يتوقع المغرب موسماً زراعياً استثنائياً السنة الجارية يعوض عن الاعوام العجاف ويقلص فاتورة الواردات الغذائية ويضمن سوقاً تفاوضية جيدة مع الاتحاد الاوروبي، الذي يستعد لفتح اسواقه امام الصادرات الزراعية المغربية تعويضاً للرباط عن توسيع الاتحاد بدخول عشرة اعضاء جدد من شرق اوروبا. البرد القارس والثلوج والصقيع والامطار والفيضانات واقع يجمع منذ بضعة اسابيع بين الاتحاد الاوروبي وجزء كبير من شمال افريقيا الذي تكسوه الثلوج البيضاء على قمم جبال الاطلس في صور تعيد الى الاذهان ارتباط ضفتي البحر الابيض المتوسط بغطاء ابيض وامتدادات الطبيعة التي لا تضع حدوداً سياسية او جغرافية او اقتصادية عندما يتعلق الامر بالمناخ. ذكرت مصادر الارصاد الجوية المغربية ان انخفاض درجة الحرارة سيتواصل طيلة الاسبوع المقبل مصحوباً بعواصف ثلجية على قمم الجبال حيث ستتراجع درجات الحرارة الى اقل من 10 تحت الصفر بعدما بلغت اقل من 7 تحت الصفر في اغلب مناطق الوسط والشرق المغربي وهي معدلات استثنائية لم تشهدها البلاد منذ فترة طويلة على الاقل منذ الستينات. واشارت الارصاد الجوية الى ان البرد القارس والثلوج ستُعوض الامطار في جزء من المغرب بينما ستستقر درجة حرارة الليل في السواحل الاطلسية في معدلات قريبة من الصفر مع تساقطات مطرية متفرقة. وحسب المعطيات المتوافرة تجاوزت الكميات المسجلة حتى الاسبوع الاول من كانون الثاني يناير الجاري 100 في المئة في جل المناطق وقدرت كميات الامطار المتساقطة ب250 ملم مقابل 130 ملم كمعدل وسطي في سنة عادية. وسجلت التساقطات فائضاً بنسبة 130 في المئة في الرباط و128 في المئة في الدار البيضاء و115 في المئة في المحمدية و78 في المئة في تارودانت في الجنوب و72 في المئة في سطات في الوسط. ونتيجة ذلك ارتفع مخزون السدود المخصص للاغراض الزراعية الى 7,3 بليون متر مكعب من 5,8 بليون متر في الفترة نفسها من العام الماضي وقاربت معدلات الامتلاء حاجز 60 في المئة في جل السدود المغربية الكبرى خصوصاً في مناطق لكوس - شمال وملوية - شرق وسوس - جنوب ما يضمن فائضاً مائياً للانشطة الزراعية يبعد عن الاذهان صور الشح التي كانت ميزت الاعوام الثلاثة الماضية. وقالت وزارة الزراعة ان المساحات المزروعة حتى مطلع السنة الجارية بلغت 5,3 مليون هكتار بارتفاع 30 في المئة على المساحات المزروعة العام الماضي التي لم تتجاوز 4,1 مليون هكتار كما ارتفعت المساحات المزروعة بالحبوب الخريفية الى 4,7 مليون هكتار بنسبة زيادة 38 في المئة وزادت مساحات القطاني 70 في المئة وقصب السكر 10 في المئة وتم تصدير 107 الاف طن من البواكر الى اسواق الاتحاد الاوروبي و75 الف طن من البندورة وبلغ اجمالي صادرات الحوامض 167 الف طن مقابل 154 الف طن خريف العام الماضي. وقال وزير الزراعة والتنمية القروية محمد العنصر ل"الحياة" ان المغرب رصد في موازنة سنة 2003 اعتمادات تناهز 1943 مليون درهم قرابة 200 مليون دولار لدعم برامج الانتاج الزراعي والاستفادة من التساقطات المطرية وتطوير اساليب الري والبحث العلمي والتكوين واستخدام التكنولوجيا في مجال البذور والتنمية الفلاحية. وتوقع الوزير المغربي ان يتحسن الانتاج الزراعي من الحبوب الرئيسية السنة الجارية الى نسبة قريبة من الاستهلاك المحلي المقدر بنحو 10 ملايين طن ما قد يُخفض فاتورة واردات الحبوب، التي قدرت في السنوات الاخيرة بنحو 650 مليون دولار سنويا، كما يتوقع المغرب زيادة صادراته الغدائية واسترجاع بعض الاسواق خصوصاً داخل الاتحاد الاوروبي الذي يمثل الزبون الرئيسي للصادرات الزراعية المغربية. وقال محند العنصر ان الصادرات الزراعية زاد العام الماضي 17 في المئة وهي مرشحة للارتفاع اكثر الموسم الجاري بسبب تحسن الظروف المناخية خصوصاً في مجالات الحوامض والبواكر ومصبرات الخضر والفواكه وتشمل هذه المنتجات مجتمعة نحو 62 في المئة من اجمالي الصادرات