها بشيء يذكر. وباكستان متورطة في افغانستان، واستفاد برنامجها النووي من مساعدات مالية خليجية. لكن اذا كان سيجري تطوير سياسة مناسبة تجاه باكستان يتعين على المرء ان يقدّر تماماً الموقع المحوري الذي يحتله النزاع مع الهند بالنسبة الى هذا البلد. وفي المقابل، لا تكتسب التطورات في الشرق الاوسط اهمية تذكر بالنسبة الى سياسات باكستان. وعلى نحو مماثل، لا علاقة لترسانة باكستان النووية، بخلاف الترسانة لمحتملة لايران او ليبيا، بمنطقة الخليج او بالنزاعات مع اسرائيل، كما ينبغي الاّ تلعب اي دور اذا اصبح انشاء منطقة خالية من اسلحة الدمار الشامل في الشرق الاوسط على الاجندة.
ويشكل المسلمون غالبية سكان الجمهوريات السوفياتية السابقة في آسيا الوسطى، لكن روسيا ما تزال على المستوى السياسي اكثر اهمية بالنسبة الى هذه البلدان من الشرق الادنى او شبه الجزيرة العربية. وفي وقت لا ترغب افغانستان ان تعامل كاحدى مناطق "ما بعد الاتحاد السوفياتي" تلقى عدد غير قليل من النخبة الافغانية دراستهم في القاهرة والرياض او جدة واقاموا هناك، فان نخب آسيا الوسطى نشأت في الغالب في بيئة محورها موسكو. وسيتعين على صناع السياسة الغربيين ان يأخذوا بالاعتبار مثل هذه الخلفيات اذا كانوا يريدون ان يقيموا شراكات مع هذه البلدان ويقنعوا مجتمعاتها بجدوى مثل هذه العلاقات ويدعموا انشاء بنى اقليمية.
الاتحاد الاوروبي كاطار مرجعي
ترتبط سياسة المانيا تجاه الشرق الاوسط بشكل وثيق باطار اوروبي. وتبعاً لذلك، ينبغي للتنسيق مع الشركاء الاوروبيين ان يتقدم على التنسيق عبر الاطلسي. ومع ذلك، سيكون أفضل ان يجري تحسين المشاورات بين الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة بشأن المبادرات ذات الصلة بالمنطقة والمشاكل العملية الناجمة عنها. على سبيل المثال، في جوانب كثيرة تماثل "مبادرة الشراكة الاميركية الشرق اوسطية" التي اطلقها فريق السياسة الخارجية التابع للادارة الاميركية نهاية 2002 نسخة اوسع جغرافياً، ولكن اقل تمويلاً واكثر ميلاً الى العلاقة الثنائية، من "عملية برشلونة. ولا بد من الاقرار بأن عدم تجاوب واشنطن مع "برشلونة" وتجربة اوروبا مع هذه العملية البعيدة المدى، المتعددة الاطراف والمتعددة الابعاد، يرجع جزئياً الى حقيقة ان الاتحاد الاوروبي لم يبد اهتماماً بالسماح للولايات المتحدة، التي لا يمكن تجاهل دورها كلاعب على صعيد السياسة الامنية في منطقة البحر الابيض المتوسط، بأي شكل من المشاركة، ولا حتى كمراقب.
وفي الواقع، توجد لدى الاتحاد الاوروبي بالفعل سياسة مشتركة محددة وذات آليات فاعلة في ما يتعلق بجزء كبير من المنطقة. واضافة الى "عملية برشلونة"، التي افضت الى ابرام اتفاقات مشاركة مع معظم دول المتوسط الجنوبية والشرقية، واستراتيجية مشتركة لمنطقة البحر الابيض المتوسط، تتضمن مقاربة اوروبا ايضاً مواقف مشتركة كثيرة تجاه البلدان العربية واسرائيل وايران، و"برنامج اوروبا - الجوار الاوسع" تجاه المناطق المجاورة للاتحاد الاوروبي في اوروبا وشمال افريقيا والشرق الادنى، واتفاق تعاون مع اليمن، ومشاورات منتظمة بين الاتحاد الاوروبي ومجلس التعاون الخليجي، والمفاوضات ذات البعد السياسي الواضح التي لم تنته بعد في شأن اتفاق للتجارة والتعاون مع ايران. كما تحدد "استراتيجية الامن الاوروبي" التي جرى تبنيها في كانون الاول ديسمبر 2003 المخاطر التي تنبع من المنطقة من منظور اوروبا، فضلاً عن مبادئ التحرك الاوروبي، وترسم مقاربة مشتركة في ما يتعلق باستخدام القوة العسكرية.
