نائب أمير الشرقية يستقبل الفائزين في مسابقة يوم الابتكار بإمارة المنطقة    الجامعة الإسلامية تطور جيلا جديدا من الطائرات دون طيار    أبها يبتعد بالصدارة و 35 هدفًا تزين الجولة 20 من دوري يلو    طالب يحقق المركز الأول في محور نجم التقديم بمسابقة "مواهب 10"    سعود بن طلال يرعى مؤتمر الأحساء للأورام    القيادة تهنئ رئيس جمهورية بوروندي بذكرى يوم الوحدة لبلاده    الكرملين: روسيا ستتعامل بمسؤولية رغم انتهاء أجل معاهدة الأسلحة مع أمريكا    تراجع حاد في أسعار الذهب والفضة والأسهم وسط ارتفاع الدولار وموجة بيع واسعة في السوق    العربية للاستثمار تُطلق هويتها المؤسسية الجديدة    فيرجن موبايل تفتتح متجرها الرئيسي في الرياض .. محطة مفصلية لمسيرة بيوند ون بالمملكة    متقاعدو ضمد ينظمون فعالية «المشي من أجل صحتك» برعاية محافظ المحافظة    المستشار الألماني يغادر الرياض    4903 زيارات رقابية تعزز حماية حقوق الإنسان    البيت الأبيض يؤكد استمرار المحادثات رغم التوتر العسكري.. طهران تحصر التفاوض مع واشنطن في «النووي»    أكد متابعة التحقيقات لمحاسبتهم.. «الرئاسي الليبي»: قتلة نجل القذافي لن يفلتوا من العقاب    أمير الرياض يستقبل سفير الكويت    جلوي بن عبدالعزيز: العمل الخيري في المملكة قائم على البذل والعطاء والتكافل    الأمن البيئي يضبط ناقل الحطب المحلي    الساعات الأخيرة في الانتقالات الشتوية تغير جلد الاتحاد    بنزيمة في أول حديث له بالقميص الأزرق: الهلال.. ريال مدريد آسيا    في ختام زيارة أردوغان.. بيان مشترك: تنسيق سعودي – تركي لتحقيق الأمن والاستقرار    16 مليار ريال مبيعات أسبوع    الجامعات تشكل أساس البناء.. الأكاديميات الإعلامية.. استثمار ينتظر الازدهار    أمير الشرقية يدشّن ويضع حجر الأساس ل321 مشروعاً تعليمياً    سلمان بن سلطان يستعرض إنجازات المخطط الإستراتيجي لإدارة النفايات    أكد المضي في تطبيق العدالة الوقائية.. وزير العدل: 43% نمواً بمنظومة تنفيذ أحكام التحكيم    الشيخ يحتفل بعقد قران يارا    لجهوده في الأخلاقيات الطبية.. حلمي يكرم كشميري    سعود بن بندر: تطوير التعليم أولوية وطنية    الإعلام الرسمي.. من الإبلاغ إلى صناعة التأثير    تهيئة بيئة تعليمية حاضنة ومحفزة للابتكار.. 40 دولة تشارك في مؤتمر «الموهبة والإبداع»    10 جهات وأعمال وشخصيات فائزة ضمن المسارات المختلفة.. وزير الإعلام يتوج الفائزين بجائزة السعودية للإعلام    جامعة الملك سعود تنظم ملتقى الأوقاف والتعليم    أكثر من مليوني معتمر استفادوا من خدمة التحلل مجانًا    كاتس: سنفكك حماس ونقضي على قدراتها.. إسرائيل تربط إعمار غزة باستكمال أهداف الحرب    حياة الفهد تعود إلى الكويت لاستكمال علاجها    هندي يمشي 10 آلاف خطوة على كرسي    جناح المملكة يختتم حضوره في كتاب القاهرة    متحف البحر الأحمر يحتفي بالإرث والإبداع    زحمة الرياض والإنسان الجديد    هدف "ماني" في الرياض يحصل على جائزة الأجمل بالجولة 20 من دوري روشن    الاحتياط للسلامة    الرئيس اللبناني: لا رجوع عن سلطة القانون و حصرية السلاح    وفد من سفارة أميركا يزور الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان    تعيين فيصل الجديع مديراً تنفيذياً إقليمياً ل LIV Golf في السعودية    تعال إلى حيث النكهة    سراب الشفاء في ليلة وضحاها..    اللسانيات الأمنية قوة الردع الإستراتيجي لتفكيك الإرجاف    السعودية في وجدان كل يمني    عسى أموركم تمام والزوار مرتاحين    أمير منطقة جازان وسمو نائبه يعزّيان عريفة قبيلة السادة النعامية بالعالية في وفاة والدته    الحُمدي يشكر القيادة بمناسبة ترقيته للمرتبة الرابعة عشرة بالرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء    السعودية وتركيا تؤكدان تعميق الشراكة الاستراتيجية وتوسيع التعاون الاقتصادي    تحت رعاية الأمير عبدالعزيز بن سعود.. مدير الأمن العام يشهد تخريج الدورة التأهيلية للفرد الأساسي للمجندات الدفعة ال (8) بمعهد التدريب النسوي    اللواء الركن ساهر الحربي يرأس الاجتماع السنوي الخامس لقيادات القوات الخاصة للأمن البيئي بمنطقة حائل    البصيلي مفوضًا للإفتاء بمنطقتي عسير وجازان    نائب أمير جازان يعزي شيخ شمل السادة الخلاوية وتوابعها في وفاة والده    المملكة تعزي شعب الكونغو جراء انهيار منجم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



