في الفيلم الإيراني «يرجى عدم الإزعاج» المشارك في المسابقة الرسمية للأفلام الطويلة في مهرجان دمشق الثامن عشر المنعقدة دورته حالياً، يرسم المخرج محسن عبد الوهاب صورة ذكية لأحوال ايران المعاصرة من خلال اتكائه على ثلاث قصص يبدو للوهلة الأولى أن لا رابط درامياً بينها، فيما نكتشف أن ثمة وحدة غير ظاهرية بين هذه القصص في حاجة إلى ربط في السرد ملقى على عاتق المشاهد. في القصة الثالثة، وهي موضوع هذه السطور، نجد أنفسنا أمام زوجين مسنين، وقد استبدت بهما الوحدة بعدما تعطل جهاز التلفزيون لديهما. وبما انه وسيلة تسليتهما الوحيدة، يستدعي ابنهما الذي يقيم مستقلاً تقنياً ليعمل على اصلاحه. لكنّ التقني لا يأتي لسبب ما في اليوم المحدد الذي انتظره فيه الفتى في بيت والديه، إنما في اليوم الذي يليه، أي في اليوم الذي لا يكون فيه الفتى موجوداً، وهنا تكمن حبكة القصة الأساسية... كيف يمكن لهذين العجوزين اللذين يعيشان في مبنى سكني مهجور، وقد تحصنا وراء بابين خارجيين، أن يدخلا هذا التقني الغريب إلى بيتهما، وهما يعانيان من «اكسينو فوبيا»، وفي الوقت ذاته يريدان اصلاح جهاز التلفزيون بغية متابعة مسلسلهما المفضل؟ تتطور أحداث القصة بالاتكاء على حوار عبثي بين السيدة العجوز والتقني عندما نكتشف أن الأخير يحمل طفلته الرضيعة معه حيثما ذهب لأن زوجته هجرتهما. يلعب وجود الطفلة دوراً مؤثراً في السماح بدخوله للبيت، إذ يرق قلب العجوز لها، فتعدّ الماء الساخن، وتعطيها وجبة من الحليب. اما زوجها فيهدد الشاب بمسدس أثري يعود لوالده، وهو معطل صدئ، لكنه يقوم بدوره على أكمل وجه، وسرعان ما يتسرب الخوف إلى قلبه. بالطبع يمكن لزوجين مسنين خائفين يحبسان أنفاسهما وراء بابين حصينين أن يعكسا صورة لحالة خاصة أو عامة، ويمكن تفسير هذه الحالة تفسيرات شتى، ربما لم يفكر فيها المخرج عبد الوهاب نفسه، وهذا كله وارد... فالسينما في بعض وجوهها تقوم على ذلك، ولطالما كانت كذلك، فالمسألة برمتها خاضعة لثقافة المتلقي نفسه، وهذا ما لا يحتاجه التلفزيون المعطل رمزياً هذه المرة في فيلم سينمائي ذكي ولمّاح. «يرجى عدم الإزعاج» يستغل التلفزيون الذي لعب دوراً كبيراً في تعزيز عزلة الإنسان المعاصر، والتأكيد على نزعة الانفصال لديه تحت مسميات مختلفة. وهو في الوقت ذاته لا يلعب أي دور في «تثمين» طمأنينة هذين العجوزين، انما يؤكد فقط ما تبقى من رغبات داخلية بالاستقواء على «الخارج» الشرير من خلال شاشة التلفزيون، ولو كان ثمن اصلاحه يتعدى ترك الطفلة الرضيعة لديهما وفرار الأب إلى سجن أكبر بعدما قبض فاتورة اصلاحه. فاتورة كانت باهظة للطرفين.