في الوقت ذاته، الاطار القائم الوحيد عبر الاطلسي للمبادرات السياسية تجاه اجزاء من "الشرق الاوسط الكبير" هو تنسيق حلف الاطلسي بشأن افغانستان. اذ ان "الحوارات المتوسطية" لحلف الاطلسي ومنظمة الامن والتعاون الاوروبي ذات صلة محدودة في الواقع، وهي لا تمثل اطاراً يمكن داخله تطوير مبادرات مشتركة مع هذه البلدان او تجاهها.
تكامل لا تنافس
بيّن النزاع العربي - الاسرائيلي وعملية السلام الاهمية التي يكتسبها بالنسبة الى الولايات المتحدة من جهة، والاتحاد الاوروبي والدول الاعضاء فيه من جهة اخرى، تنسيق مواقفهما، والافضل ان يفعلا ذلك - كما في "اللجنة الرباعية للشرق الاوسط" - مع الامم المتحدة وروسيا. ولن يتحقق اي تقدم في عملية السلام طالما يستطيع الاطراف الاقليميون ان يوظفوا التناقضات بين الاميركيين والاوروبيين. وفي هذا السياق، يتحدث الاتحاد الاوروبي بشكل صائب تماماً عن التكامل، وهو مختصر للقول بأن كلا الطرفين لديه مزايا محددة تمكنهما، بالادوات المتوافرة لكل منهما على التوالي، ان ينفذا مهمات معينة على نحو افضل من الاخرين.
هكذا، مثلاً، تمتلك واشنطن نفوذاً اكبر لدى اسرائيل، فيما يتمتع الاوروبيون بصدقية اكبر وسط الفلسطينيين. كما ان الولايات المتحدة في وضع افضل يتيح لها تسليط ضغوط عسكرية وعرض ضمانات امنية، فيما يمكن لاوروبا ان تقدم فرص الشراكة والاندماج. لذلك، ينبغي ان يستخدم الطرفان هذه المجموعة المتنوعة من الموارد السياسية المختلفة لتحقيق اهداف مشتركة، من ضمنها السلام في الشرق الاوسط وتعزيز الديموقراطية وحقوق الانسان والكفاح ضد الارهاب والحد من سباق التسلح الاقليمي. وهذا لا يعني ان اوروبا تتبع فحسب قيادة الولايات المتحدة، بل انها تدعو بالاحرى الى تنسيق وثيق في المجالات الرئيسة للسياسة.
وتقدم "اللجنة الرباعية" و"خريطة الطريق" التي تبنتها نموذجاً لهذه المقاربة المتعددة الاطراف، حتى وان كانت الخطة لم تطبق بعد. ويتيح تعدد الاطراف استخداماً كاملاً للعلاقات والادوات المحددة المتوافرة للاعبين المنفردين في علاقتهم ببلدان الشرق الاوسط. ورسمت "خريطة الطريق" في برلين وغيرها من العواصم الاوروبية، لكن اوروبا لديها سبب جيد يدعوها الى تجنب الادعاء بأنها صاحبة الفكرة. فتبنيها من قبل واشنطن ووصفها، في وسائل الاعلام الاميركية، بأنها "خريطة طريق اميركية" أمر جيد من منظور اوروبي. وتمثل قيادة الولايات المتحدة في هذا السياق بالفعل امراً حيوياً، اقله بسبب النفوذ الاكبر الذي تمارسه على اسرائيل التي تثق بالولايات المتحدة، ولا تثق باوروبا. ويتمتع الاتحاد الاوروبي، من جهة اخرى، بثقة اكبر بكثير وسط الفلسطينيين. وبالفعل، كشفت اوروبا نفوذها بتقديم مساعدات عندما نفذت السلطة الفلسطينية اصلاحها الداخلي الناجح عموماً.
محورية النزاع العربي الاسرائيلي
تؤكد "استراتيجية الامن الاوروبي" الاهمية الاساسية التي تمثلها تسوية سلمية للنزاع العربي - الاسرائيلي والاسرائيلي الفلسطيني اولاً بالنسبة الى التنمية السياسية والاقتصادية والسياسة الامنية للمنطقة. ولذا فانها اعتبرت تسوية النزاع "اولوية استراتيجية" لأوروبا. فمن دون تسوية كهذه، "لن تكون هناك فرصة تذكر للتعامل مع المشاكل الاخرى في الشرق الاوسط". وبالمقارنة مع ذلك، غالباً ما يتجاهل النقاش الدائر في الولايات المتحدة محورية النزاع وعملية السلام بالنسبة الى التطورات في المنطقة الاوسع.