الزراعية المغربية التي تمثل بدورها ثلث مجموع الصادرات المقدرة بنحو 13 بليون دولار. والمنتظر ان ينعكس التحسن الزراعي والتجاري في زيادة اداء الاقتصاد المغربي الى اكثر من 5 في المئة وكانت الحكومة وضعت توقعات نمو متواضعة بنسبة 4,5 في المئة بانتظار نتائج الموسم الزراعي الدي يفضل المسؤولون وصفه بالاستثنائي مع التحفظ وبانتظار امطار الربيع الحاسمة. واشار العنصر الى ان واردات المغرب من الحبوب ظلت تتراجع سنة عن اخرى وهي تقلصت العام الماضي بنحو 6 في المئة ومرشحة للتراجع اكثر السنة الجارية لكن المغرب مع ذلك سيظل مستورداً لجزء من حاجياته من القمح خصوصاً من الولاياتالمتحدة الاميركية وفرنسا وقدرت واردات القمح العام الماضي ب4,9 مليون طن مقابل 5,2 مليون طن عام 2001 . وقال الوزير المغربي ان ارتفاع الصادرات الزراعية في مقابل استقرار الواردات مكن من خفض عجز الميزان التجاري الزراعي الى 11 بليون درهم نحو 1,1 بليون دولار من اصل 12 بليون دولار ما أدى الى تحسن في تغطية الواردات بالصادرات الزراعية الى 46 في المئة من اصل 40 في المئة قبل عامين وقد يتجاوز 60 في المئة السنة الجارية. واعتبر العنصر ان تحسن الانتاج يعزز وضعية المفاوضات التجارية المغربية الاوروبية حول الملف الزراعي وصولا الى تحرير المبادلات التجارية في هذا النوع من الانتاج، الذي يصطدم بلوبيات الضغط الاوروبي التي تعارض فتح الاسواق امام صادرات دول جنوب البحر الابيض المتوسط. وكان الاتحاد وافق على زيادة وارداته من البندورة المغربية الى 22 طناً شهرياً بين تشرين الثاني نوفمبر ونيسان ابريل بانتظار الجولة المقبلة في الربيع المعروفة بمفاوضات "نصف التطبيق" تماشيا مع البندين 16 و18 من اتفاق الشراكة الموقع عام 1996 . ويتهم المغرب الدول الصناعية بوضع العراقيل امام تنمية الزراعة في دول الجنوب عبر اغلاق الاسواق وتشديد اجراءات الولوج. وذكر تقرير لوزارة الزراعة انه منذ بداية تنفيذ اتفاقية غات عام 1994 وتأسيس منظمة التجارة الدولية لم تعرف صادرات الدول النامية ارتفاعاً يذكر حيث ان غالبية الدول السائرة في طريق النمو تجد صعوبات كثيرة في تأمين صادراتها الى الاسواق الدولية بسبب الحماية المطبقة داخل الدول المتقدمة ومستوى الدعم المطبق عند الانتاج والتصدير. ولمواجهة وضعية الاسواق الدولية غير المساعدة وفي غياب بديل مغاربي او عربي خصص المغرب 990 مليون دولار لتحسين البنية المالية لصندوق القرض الزراعي المتخصص في تمويل مشاريع المزارعين كما عالج الصندوق ديون حوالى 140 الفاً من صغار المزارعين وانفق 500 مليون دولار لشطب ديون قديمة وتحمل فوائدها المتراكمة. وكانت الحكومة انفقت العام الماضي نحو 120 مليون دولار لتحمل الفوائد على قروض المزارعين التي تقل عن 50 الف دولار ودفع صندوق القرض الزراعي 100 مليون دولار. ويعتقد مسؤولون في وزارة الزراعة ان الامطار الاخيرة ستُحسن وضعية الارياف المغربية وتزيد عائدات المزارعين الذين تضرروا من الجفاف الماضي بعدما انفقت الحكومة 800 مليون دولار لمعالجة نتائجه. وتتوقع الوزارة ان يكون العيد الكبير في شباط فبراير المقبل بداية تحسن الدخل المالي للمزارعين عبر تسويق نحو خمسة ملايين رأس من الماشية تُقدر قيمتها الاجمالية بقرابة بليون دولار ما يعني انتقال اموال كثيرة من المدن الى البوادي وهي الصيغة البديلة عن الهجرة القروية. لكن المحللين يعتقدون ان تحقيق موسم جيد واحد قد لا يكفي لتجاوز مخلفات سنوات طويلة من الجفاف تقلصت فيها مداخيل المزارعين بشكل كبير واصابت بالفاقة ملايين من الناس، وأدت الى ارتفاع معدلات الفقر الى خمسة ملايين شخص جلهم في الارياف النائية والمناطق ناقصة التجهيز، في بلد تمثل فيه الزراعة 17 في المئة من اجمالي الناتج و40 في المئة من اجمالي فرص العمل التي تعاني بدورها من انسداد الافق وارتفاع البطالة الى 13 في المئة على المستوى الوطني.