نائب رئيس مجلس الشورى يلتقي وفد إمارة منطقة الحدود الشمالية    BBC تكشف سجونًا إماراتية سرية في جنوب اليمن    تشكيل الهلال المتوقع أمام الأهلي    وزير الخارجية يستقبل وزير خارجية إثيوبيا    تقارير.. رونالدو يعطل انتقال بنزيمة إلى الهلال    تحت رعاية خادم الحرمين .. وزير الإعلام يفتتح أعمال المنتدى السعودي للإعلام في نسخته الخامسة    نائب أمير المنطقة الشرقية يستقبل أعضاء مجلس إدارة جمعية "قبس"    تخريج وتوظيف 500 طاهٍ وطاهية في 3 مناطق    الهلال يعلنها.. الأمير الوليد بن طلال تكفل بهذه الصفقة    المفتي العام للمملكة يكلف عددًا من أعضاء هيئة كبار العلماء بالفتوى في مناطق المملكة    عقار تحصد الجائزة الذهبية في جائزة التميز العقاري 2025 لفئة التقنيات والمنصات العقارية    أكثر من 18 ألف جولة رقابية على المساجد والجوامع خلال يناير    نائب أمير نجران يلتقي قائد حرس الحدود المعيَّن حديثًا بالمنطقة    أمير نجران يتسلَّم التقرير السنوي لفرع المركز الوطني لتنمية الغطاء النباتي ومكافحة التصحر في المنطقة    ضبط مخالف لنظام البيئة لاستغلاله الرواسب في المدينة المنورة    إدانة عربية - إسلامية لانتهاكات «إسرائيل» لوقف إطلاق النار في غزة    أمطار رعدية على معظم مناطق المملكة    تراجع أسعار الذهب    البقاء للأقوى اقتصاديا    الرمزية وجدانية إبداعية وجماليات تعبيرية    «وعي البيئية» تحقق 14 ألف ساعة تطوعية    «كشّافات حائل».. حضورٌ وهوية    طبية مكة تسجل 260 تدخلاً منقذاً للحياة    التأمل.. توازنٌ وسكون    «أوبك بلس» تجدد تعليق زيادة الإنتاج خلال مارس    نائب أمير حائل يلتقي مجلس الغرفة التجارية    الإدارة.. المشكلة والحل    تحت رعاية خادم الحرمين الشريفين.. أمير الرياض يحضر ختام النسخة الثالثة من مهرجان خادم الحرمين الشريفين للهجن    رسميًا.. "البليهي" شبابياً حتى نهاية الموسم    القيادة تعزي رئيس كوريا في وفاة رئيس الوزراء الأسبق    القيادة تعزّي رئيس جمهورية كوريا في وفاة رئيس الوزراء الأسبق    تقارير جامعات الملك فيصل ونورة والباحة والقصيم على طاولة الشورى    تعزيز التحول الرقمي للترخيص ..«البلديات»: نقلات تنظيمية في ملف الباعة الجائلين    التحقيق مع 383 موظفاً وإيقاف127 بتهم فساد    دوريات الأفواج الأمنية بمنطقة عسير تحبط تهريب مواد مخدرة    سوريا تفكك خلية إرهابية بريف دمشق    بعد كسر حصار الدلنج.. الجيش السوداني يتقدم نحو كادقلي    آخر اتفاق نووي بين أميركا وروسيا ينتهي الخميس    «الثقافة» توقّع شراكة مع الكلية الملكية للفنون «RCA»    «الدراما» في قلب النقاش.. سردية ثرية بالرموز والدلالات    «الكينج».. أول مسلسل جاهز لرمضان    زوجان صينيان يكشفان سر 70 عاماً معاً    قط يوقع عقد عمل في شركة بالمكسيك    برنامج الاحتفاء بيوم التأسيس على طاولة أمير الرياض    انطلاق الدورة العلمية الثانية لأئمة الحرمين الشريفين    الابتسامة.. عبادة صامتة وجمال لا يشيخ    بسبب قصور الأداء.. ومهلة للتصحيح.. إيقاف 1800 وكالة عمرة خارجية    السوق المالية تستقبل الاستثمارات المباشرة للأجانب    طفلة في الخامسة تعاني من الخرف    الموسيقى تخفف الألم طبيعيا    6600 مستفيد في نور نجران    %53 من المسنات السعوديات يعانين ضغط الدم    لماذا يرهقنا الشتاء نفسيا    يناير الماضي.. التحقيق مع 383 متورطا في قضايا فساد    إدانة عربية وإسلامية لانتهاكات إسرائيل المتكررة لوقف إطلاق النار في غزة    «الشؤون الإسلامية» تطلق الدورة التأهيلية الرابعة للدعاة    نائب أمير جازان يلتقي مشايخ وأهالي محافظة العيدابي    نائب أمير تبوك يستقبل قائد حرس الحدود بالمنطقة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



... عن حقوق الانسان والديموقراطية
نشر في الحياة يوم 13 - 01 - 1998

ترتبط حقوق الانسان مع الديموقراطية بأكثر من وشيجة. فهما معاً مكونان أساسيان للفكر السياسي للحداثة. وذلك من حيث انهما معاً في سياق الانتقال من ارتكاز السلطة ونظام الحكم على أساس الشرعية التقليدية القائمة على حماية تراث الأجداد وحراسة الماضي، والسهر على التقليد والتراث، الى ارتكازها على معايير التمثيلية الشعبية، واستناد السيادة الى الشعب واستمداد مشروعية الحكم من هذه التمثيلية ذاتها.