وهناك اسباب عدة تفسر لماذا يمثل بقاء النزاع من دون حل عائقاً بوجه العمليات الايجابية للتغيير السياسي والاقتصادي في المنطقة. فمن بين اشياء اخرى، ما تزال انظمة عربية عدة تختبئ وراء النزاع لرفض تنفيذ اصلاحات داخلية. فاذا حلّ هذا النزاع، تسقط الذريعة وتفقد البنى الاستبدادية شرعيتها. كما ان استمرار النزاع يعزز دور العسكريين في الدول العربية واسرائيل، ويضفي شرعية على اساءة استخدام مستمرة للموارد، حيث لموازنات الدفاع اسبقية على امور مثل اصلاح التعليم. وفي المقابل، من شأن السلام ان يساعد على انتشار الديموقراطية وتعزيز المجتمعات المدنية والحد من جاذبية المتطرفين الدينيين والقوميين.
وهذه ليست الاعتبارات الوحيدة التي تغفل عنها السياسة الاميركية. فهي غالباً ما تخفق في الاقرار بمدى اعتماد صدقية الغرب في المنطقة على جدية الجهود الاميركية والاوروبية للتوصل الى حل سلمي عادل للنزاع. وفي وقت يمكن لاوروبا ان تتمتع بصدقية اكبر نوعاً ما في هذا السياق، فان هذه الصدقية لها حدودها. اذ اصبح جزء كبير من الرأي العام في البلدان العربية وايران مقتنعاً بان الاوروبيين يكتفون باظهار وجه اكثر وداً، فيما يختفون في النهاية وراء الولايات المتحدة ليتحاشوا اي تحرك ملموس على الصعيد العملي.
ويميل صناع السياسة الاوروبيون، متأثرين بالتجارب الاستعمارية لاوروبا، الى ابداء التشكك الى حد ما بشأن مشاريع واسعة التنوع لجلب "نظام جديد" الى الشرق الاوسط. فهم يميلون الى تحبيذ اقامة بنى اقليمية يمكن ان تساعد على خفض احتمال وقوع نزاع، وتطوير مؤسسي لعلاقات تعاونية تعزز الامن لكل لكل الاطراف وتسهّل عمليات التغيير في البلدان المعنية.
وينبغي للمرء ان يدرك انه ليست نخب الانظمة الاستبدادية وحدها بل قطاعات مهمة من النخب الاجتماعية في الشرق الاوسط تعتبر احتمال "اعادة ترتيب" للمنطقة من الخارج تهديداً جدياً. وفي الوقت نفسه، توجد لدى هذه النخب مصلحة في احتواء احتمالات نشوب نزاع اقليمي وتعزيز الامن الاقليمي. وكانت فكرة انشاء "مؤتمر حول الامن والتعاون في الشرق الاوسط" اثيرت للمرة الاولى من قبل لاعبين اقليميين مثل ولي العهد الاردني السابق الامير حسن بن طلال. وما يزال الوقت مبكراً جداً على الارجح لمثل هذا المشروع. وفي النهاية، لن تتوّج عملية من نوع "منظمة الامن والتعاون الاوروبي" بالنجاح الاّ اذا تمت تسوية النزاع على الاراضي بين اسرائيل وجيرانها، او اذا كان هناك حل في الافق. لكن حتى قبل ان تطلق عملية تشمل كل البلدان المعنية وكل المشاكل ذات الصلة في المنطقة، توجد آفاق جيدة لاقامة اشكال معينة اكثر محدودية للتعاون الاقليمي على صعيد السياسة الامنية ينبغي ان تشارك فيها ايضاً الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي ولاعبون آخرون من خارج المنطقة. على سبيل المثال، سيكون من المعقول انشاء مجموعة اتصال للعراق 1 زائداً 6 زائداً 4 تضم جيران العراق واعضاء "اللجنة الرباعية" والحكومة العراقية الجديدة كأداة تنسيق وكخطوة لبناء الثقة يمكن ان يحفز وجودها بالذات الاطراف الاقليمية على ان تفرز مصالحها المشروعة في ما يتعلق بالعراق بطريقة بناءة.
