أمير جازان يعزي أسرة المحنشي    حبيبي راح    أمير الشرقية يطّلع على مشروعات حماية البيئات البحرية.. ويستقبل مجلس «سقياهم»    اجتماع أوبك+ اليوم.. توقعات ترجح عدم تغير سياستها الإنتاجية    توقيع 12 اتفاقية نوعية ترسّخ ريادة المملكة في إنتاج وتصنيع التمور    تطوير «الهدية».. تعزيز الغطاء النباتي    الاحتلال قتل 130 طفلاً و54 امرأة منذ وقف إطلاق النار بغزة    الربيعة: تنمية العمل الإغاثي على أُسس سليمة وقواعد راسخة    كراكاس تندد ب «تهديد استعماري» بعد اعتبار ترامب مجال فنزويلا الجوي مغلقاً    رباعيات «الزعيم» و«العميد» تقودهما لنصف نهائي كأس الملك    ليوناردو.. ماكينة أهداف لا تتوقف في الهلال    الأخضر يتدرب في الدوحة    القبض على سارقي مواشٍ بالطائف    تركي آل الشيخ يترأس مؤتمر الموسيقى العربية في الرياض    «نور الرياض».. خمس سنوات من الإبداع والتحوّل العالمي    حماية النشء في منصات التواصل    ثقافة الاعتذار    إنقاذ شاب أصيب أثناء ركوب الخيل    تجمع الرياض الصحي الأول يعزّز جاهزية الرعاية الصحية في معرض الطيران    3.36% تراجع أسبوعي لتداول    جدة تختتم منافسات الجولة الرابعة من بطولة العالم لسباقات الزوارق السريعة الفورمولا1    50 مركبة تعبر منافذ المملكة كل دقيقة    عودة 7 ملايين طالب وطالبة إلى مقاعد الدراسة بعد إجازة الخريف    الفضة يسابق الذهب ويرتفع 30%    القنفذة الأقل ب4 أطباء نفسيين فقط    موجة انتقادات متجددة لShein    الإمارات تجهز العالمي    أفريقيا تعلق عضوية غينيا بيساو    الفرنسي "سيباستيان أوجيه" يخطف لقب بطولة العالم للراليات في جدة    القبض على 7 يمنيين في جازان لتهريبهم (120) كجم "قات"    دوري يلو 10.. ديربي حائل "حبايب" في جولة التعادلات    الكشف عن تفاصيل عقد ديميرال الجديد مع الأهلي    المملكة تعلن عن نجاح إطلاق قمرين صناعيين سعوديين    ضبط 1667 متسللا لداخل الحدود    8 آلاف مستفيد يختتمون الدورة الشرعية ال13 بجامع النجمي    حملة لتعزيز الوعي بمخاطر الإدمان    62 ألف زائر لمعرض الطيران    آل الشيخ ل الوطن: المملكة تحمل لواء الوسطية والاعتدال حول العالم    رصد سديم «رأس الحصان» في سماء النفود الكبير جنوب رفحاء    أمير حائل يدشن مستشفى حائل العام الجديد غداً الأحد ب 499 مليون ريال    مدير إقليمي وافد يعلن إسلامه متأثرا بأخلاق المجتمع السعودي والقيم الإسلامية    "صحة روح" تختتم برنامج الفحص المبكر في مركز الحقو    تعليم عسير يعتمد التوقيت الزمني الجديد لمدارس قطاع تهامة    التجييش الناعم والخطر الصامت    80 ألف زائر لكأس نادي الصقور 2025 بالشرقية    من الشرق إلى الغرب واثق الخطى يمشي.. «محمد»        أمانة جازان تنفّذ مبادرة للتشجير ضمن حملة "تطوّعك يبني مستقبل" لتعزيز جودة الحياة    حاضنة مأمني الإبداعية توقع