ما يربط بين العربي وشقيقه المقيم في دولة مجاورة يفوق بالتأكيد ما يربط بين الفرنسي والألماني. الانتماء العربي ولغة المتنبي وغالباً الدين. وما جرى من نزاعات بين الدول العربية المتجاورة يقل بالتأكيد عن النزاعات الدامية المدمرة التي جرت بين فرنسا وألمانيا. وعلى رغم ما يربط العربي بالعربي فإن المسافات بين الأقطار تبدو كبيرة. ولا يكفي تغيير اسم جامعة الدول العربية ليتغير الواقع العربي البائس. ولا يكفي ان نعتمد تسمية الاتحاد العربي لنعتبر اننا صرنا انداداً للاتحاد الأوروبي. اوروبا شيء مختلف في درجة تطورها السياسي والاقتصادي والاجتماعي. وفي آلية صنع القرار ودور الرأي العام ووعي المصالح المشتركة. وعلى سبيل المثال يستطيع برلسكوني وساركوزي ان يتبادلا الكراهية لكن ليس من حقهما اقفال الحدود او ترتيب انقلابات وراءها او زعزعة الاستقرار. ثم انني لا اعرف اذا كانت تجربة الاتحاد الأفريقي باهرة الى درجة الرغبة في نسخها. صحيح ان العقيد معمر القذافي صاحب ارقام قياسية في الوحدات والاتحادات لكن الصحيح ايضاً ان اسلوب العقيد ليس اقصر الطرق لترتيب البيت وترتيب حسن الجوار مع الجوار. سرني ان تكون قمة سرت اهتمت بتوسيع البيت العربي والمجاهرة بالرغبة في احتضان مزيد من الزائرين. استوقفني «القرار الداخلي» الذي طلب من رئاسة القمة والأمين العام عمرو موسى بدء الاتصالات لتطوير العلاقات مع تشاد وبحث «انضمامها» الى الجامعة العربية او بعض اجهزتها. لا اعرف ان كان انضمام تشاد سيفيدها او سيفيد العائلة العربية لكن ما اتمناه هو الا تبالغ هذه الدولة المجاورة في التوقعات والآمال. الحقيقة ان البيت العربي يواجه تحديات كبرى قد تتزايد خطورتها في السنوات القليلة المقبلة. هناك التحدي المزمن الذي يمثله الاحتلال الإسرائيلي ووجود حكومة اسرائيلية تقوم سياساتها على الاستيطان والضم وأحلام الترحيل. وهناك اضطراب الدور الأميركي في العالم والمنطقة. فالقوة العظمى الوحيدة تكاد تستحق تسمية القوة العظمى المريضة. مغامرتها العراقية انتهت بكارثة للعراق والمنطقة وتحويل العراق ملعباً للتدخلات يذكر بالملعب اللبناني. وحربها في افغانستان تنذر بما هو ادهى خصوصاً بعد انتقال الحرب الى باكستان نفسها. وإذا اضفنا الى ذلك سوء الوضع الاقتصادي وارتباك ادارة اوباما في الداخل والخارج تصبح الصورة اوضح. ارتباك اميركا في العالم يشكل فرصة للقوى الإقليمية لمحاولة تسجيل نقاط او تسديد ضربات. بوادر الانحسار الأميركي وعدم عودة اللاعب الروسي لوراثة الدور السوفياتي او جزء منه تسهل تصاعد حرب الأدوار في المنطقة وتحريك البيادق. في هذا المناخ يشهد الإقليم ما يمكن تسميته محاولة قيام دولة كبرى فيه اسمها ايران. دولة تملك اوراقاً وراء حدودها وتحلم بتغيير المنطقة او التوازنات فيها ولعلها تحلم ان تكون في النهاية الشريك الأول لأميركا في هذا الجزء من العالم في ترتيبات الأمن والاستقرار. تركيا ايضاً يراودها حلم الدولة الكبرى في الإقليم لكنها تحاول تحقيقه بالديبلوماسية والتجارة والمشاركة في حل النزاعات والبحث عن صيغ الاستقرار. هناك تحد لا يجوز تناسيه. انه التحدي الذي يطرحه تنظيم «القاعدة» سواء عبر محاولة استعادة المبادرة في العراق او التحصن في اليمن بعد الصومال مقدمة لهز ركائز الاستقرار في الجوار. لا مبالغة في القول ان محاولات ترميم البيت العربي لم ترتق بعد الى مستوى الأخطار المحدقة به. ويصعب تصور علاقات طبيعية ومتكافئة مع دول الجوار قبل قيام مثل هذه العلاقات بين الدول العربية اولاً. ان التراجع المريع في الثقل العربي في المنطقة بالغ الخطورة ويغري دول الجوار بترسيخ مواقعها داخل الخريطة العربية. وغياب الرد الملائم على هذه التحديات يضاعف انعكاسات هذا اللقاء القاتل بين معركة ملء الفراغ وتصاعد الحساسيات المذهبية والفشل الاقتصادي وتنامي خيارات التطرف واليأس.