أولاً: حقوق الانسان والديموقراطىة مقولتان سياسيتان تتكاملان من حيث انهما نواتان مركزيتان للحداثة السياسية، ومن حيث انهما اداتان لتحقيق التحديث السياسي، أي اداتان لنقل أسلوب الحكم من الشرعية التقليدية الى الشرعية التمثيلية.
الديموقراطية ثقافة سياسية حدثية كاملة، تتضمن تصوراً محدداً للسلطة وللعلاقة بين المجتمع والدولة. العلاقة بين الدولة والمجتمع هي علاقة تمثيلية مبنية على التعاقد. والمؤسسات المتولدة عن هذه التمثيليلة المعبر عنها عن طريق الاقتراع العلني المباشر، وذلك باعتبار ان الشعب في التصور الحديث للسياسة، هو مصدر كل السلط ومعيار شرعيتها ومرجعها الأسمى.
وفي هذا السياق تندرج ثقافة حقوق الانسان، وخصاة منها الحقوق السياسية التي تجسدها الحريات العامة كحرية التعبير، والانتماء، والتصويت، والترشيح. فهذه الحقوق/ الحريات هي بمثابة مكملات للشرط الديموقراطي لضمان تمثيلية اكثر شفافية لمطامح ورغبات المجتمع وارداته.
ثانياً: وفي مستوى ثان نلاحظ ان كلاً من الديموقراطية وحقوق الانسان تستهدفان وضع حد للسلطة، وخاصة لدى الاتجاهات الليبيرالية ترى ان الوظيفة الأولى لحقوق الانسان هي الحد من سلطة الدولة. فمنظومة حقوق الانسان هي منظومة الحقوق الفردية التي لا يجوز لأية سلطة سياسية ان تسلبها أو تستولي عليها، أو تؤجل تنفيذها تحت أي شعار كان. كما ان الآليات الديموقراطية، هي ف العمق آليات مراقبة للاداء السياسي للسلطة، وحدّ من تسلطها. لدرجة يمكن معها القول بأن الديموقراطية هي تأسيس للسلطة وارساء لها على أساس التمثيية الشعبية كما انها في الوقت نفسه تأسيس لسلطة مضادة للمراقبة والمحاسبة. ومن حيث ان الدولة الحديثة عتحكم استفادتها من وسائل التطور التقني هي دولة مركزية وميالة الى تضخيم سلطتها والى الهيمنة على أوصال المجتمع، فإن كلاً من الديموقراطية وحقوق الانسان منظومتان ثقافيتان ومؤسستان يمكن ان تقوما بدور السلط المضادة التي تحد من تضخم السلطة وابتلاعها للمجتمع. فهما في الوقت الذي يعتبران ركنين أساسيين لاقامة وانشاء السلطة بمعناها الحديث، يقومان بانشاء الآليات والمؤسسات والقيم السياية المضادة القادرة على الحد من توسعها وانتشارها.
الوسائد التي تستعملها الديموقراطية لمراقبة السلطة التنفيذية هي الفصل بين السلط، بل الحرص على استقلال بعضها عن البعض، وتوازنها فيما بينها بحيث لا تطغى احداها على الأخرى، وبخاصة منها السلطة التنفيذية التي يتولاها دوماً ميل الى استلحاق وابتلاع السلط الأخرى.
الديموقراطية بهذا المعنى هي الترياق المؤسس ضد أية نزعة سلطوية كليانية. ومن ميزاتها كذلك انها آلية مؤسسية ترفض ارساء السلطة على أساس ايديولوجي ديني أو دنيوي. فالمعيار الأساسي الوحيد هو التمثيلية اما ربط الديموقراطية بشعارات ايديولوجية دينية أو د.نيوية تحقيق الوطنية الدفاع عن القومية، محاربة الاستعمار… فيبدو مناقضاً لطبيعة الديموقراطية ذاتها لأن هذه الشعارات السياسية الايديولوجية كانت في الأغلب الأعم مبررات لممارسة القمع، وسلب حقوق المواطنين كانت في الأغلب الأعم مبررات لممارسة القمع، وسلب حقوق المواطنين وممارسة حكم كلياني بدعوى تحقيق أهداف سامية وطنية أو قومية أو اشتراكية أو أخلاقية أو دينية أو غيرها. يصطلح على الديموقراطية بهذا المعنى انها مجرد مسطرة Procedure واجراء لممارسة السلطة.
تفترض كل من الديموقراطية وحقوق الانسان نوعاً من التعارض بين الدولة والمجتمت. فالديموقراطية تأسيس للسلطة وحماية للمجتمع في الوقت نفسه: تأسيس للسلطة على أساس تمثيلي ععاقدي، وحد من ميلها الى التضخم عبر تقسيم السلط، والفصل بينها، وتنصيب بعضها لمراقبة البعض، وتزويد المجتمع بمؤسسات وآليات وثقافة لممارسة مهمة المراقبة والضبط.