بنى مقابل افراد: مثال فلسطين
وتولي اوروبا عموماً في تعاملها مع الشرق الاوسط، فضلاً عن مناطق اخرى، تركيزاً اكثر على بناء المؤسسات، فيما تركز الولايات المتحدة اكثر على الاشخاص في مواقع المسؤولية. ويمثل هذا الوضع جزئياً انعكاساً للبنى المختلفة لكلا الكيانين السياسيين. فالحياة السياسية في الولايات المتحدة اكثر شخصنة، وصانع القرار الرئيسي اكثر اهمية. في المقابل، لا يمارس الافراد في اوروبا، ببنيتها المؤسسية المعقدة، تأثيراً كبيراً. ويمكن تلمس اوضح مثال على هذا التباين في الموقف في الجدل الاوروبي - الاميركي بشأن كيفية التعامل مع الرئيس ياسر عرفات. فقد يتفق صناع السياسة في الجانبين في تقديرهم لشخصية عرفات. لكن في الوقت الذي قررت فيه الادارة الاميركية ان تقاطعه، يبقي الاتحاد الاوروبي على العلاقات معه، مؤكداً على اهمية ابقاء مؤسسات ساهمت اوروبا والولايات المتحدة ذاتهما في انشائها. ويشار بهذا الشأن تحديداً الى ان الانتخابات الرئاسية الفلسطينية في 1996 حظيت بدعم ومراقبة من مسؤولين اوروبيين واميركيين. وبدلاً من المطالبة بتغيير في القيادة الفلسطينية، يركز الاتحاد على تعزيز السلطة التشريعية ويؤيد اصلاحات ادارية واسعة. فعرفات، برغم كل شيء، ليس مسؤولاً غير منتخب، بل انه الزعيم العربي المنتخب ديموقراطياً اكثر من سواه. ولا يعكس الموقف الاوروبي بالضرورة تعاطفاً مع عرفات او الفلسطينيين، بل القناعة بانه لا يمكن للمرء ان يهمل اختيار الشعب الفلسطيني اذا كان يريد للنداءات المطالبة ب"ديموقراطية للعرب" ان تعامل باعتبارها جديرة بالثقة.
دمج تركيا بالاتحاد الاوروبي
الحكومة الالمانية والادارة الاميركية متفقتان، مبدئياً، وان يكن لاسباب مختلفة بعض الشيء، بأن تركيا في حاجة لأن تعطى امكان الحصول على عضوية الاتحاد الاوروبي. وينبغي لصناع السياسة الاوروبيين والالمان ان يدركوا ان الطريقة التي يتعامل بها الاتحاد الاوروبي وأوروبا مع تركيا ورغبتها في الانضمام الى الاتحاد سيكون لها اهمية كبرى بالنسبة الى علاقات اوروبا على المديين المتوسط والبعيد مع بلدان الشرق الاوسط.
وستغيّر عضوية تركيا في الاتحاد الاوروبي جذرياً الابعاد الجيوسياسية لاوروبا، اذ ستصبح سورية والعراق وايران عندئذ جيران مباشرين للاتحاد. لكن المرء لا يحتاج الى ان يعتبر تركيا جزءاً من شرق اوسط "كبير" كي يتوصل الى الاستنتاج بأن التطورات الداخلية فيها الطريقة التي ستعامل بها من قبل اوروبا سيكون لها تأثير كبير في النقاشات والتطورات السياسية في بلدان الشرق الاوسط. كما ان اعطاء تركيا افقاً جدياً بالانضمام الى الاتحاد الاوروبي سيعزز صدقية سياسة اوروبا ازاء بلدان اسلامية اخرى.
وسيكون لموقف الاتحاد الاوروبي بالسماح او عدم السماح باندماج دولة كبيرة سكانها مسلمون في فضائه الدستوري تأثير هائل على الانطباع العام عن اوروبا في بقية البلدان الاسلامية. ولندع جانباً الجدل الدائر في اوروبا بشأن الاشارة الى الله في الدستور، اذ لا توجد لدى الحزب الحاكم في تركيا صعوبة في قبول صيغة كهذه. والمشكلة هي ما اذا كان صناع السياسة الاوروبيون سيرفضون دمجاً لتركيا بالاستناد على الهوية المسيحية المفترضة للاتحاد.
ومن شأن اندماج ناجح لتركيا ان يؤشر بوضوح الى ان الاسلام يمكن فعلاً ان يكون جزءاً من ثقافة اوروبا، وسيقضي في الوقت نفسه على خرافة صدام محتوم بين الحضارات. بالاضافة الى ذلك، سيكون لاندماج تركيا في الاتحاد الاوروبي تأثير في التطورات السياسية الداخلية في بقية البلدان الاسلامية لانها ستبيّن ان الديموقراطية والتعددية وحكم القانون والحداثة السياسية ليست سمات او خصائص "غربية". وفي النهاية، سيكون تأثير عملية انضمام ناجحة لتركيا الى الاتحاد الاوروبي تأثير اكبر على الارجح من "تأثيرات الدومينو" التي يتوقعها بعض الاميركيين من تجارب التغيير الاميركية في العراق.
