كان الجميع أمام درس حي لما يمكن أن تصنعه الدوائر الضيقة حول الحاكم، إذ تنقل له صورة معاكسة عن نبض الشارع، فتصور له الحق باطلاً والباطل حقاً، وتمنع عنه صرخات المظلومين وأنات المكلومين، وعندما تحين «ساعة معرفة الحقيقة» يكون الوقت متأخراً جداً. تذكرت ذلك وأنا أرى التاريخ يُعيد نفسه من جديد أثناء إلقاء الرئيس التونسي السابق لخطابه الأخير، فقد قال للشعب بنبرة تبدو صادقة «أنا فهمتكم» وكررها مراراً، ولم يكن يدرك أنه فهمهم في التوقيت الخاطئ. لا يمكن لإنسان أن يضحي بحياته إلا إذا ضاقت به السبل، وعندما فعل «محمد بوعزيزي» ذلك قال كثيرون إنه سيكون «روزا بارك تونس»، وقد كان! ومثلما كانت انتفاضة السيدة بارك هي الشرارة التي حررت الإنسان الأسود من العبودية والمهانة، اللتين جثمتا على صدره لقرون عدة، وتوجت بانتخاب أول رئيس أسود في تاريخ العالم الغربي، فإن مقتل هذا الشاب التونسي أسقطت حكومة بلده بأسرع مما تصور الجميع. إن معضلة بعض الحكام في الأنظمة الشمولية أنهم يحيطون أنفسهم بمن يجيد فنون المديح والمباركة، أما الناصح الأمين فإنه «مشاغب» يجب الابتعاد عنه والحذر منه، مع أن الصنف الأول يعمل لمصالحه فقط ومستعد أن يتحالف في اليوم التالي مع الحاكم الجديد، ولكنها «سنة» لم ولن تتغير! ولو رجعنا إلى التاريخ - قديمه وحديثه - لوجدنا أمثلة شبيهة لما حدث في تونس، فلا تزال إيران ورومانيا وتشيكوسلوفاكيا حاضرة في الذاكرة، أما التاريخ البعيد فإن السيّر تروي ما حدث للدولة الأموية وبعدها العباسية اللتين سقطتا، لأن الخليفة لم يكن يعلم بما تفعله الدائرة الضيقة من حوله من ظلم للناس وانتهاك لحقوقهم، ولنا أن نقيس على هذا ما حصل لدول وممالك كثيرة على مر التاريخ. إن المتابع للحراك الاجتماعي في كثير من بلاد العالم الثالث يلحظ أن هناك انتهاكات واضحة لحقوق الناس، وانتشاراً غير مسبوق للفساد، ممثلاً في الرشوة وسرقة المال العام من «الدوائر الضيقة» المحيطة بالحاكم، وعلى رغم الحديث عن ذلك علناً وفي وسائل إعلام رسمية - أحياناً - إلا أن هناك صمتاً مطبقاً لدى من يهمهم الأمر، ما يجعل من يرتكب مثل هذه الموبقات يتمادى في فساده ويشجع غيره على ذات السلوك في دائرة لا تنتهي إلا بكارثة لا تبقي ولا تذر. إن الحاكم الحصيف هو الذي «يفهم» ما يريد الناس في الوقت المناسب، وغالباً فإنهم لا يريدون إلا حياة كريمة تحترم من خلالها إنسانيتهم وتحفظ حقوقهم، وهذا ليس بالمطلب العسير. يقول المفكر علي الوردي: «إن شعور الإنسان بالظلم أسوأ من الظلم نفسه»، فعندما يعلم مواطن «معدم» أن زواج أحد الأثرياء في بلده قد كلف مئات الملايين، فإنه سيشعر بالظلم، وعندما يعلم أن ابن أحد الزعماء دفع مبلغ خمسة ملايين دولار لتتعرى له «راقصة ساقطة» لمدة نصف ساعة، فإنه سيشعر بالظلم، وحينما تتكرر مثل هذه القصص فإن الناس تكون في حال احتقان تنتظر «يائساً» ليس لديه ما يخسره، مثل «بوعزيزي تونس»، لتكسر حاجز الخوف وتقول «كفى»! خاطرة: «مضى شراع» الشاعر الكبير محمد الثبيتي بعد مسيرة طويلة من الإبداع، فهو شاعر عاش غريباً، وها هو الآن يموت غريباً، لأنه ببساطة جاء في غير زمانه كما هم الكبار دوماً، ولك الله – يا محمد - حينما قلت: «وما تيممت شمساً غير صافية ... ولا طرقت سماء غير مفتوح ... قصائدي أينما ينتابني قلقي ... ومنزلي حيثما ألقي مفاتيحي»... وها أنت ذا - يا محمد - في منزلك الجديد بعد ما عانيت الجحود والنكران على مدى عقود... تعازينا لأهلك ولمحبيك – وهم كثر - وللوطن الذي فقد رمزاً أدبياً كبيراً. [email protected]