رحلة أدولفو ريفادينيرا من سيلان إلى دمشق
نشر في الحياة يوم 30 - 05 - 2017

حاول المستشرق الإسباني أدولفو ريفادينيرا، في كتابه «من سيلان إلى دمشق» (ترجمة صالح علماني- دار المدى)؛ أن يقدم عملاً ينتهج الواقعية في رصد مشاهداته في الشرق بعيداً عن مبالغات بعض الرحالة: «هدفي هو وصف ما رأيت؛ وقد كنت أكتب في أثناء سيري، وجسدي منهك في معظم الأحيان، وروحي ساهية على الدوام. ولم يُتح لي كذلك القيام بعمل يتطلب تأملات مطولة، بل قدرت أنه من الأفضل أن ألتزم، في هذه الحالة، بالقول العربي المأثور أفضل وصف يُروى هو ذاك الذي يجعل من الأذن عيناً». في المقدمة التي كتبها المستشرق مارتن أسوير؛ بناءً على طلب المترجم؛ تم تصوير الأجواء التاريخية للفترة الزمنية التي سبقت وتلت قيام أدولفو ريفادينيرا بتلك الرحلة التي بدأت من بومباي في أيار (مايو) عام 1869، حتى وصل إلى دمشق في آب (أغسطس) من العام نفسه، مروراً بالبصرة وبغداد، وآثار بابل، إلى الموصل، وصولاً إلى ديار بكر، مواصلاً الرحلة حتى حلب ودمشق. عرض أسوير للحوادث التي دعت إسبانيا للاهتمام بهذه المنطقة، والطريقة الجديدة التي انتهجها الرحالة الإسبان بعيداً من أسلوب نظرائهم الفرنسيين وغيرهم. يصف أدولفو ريفادينيرا مشاعره، وكأنه يتذكر جذوره في الأندلس: «عندما أسمعهم يتكلمون العربية أشعر أنها كاللغة الإسبانية».
تتميز يوميات هذا الرحالة بالتوازن، وعدم المبالغة في تصوير الشرق، فقد حرص على وصف تفاصيل الرحلة بدقة، وتحدث عن الشعوب والحضارات التي سكنت تلك المدن التي مرَّ بها، وما بقي فيها من آثار ومعالم حضارية. توقف أمام آثار بابل ونينوى، ووصف الأزياء التي يرتديها الناس الذين مر بهم، والفقر والحرمان اللذين يعيشهما الأهالي بسبب نظام الجباية الذي مارسته الحكومة العثمانية. كان كذلك حريصاً على رصد حركة الأسواق والأسعار، والبضائع المعروضة والمنتجة محلياً، وما يستورد في هذه المدينة أو تلك. إنها قراءة سوسيولوجية للمجتمع العربي في تلك المدن في هذا الزمن المبكر، فقد قام الكاتب برصد دقيق للعادات التي تميز كل مدينة عن الأخرى، وقام بقراءة سوسيوثقافية لمكونات المجتمعات العربية، وكشف عن دور الإثنيات الدينية والعرقية في تشكيل وعي الناس فيها. وسهلت معرفته للغة العربية التواصل مع هذه الأخلاط من الشعوب التي سكنت هذه المدن، فقدم قراءة أنثربولوجية محاولاً الكشف عن الوعي الجمعي. من البصرة تنطلق الرحلة نحو بغداد، فتصف مناطق الأهوار: «بدأنا نقطع منتصف شط العرب الهادئ والغزير الذي يمتد كمرآة تحت أقدامنا»، ويضيف: «إلى يمين الضفتين ويسارهما، وعند مستوى سطح الماء بالذات، تمتد سهول لمئات الفراسخ المربعة، لا تتخللها أصغر أكمة، ولا أدنى تموّج، فالأرض في كل الجهات تمتد مستوية، وتشكل سهلاً بالغ الاستواء، حتى ليمكن تسميته بحق بحراً من اليابسة، ويمكن الخصوبة فيه أن تفوق الوصف».
وبعد أن يقضي المؤلف أياماً عدة في بغداد، يذهب في قافلة برية باتجاه كردستان، إذ يتوقف، أولاً، في مدينة كركوك التي تقع، كما يقول «في واد خصيب بديع. الخضرة تغطي الأرض أينما اتجهت، والوديان تنسجم مع الجبال، والماء يجري كأنه خيوط فضة». ويلاحظ ريفادينيرا أن قلعة كركوك الشامخة تشير إلى قِدَم المدينة التي يقدّر عدد سكانها بنحو عشرين ألفاً، وهم من الأكراد والترك والكلدانيين.