حقوق الانسان هي ايضاً سند للديموقراطية أي لأسلوب عصري في الحكم، لكنها في الوقت نفسه تتضمن قيماً وتفترض آليات ومؤسسات تستهدف حماية الحقوق الفردية والجماعية ضد أي تهديد من طرف الدولة نفسها.
ثالثاً: الديموقراطية وحقوق الانسان هما العنصران الأساسيان المشكلان لما يسمى دولة الحق والقانون. فهذه هي دولة الحق ودولة الديموقراطية. ان دولة الحق والقانون هي دولة القانون أي دولة السلطة والنظام، لكنها أيضاً دولة الحريات العامة، دولة التوازن بين الواجبات التي يفرضها القانون والحقوق التي يفرضها الحق.
وبالملموس فإن دولة الحق والقانون هي النظام السياسي الذي يقوم على رسم حدود سلطة الدولة، لكنها تقوم في الوقت نفسه بالسهر على حقوق الأفراد وتلتزم بضمانها وحمايتها، كما تقوم على احترام كرامتهم وتحميهم من كل أشكال الظلم والعنف وكل ما يتهدد حرياتهم وحقوقهم. ويعود نشوء مفهوم دولة الحق والقانون الى القرن السادس عشر وقد أسهم في بلورته كل بودان وهوبس ومونتسكيو ولوك اذ حلل كل من هوبس ولوك الدول الحديثة باعتبارها دولة ضامنة للحقوق والحريات الفردية. كما ان فكرة الفصل بين السلط الذي يعود جذوره الى فلسفة الأنوار قد وجد معبراً عنه ومنظراً له في شخص مونتسكيو.
دولة الحق والقانون هي الدولة التي ترتكز على أربعة عناصر:
1 - سيادة القانون بالبنسبة لكل الأفراد والفئات والهيئات والقطاعات بشكل لا يستثني ولا يميز أي طرف مع ما يلزم عنه من اقرار لسلطة الدولة وهيبتها ومكانتها كتجسيد للادارة العامة للمجتمع.
2 - ضمان وحماية الحقوق الفردية والجماعية وتوفير الوسائل والمؤسسات القانونية التي تضمن هذه الحقوق وتنصفها في حال المساس بها. واذا كان العنصر الأول لدولة الحق والقانون قائماً على الآلية الديموقراطية فإن العنصر الثاني مستمد من مدونة حقوق الانسان كتشريع ضامن للحقوق الأساسية للأفراد.
3 - اقرار الفصل الفعلي بين السلط، وبخاصة تزويد السلطتين القضائية والتشريعية بسلط فعلية تمكن أولاهما من ان تصبح حكماً ساهراً على القانون وقادراً على تطبيقه، وفض النزاعات حوله، وتمكن السلطة الثانية من ان تتخلص بدورها من هيمنة السلطة التنفيذية التي تميل بحكم الوسائل الرهيبة التي تمتلكها الى الهيمنة على السلط الأخرى والتحكم فيها واستلحاقها بها.
4 - توزيع السلط، اذا كان المقصود بفصل السلط هو توزيع السلطة افقياً بين ثلاثة أجسام كبرى فإن المقصود بتوزيع السلطة هو تقسيطها بشكل عمودي يحول دون تمركزها في الأعلى وانعدامها في أسفل السلم. فكل توزيع للسلطة أفقياً وعمودياً هو محاولة للحيلولة دون احتكار السلطة أو مركزتها بشكل يسيئ الى الاداء الديموقراطي والحقوقي للدولة. وبذلك تصبح دولة الحق والقانون هي النقيض الكامل للدولة البوليسية.
رابعاً: اتخذت مقولتا حقوق الانسان والديموقراطية في العقود الأخيرة صورة يوتوبيا خلاصية أخذت تحل تدريجياً، محل اليوتوبيات التي ازدهرت في منتصف هذا القرن كالوحدة، والاشتراكية. الا ان الديموقراطية وحقوق الانسان تختلف عن اليوتوبيات السياسية السابقة من حيث انها قابلة للتطبيق. فهي ليست حلماً استبدالياً للواقع القائم بقدر ما هي اسلوب لتدبيره وتسييره. فهي لا تنكر أو تتنكر للواقع السياسي القائم، ولا تطالب باستبداله كلياً، بل فقط اعادة تشغيل ما هو موجود في اتجاه معين ومعنى جديدين. انها يوتوبيات واقعية، براغماتية، اجرائية وأساطير سياسية غير مفارقة.
لكن واقعيتهما، وقابليتهما للتطبيق لا تحميها من الاستثمارات الوجدانية والاستيهامات السيكولوجية التي تمارسها عليها النخب والجماهير معاً.
الا ان هذه الاستثمارات والاستيهامات لا يمكن ان تلغي الطابع البراغماتي، العملي والاجرائي لكل من الديموقراطية وحقوق الانسان التي تظل تشكل نواة الفكر والتنظيم السياسي الحديث.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.