شغفت بدراسة علم المناعة فور بدء معرفتي بهذا العلم الجديد في بداية السبعينات حينما كنت أحضّر لدرجة الماجستير في تخصص الباثولوجيا الاكلينيكية. وفرق كبير جداً بين ما كنا نعلمه في السبعينات وما تم اكتشافه الآن من أسرار عالم المناعة. ولنتعرف على هذا الجهاز الساحر، جهاز المناعة. إنه الحصن المنيع للكائن الحي، يحميه من كل ما يتعرض له من مخاطر خارجية "ميكروبات وفيروسات وطفيليات ومسببات للحساسية"، ومخاطر داخلية "تحولات سرطانية للخلايا". مم يتكون جهاز المناعة؟ يتكون من جزء مركزي متمثل في النخاع العظمي والغدد الليمفاوية والطحال وآخر طرفي متمثل في الخلايا المتجولة في جميع أنحاء الجسم إلا من بعض الاستثناءات. ولكي يقوم الجهاز المناعي بوظيفته الدفاعية والهجومية ضد ما يتعرض له الكائن الحي من مسببات مرضية فإن الخطوة الأولى للقيام بوظيفته هي التعرف على المسبب. ودعونا نتتبع اقتحام ميكروب لجسم الإنسان وكيفية تعرف الجهاز المناعي على هذا الميكروب والقضاء عليه: عندما يقتحم الميكروب الموانع الطبيعية لجسم الإنسان فإن خلايا "المكروفاج أو الخلايا الملتهمة" Macrophage تكون هي أول ما يواجهه ويلتهمه ويتعامل معه ويحوله الى مجموعات صغيرة من سلاسل الأحماض الامينية PEPTIDES وتدفعه على سطحها الخارجي. وعلى السطح الخارجي للخلايا الملتهمة يتم تقديم أجزاء الپPEPTIDES البيتيدات الى الخلايا الليمفاوية التي تستقبل هذه البيتيدات بواسطة أجهزة الرادار التي تمتلكها "المستقبلات". عندما تتعرف الخلايا الليمفاوية على هذه البيتيدات يبدأ فوراً توزيع أدوار فريق عمل الجهاز المناعي الذي يتكون من خلايا متعددة لكل منها جهاز الرادار الخاص بها "المستقبل" ولكل منها القدرة على إفراز مواد بيولوجية معينة ولكل منها وظيفة محددة يؤديها. عندما تتم الخلية عملها، فإنها توقف إفراز المواد البيولوجية وتعود الى الحالة الساكنة انتظاراً لشرارة بدء أخرى، أي أن خلايا الجهاز المناعي تنتقل من حالات سكون الى نشاط ثم الى سكون بمقدار محسوب وسيطرة تامة. وجهاز المناعة هو المسؤول عن رفض الأنسجة أو الأعضاء المزروعة من الغير، فهو قد تعلم منذ تكوين الجنين أن يميز بين خلايا وأنسجة الذات Self وخلايا وأنسجة الغير Noncelf، تعلم هذا في الغدة التيموسية التي تنتخب الخلايا ذات القدرة على التمييز وتنميها وتطلقها إلى باقي أجزاء الجسم لتكون كالجندي اليقظ يتعرف على كل ما هو غريب عن الكائن الحي ويتعامل معه. هذه القدرة على التمييز بين ما هو ذاتي وغير ذاتي إذا اضطربت فإن ذلك يؤدي الى حدوث أمراض المناعة الذاتية حيث يهاجم الجهاز المناعي خلايا وأنسجة الذات فيفقدها وظيفتها. وتتميز خلايا الجهاز المناعي بظاهرة التخصص والتعاون. كل خلية لها "مستقبل" شديد الخصوصية يتعرف فقط على تتابع معين من الأحماض الأمينية. أيضاً يعمل الجهاز المناعي بروح فريق العمل حيث تؤثر الخلايا وتتأثر بباقي الخلايا الأخرى تنشيطاً وتثبيطاً. إن سلامة الجهاز المناعي تضمن حماية الجسم من الإصابة بكل ما يتعرض له الإنسان من ميكروبات وطفيليات وفيروسات ومسببات للحساسية، وأيضاً يقوم الجهاز المناعي بالقضاء على الخلايا السرطانية التي تتكون بصورة دائمة في جسم الإنسان. والخلل في الجهاز المناعي يكون سلبياً أو إيجابياً، الخلل السلبي أو الضعف يعرض الإنسان للاصابة بالفيروسات والطفيليات وبعض أنواع الأورام السرطانية، أما الخلل الإيجابي فيعرض الإنسان للاصابة بأمراض المناعة الذاتية والحساسية. من هنا أهمية الاستفادة من تطويع "تنشيط وتثبيط" الجهاز المناعي لمصلحة صحة الإنسان ومن ثم صحة المجتمع. وأيضاً أهمية دراسة علم المناعة لتخصصات الطب المختلفة حيث ظهر الدور الكبير الذي يلعبه الجهاز المناعي كمسبب لأمراض مختلفة وأيضاً دور العلاج المناعي لأمراض شتى ثبت فعالية الجهاز المناعي في نشأتها وشفائها، كالعلاج المناعي للفيروسات والأورام السرطانية وأمراض المناعة الذاتية. أرى أن تكوين فرق عمل من تخصصات طبية مختلفة لتشخيص وعلاج ومتابعة الأمراض التي لها أساس مناعي لهو أمر بالغ الأهمية، ولعلنا نحذو حذو الجهاز المناعي الذي يعمل في تناغم وتكامل، كل يختص بوظيفة محددة يؤديها بمهارة ليكون كالعازف الماهر في فرقة سيمفونية متميزة. * استاذة المناعة - قسم الباثولوجيا الإكلينيكية - كلية الطب - جامعة المنصورة - مصر.