ومن كركوك يذهب المؤلف إلى أربيل، ومنها إلى الموصل حيث يتحدث، بإسهاب، عن أتباع الطائفة الإيزيدية الذين ينتشرون في نواحي الموصل، وجبل سنجار وسواها من مناطق كردستان. من الموصل تمضي الرحلة نحو زاخو، وهي «قرية من ألفي نسمة، يعيش فيها عبرانيون وأكراد، مستقرة بلطف بين ذراعي نهر يمضي ليصب في دجلة، وفيها مراع وفيرة في السهول التي تمتد لأربعة فراسخ، عند سفوح سلسلة جبال جودي. ويقطن تلك المناطق، حتى بحيرة وان، أكراد مستقلون عن الحكومة، إنْ لم يكن حقوقياً، فعملياً على الأقل». مدينة ديار بكر هي محطة رئيسة في الرحلة، يصفها ريفادينيرا بلغة شعرية: «تظهر للعيان في الأرض المتماوجة بساتين وجنائن، ومروج عشب وفيرة، تسحب من أرض مكورة وعميقة رحيق حياة متألقة. برودة صباح بلا غيوم، وجو انقشعت منه أبخرته، يحولان السماء الزرقاء إلى قماشة مشدودة أشبه بلوحة بالغة التشويق والتنوع، وتسكب في فيض من السعادة والفضول والأمل».
ومن ديار بكر، وقبل أن تنتهي الرحلة في دمشق، يتوجه المؤلف إلى حلب حيث يشاهد مئات المآذن، وقباب الحمامات. ويزيد في الوصف، قائلاً: «تنتشر المدينة حول قلعة حلب وتتألف بيوتها من طابقين، وهي مشيّدة من حجر جيد. أسواقها فسيحة، ومسقوفة بالخشب أو القباب، وشوارعها عريضة، ونظيفة، ومستقيمة. يروي المدينة نهر قويق، ويؤمن ساكنوها ببعض الخرافات مثل الإصابة بالعين، ويحتمون منها بالطلاسم، وهناك بيوت لا وجود لمَن يقبل السكن فيها خوفاً من الأشباح والعفاريت. عدد سكانها نحو مئة ألف بين مسلم ومسيحي ويهودي». إنها لمحة طويلة التي قدمها لمدينة حلب كاشفاً عن تاريخها القديم والتقسيم الأنثربولوجي لسكانها وتوزيعهم الديني، وعلاقاتهم التجارية.
يمثل الفصل الذي توقف فيه أمام مدينة دمشق، ليصف أسواقها وقلاعها وأسوارها أكثر الفصول متعة، ويظهر فيه الإعجاب الشديد بالمدينة التي سبق وأقام فيها قبل عامين من تاريخ رحلته تلك. يحرص الكاتب على زيارة مدينة تدمر، يستطلع آثارها ويقدم في وصف دقيق قياسات لطول المعابد وعرضها والأعمدة وكذلك القلعة، ويتحدث عن الإهمال الذي تعانيه هذه الآثار، مشيراً إلى بعض اللفائف المستخدمة في التحنيط، التي يشبهها بتلك الموجودة في الحضارة المصرية القديمة، علماً أنه زار مصر قبل عام من رحلته إلى دمشق.
كما يتوقف في تدمر أمام الحجارة التي تحمل كتابات بلغات عدة؛ منها التدمرية واليونانية والرومانية والهيروغليفية، مشيراً إلى أن الشعب الذي أخذ من المصريين ديانتهم، ومن الفرس عاداتهم، ومن الإغريق مؤسساتهم وفنونهم، وتواصل باستمرار مع الجميع؛ لا بد من أن يكون شعباً عظيماً.
ينهي رحلته بخطاب إلى أحد الرحالة الأكاديميين الإسبان يصف له آثار تدمر بدقة حتى يتصور القارئ أن هدف الرحلة الأساسي هو ذلك الرصد التاريخي والحضاري لتلك المدينة العريقة. تستغرق رسالته إلى إدواردو سابيدرا 18 صفحة، وينهي بها الكتاب مستعرضاً تأثيرات الحضارة المصرية القديمة على الحضارة التدمرية. ونفهم من الرسالة أن سابيدرا؛ رافقه في رحلته إلى مصر: «هل تذكر عندما اصطحبتك إلى مصر العليا، ورأينا معاً تلك الأوابد الضخمة العجيبة، واحدة فواحدة، حيث تمضي جرأة الفكرة وصرامتها جنباً إلى جنب مع إفراط استثنائي في دقة العمل وكماله، ظننت أنني فقدت بعدها الحماسة لرؤية نُصب وأوابد أي عصر أو شعب آخر، ولكن ذلك لم يحدث لحسن الحظ، لأن تنوع الفن لا حدود له، وأينما يظهر تنكشف مرحلة من الزمن والمجتمع... هنا في تدمر أوابد عجيبة أيضاً».


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.