اتفاقية تعاون مع جمعية "معًا" لإطلاق نادي إعلامي واحتضان الفرق التطوعية    نادي ثَقَات الثقافي يُكرّم صحيفة الرأي الإلكترونية    استعرضا عدداً من المبادرات والمشروعات التطويرية.. أمير المدينة والربيعة يناقشان الارتقاء بتجربة الحجاج    تشمل خمس قرى وتستمر لعدة أيام.. إسرائيل تطلق عملية عسكرية واسعة بالضفة الغربية    إيران مستعدة للتفاوض مع واشنطن دون شروط    إتاحة التنزه بمحمية الطوقي    المكتب التنفيذي لمجلس وزراء الإعلام العرب يعقد أعمال دورته ال21    أمير تبوك يستقبل القنصل العام لجمهورية الفلبين    خالد بن سلمان يرأس وفد المملكة باجتماع مجلس الدفاع المشترك.. تعزيز التعاون العسكري والدفاعي بين دول التعاون    موسكو تطالب بجدول زمني لانسحاب الاحتلال    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



«من سيلان إلى دمشق»... الشرق في عينيّ إسباني
نشر في الحياة يوم 03 - 02 - 2009


مؤلف هذا الكتاب هو الإسباني أدولفو ريفادينيرا. ولد عام 1841 في مدينة بالبارايسو في تشيلي. كان والده أحد أبرز الناشرين في القرن التاسع عشر، وكان غادر بلاده إسبانيا إلى أميركا اللاتينية لينجز مغامرة نشر في ميدان الصحافة، فولد الابن هناك. تلقى ريفادينيرا دراسته في عدد من البلدان الأوروبية، وتعلم لغات بينها اللاتينية والعربية والفارسية. بدأ مسيرته الديبلوماسية بالتوجه إلى شرقي المتوسط، إذ شغل مناصب في بيروت والقدس وسيلان ودمشق، وبلاد فارس وغيرها من المناطق، وتوفي في مدريد عام 1882 في الأربعين من العمر. جمع ريفادينيرا بين تمثيل مصالح بلاده، وتأليف كتب أدب الرحلات، كما هو الحال بالنسبة الى كتاب من «سيلان إلى دمشق» الذي صدر للمرة الأولى عام 1871. توالت طبعاته في لغات عدة، إلى أن قام المترجم صالح علماني أخيراً بترجمته إلى اللغة العربية، وصدر عن دار المدى (دمشق - 2009) ضمن سلسلة «البحث عن الشرق». منذ قرون، لم يغب الشرق عن اهتمامات المستشرقين، والرحالة، والديبلوماسيين، والكتّاب، والباحثين عن المغامرة. فالشرق، وهو منطقة جغرافية شاسعة تمتد من البحر المتوسط إلى أقاصي آسيا، شكّل الوجهة المفضلة للراغبين في رؤية المفارقات، والتناقضات. والواقع أن هذا الشرق لم يبتعد كثيراً مما سطّره الرحالة في كتاباتهم عنه، فهو مسرح للأعراق، والقبائل، واللغات، والتقاليد، والطقوس الغريبة... وريفادينيرا واحد من أولئك المغامرين الذين دفعهم الفضول، وحب الاستطلاع نحو ارتياد تلك الأماكن المجهولة، وغير المألوفة. تبدأ رحلة الديبلوماسي الإسباني، بحسب ما يرويه في كتابه هذا، من مدينة بومباي الهندية، وتقف في مدينة كراتشي، ثم تمضي الرحلة نحو الخليج العربي، أو خليج فارس حيث تقف السفينة البخارية في موانئ عدة مثل مسقط وبندر عباس وبوشهر وصولاً إلى البصرة. في هذه المدينة تسترعي انتباه المؤلف «كثرة