مصالح مشتركة في العراق
وبغض النظر عن التباينات بشأن الحاجة الى الحرب في العراق وشرعيتها، فضلاً عن تحليل المخاطر التي استخدمت لتبريرها، يتقاسم الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة اهتماماً برؤية عراق مستقر واقامة نظام تعددي قابل للبقاء يستند الى حكم القانون. ولاسباب تتعلق بالقرب الجغرافي، ربما يفوق اهتمام اوروبا بتحويل العراق الى دولة تعددية تقوم على المشاركة اهتمام الولايات المتحدة بذلك. وكل من يشك في ذلك ينبغي ان يدرك ان وحدة اراضي العراق لا يمكن الحفاظ عليها في الوقت الحاضر الاّ اذا كانت للعراق الجديد بنى فيدرالية ونظام سياسي تمثيلي يضمن المشاركة وحقوق الاقليات.
هذا الاهتمام، بالنسبة الى اوروبا، يترجم الى مسؤولية اوروبية لتشجيع اعادة بناء العراق. كما سيتعيّن ان تعكس هذه المسؤولية في التزامات مالية، بما فيها الاستعداد لالغاء ديون وتقديم دعم مالي لاعادة بناء البلاد اقتصادياً واجتماعياً. واخذاً بالاعتبار النفوذ الاقتصادي الكامن للعراق فان "مشروع مارشال" جديد من نوع ما سيكون مطلوباً تعيد البلاد بموجبه، حالما تقف مرة اخرى على قدميها، المساعدات التي تتلقاها حالياً. في الوقت ذاته، ينبغي للقرارات بشأن سياسة المانيا واوروبا تجاه العراق الاّ تقاس بمعيار ما اذا كانت تساعد على لئم الجراح على جانبي الاطلسي، بل ان تقاس تبعاً لمدى كونها تخدم مصالح اوروبا في العراق والمنطقة الاوسع: على الاقل، كما جرت الاشارة اعلاه، لتحقيق استقرار العراق بالذات ودمقرطته. وفي ما يتعلق بدور محتل لحلف الاطلسي في العراق، فان هذا يعني ان مطالبات بدور كهذا لا يمكن ان ترفض اذا صدرت عن حكومة عراقية مستقلة وكانت مستندة على تفويض واضح من الامم المتحدة. وفي مثل هذا الوضع لن تبقى مسألة هل وكيف تشارك بلدان منفردة عضوة في حلف الاطلسي قضية مبدأية، وتصبح مسألة امكانات وقدرات وقبول قوات دول معينة من قبل العراقيين. وسيبقى ارسال قوات تركية فكرة سيئة، حتى اذا طلب من الحلف تقديم مساعدة من قبل بغدد ونيويورك. لكن نشر قوات لحلف الاطلسي لن يكون مبرراً اذا كان كل ما سيفعله هو تخفيف العبء عن القوات الاميركية. فما لم يتغير السياق السياسي الذي تعمل فيه قوة دولية، لن ينظر الى وحدات حلف الاطلسي بأي شكل مختلف عن قوة احتلال اميركية او تابعة للائتلاف.
اخيراً، من المهم تجنب تحميل التجربة العراقية اكثر مما يجب. فلا ينبغي ان يعامل العراق كنموذج للديموقراطية الشرق اوسطية، ولا كرأس جسر لمشاريع خارجية لاعادة ترتيب المنطقة. فاطاحة نظام بالقوة العسكرية وحتى تنصيب حكومة جديدة في مكانه امر سهل نسبياً، لكن بناء نموذج شيء اصعب بكثير ومحاولة القيام بذلك ستعني على الارجح تطلّب اكثر مما يجب من اللاعبين العراقيين. اضافة الى ذلك، سيكون جعل العراق رأس جسر لمشاريع اقليمية وسيلة موثوقة لتحفيز ردود افعال غير ودية من جانب جيرانه، بدلاً من ضمهم الى الجهود المبذولة لتحقيق استقرار البلاد.
* رئيس "مجموعة ابحاث الشرق الاوسط وافريقيا" في المعهد الالماني للشؤون الدولية والامنية في برلين.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.