الدور المهدمة، ومظهر السكان العليل والمكفهر»، ويشير المؤلف إلى «قلة نظافة المدينة لعدم وجود نظام للصرف الصحي»، ويلاحظ أن «تجارة مدينة البصرة تتمثل في التمر، والعبيد»، إذ يقول: «رأيت على أشجار النخيل الكثيرة، الكثير من قطوف التمر الناضجة واليابسة»، لافتاً إلى أن «تجارة الرقيق ما زالت متواصلة، هنا، في شكل مكشوف». من البصرة تنطلق الرحلة نحو بغداد، وعلى رغم عدم ذكر المؤلف لمصطلح «الأهوار»، الذي يُطلق على مساحات اليابسة الواسعة المغطاة بمياه دجلة والفرات قبل مصبهما في الخليج، إلا أن الوصف الذي يذكره ريفادينيرا يشير إلى انه يقصد الأهوار. يقول: «بدأنا نقطع منتصف شط العرب الهادئ والغزير الذي يمتد كمرآة تحت أقدامنا»، ثم يضيف: «إلى يمين الضفتين ويسارهما، وعند مستوى سطح الماء بالذات، تمتد سهول لمئات الفراسخ المربعة، لا تتخللها أصغر أكمة، ولا أدنى تموّج، فالأرض في كل الجهات تمتد مستوية، وتشكل سهلاً بالغ الاستواء، حتى ليمكن تسميته بحق بحراً من اليابسة، ويمكن الخصوبة فيه أن تفوق الوصف». وبعد ان يمضي المؤلف أياماً عدة في بغداد، يذهب في قافلة برية باتجاه كردستان، إذ يتوقف، أولاً، في مدينة كركوك التي تقع، كما يقول، «في واد خصيب بديع. الخضرة تغطي الأرض أينما اتجهت، والوديان تنسجم مع الجبال، والماء يجري كأنه خيوط فضة»، ويلاحظ ريفادينيرا أن قلعة كركوك الشامخة تشير إلى قِدَم المدينة التي يقدّر المؤلف عدد سكانها بنحو عشرين ألفاً، وهم من «الأكراد، والترك، والكلدانيين»، من دون أن يذكر العرب، وهو أمر لافت بالنظر إلى السجال الدائر، الآن، حول هوية هذه المدينة. ومن كركوك يذهب المؤلف إلى أربيل، ومنها إلى الموصل حيث يتحدث، بإسهاب، عمن يسميهم ب «عبدة الشيطان»، وهو يقصد أتباع الطائفة الأزيدية الذين ينتشرون في نواحي الموصل، وجبل سنجار وسواها من مناطق كردستان... من الموصل تمضي الرحلة نحو زاخو، وهي «قرية من ألفي نسمة، يعيش فيها عبرانيون وأكراد، مستقرة بلطف بين ذراعي نهر يمضي ليصب في دجلة، وفيها مراع وفيرة في السهول التي تمتد لأربعة فراسخ، عند سفوح سلسلة جبال جودي... ويقطن تلك المناطق، حتى بحيرة وان، أكراد مستقلون عن الحكومة، إنْ لم يكن حقوقياً، فعملياً على الأقل». مدينة ديار بكر هي محطة رئيسة في الرحلة، يصفها ريفادينيرا بغنائية عذبة، إذ يقول: «تظهر للعيان في الأرض المتماوجة بساتين وجنائن، ومروج عشب وفيرة، تسحب من أرض مكورة وعميقة رحيق حياة متألقة. برودة صباح بلا غيوم، وجو انقشعت منه أبخرته، يحولان السماء الزرقاء إلى قماشة مشدودة أشبه بلوحة بالغة التشويق والتنوع، وتسكب في فيض من السعادة والفضول والأمل». ومن ديار بكر، وقبل أن تنتهي الرحلة في دمشق، يتوجه المؤلف إلى مدينة حلب حيث يشاهد «مئات المآذن، وقباب الحمامات». ويزيد في الوصف، قائلاً: «تنتشر المدينة حول القلعة (قلعة حلب) وتتألف بيوتها من طابقين، وهي مشيّدة من حجر جيد. أسواقها فسيحة، ومسقوفة بالخشب أو القباب، وشوارعها عريضة، ونظيفة، ومستقيمة. يروي المدينة نهر قويق، ويؤمن ساكنوها ببعض الخرافات مثل الإصابة بالعين، ويحتمون منها بالطلاسم، وهناك بيوت لا وجود لمن يقبل السكن فيها خوفاً من الأشباح والعفاريت. عدد سكانها نحو مئة ألف بين مسلم ومسيحي ويهودي». غريزة الكشف والتقصي هي التي تدفع ريفادينيرا إلى أن يسلك هذا الطريق الطويل بحثاً عن الجديد. وهذا الفضول، المنزّه عن أي غرض، هو الذي يتحكم في طريقة تعبيره، وأسلوب كتابته. هو يرى، الآن، ما لم يره الآخرون. يدوِّن ما غفل عنه السياح، والرحالة الذين لم يجدوا في الشرق سوى مكان لالتقاط صور تذكارية. كثيرون دوّنوا مشاهداتهم وانطباعاتهم عن هذه المنطقة، بأسلوب سياحي، سطحي، لكن ريفادينيرا نظر إلى المشهد من زاوية مغايرة، وولج عمق الظواهر، مستخلصاً حكايات مؤثرة؛ قابعة خلف المشاهد الجميلة، الآسرة في صمت الصحراء، وهدوء السهول، وعلى ضفاف الأنهار، وقمم الجبال. يكتب ريفادينيرا بأسلوب واضح، وبسيط، وهو «ينأى بنفسه عن أساليب الرحالة الرومانسيين من أمثال شاتوبريان، ولورد بايرون، ولامارتين، وغوتيه... وسواهم ممن جعلوا من شرق البحر المتوسط مكاناً خيالياً، حصيلة أحلام يقظتهم أكثر مما هو حصيلة الواقع»، كما يقول مدير معهد سرفانتس في دمشق، في مقدمته للكتاب. وهو ما يشير إليه المؤلف أيضاً، إذ يقول: «كل ما نعرفه، نحن الإسبان، عن البلدان البعيدة، علينا قراءته في كتب ألّفها أجانب، والواقع أن مؤلفاتهم تلك لا تتميز بدقتها، وتعكس، بصورة مبالغ فيها، شخصية مؤلفيها الانفعالية»، ويضيف: «هدفي هو وصف ما رأيت»، وذلك تجسيداً للقول المأثور: «أفضل وصف يُروى هو ذاك الذي يجعل من الأذن عيناً». وعلى رغم أن المؤلف يؤكد أنه دوّن مشاهداته فحسب، لكن كتابته لا تأتي كسرد بصري محايد، بل تتلون بمواقفه، وآرائه. ففي موازاة مدح بعض الشخصيات، والعادات التي تنطوي على الكرم والشجاعة والمروءة، فإن ريفادينيرا يذكر، كذلك، الجوانب السلبية، ويندد ببعض العادات السيئة التي وجدها شائعة هناك وهناك. وهو يفسر، استناداً إلى ثقافته الواسعة، طبيعة بعض المعتقدات والخرافات، ويشرح الخلفية التاريخية، الأسطورية لأسماء الأماكن، والمدن. ومع أن هذا الكتاب يندرج تحت إطار «أدب الرحلات»، لكنه يتجاوز هذا التصنيف ليكون، كذلك، كتاباً في الجغرافيا والتاريخ وعلم الاجتماع، إذ يصور الكاتب الجغرافيات التي مرت بها رحلته من مختلف الجوانب من دون أن يدعي التوثيق أو التأريخ. هو يعتمد على حدسه، وحواسه، ويكتب في شكل عفوي، لذلك جاء الكتاب في قالب قصصي، مشوّق بعيد من الأرقام والتواريخ المملة، التي قد تعوق مسار رحلة جميلة صاغ تفاصيلها قلم مرهف.

انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.