قدر ما قدمت خبرة السياسة في المجتمعات العربية من وقائع وأحداث لم نتمنَ حدوثها بقدر ما كان هذا التاريخ بوقائعه يصلح لتحليل مدى صحة أو خطأ فرضية النظريات السياسية. فمفهوم السلطة، على سبيل المثال، في الأشكال المختلفة التي مورس بها من نخبة الحكم، كان له لون ورائحة مختلفان يتميز بهما عما هو موجود من تطبيقات في المجتمعات الأخرى، من احتكار للسلطة وعمليات استئصال للنخب السابقة وللمنافسين الحاليين. والسؤال بالتالي، ما هي العوامل التي تدفع بها هذه المجتمعات نخبتها أو طبقتها الوسطى، إن وجدت، لأن تتعايش وتخلق مثل هذه الثقافة الاستئصالية؟ إن المتتبع لنصف قرن من الحكم الوطني لمجتمعات لم تكن من قبل منعدمة التحضر قبل آلاف السنين مروراً بالحضارة الفرعونية ثم البابلية والأشورية ثم الحضارة العربية الإسلامية سواء في المشرق العربي أو في الأندلس، يجد علامات استفهام كثيرة على هذا الواقع. فقد يكون متغير الزمن هو السبب وقد يكون أننا نقيس مرحلة التخلف التي تعيشها هذه المجتمعات في فترة قصيرة قد تمتد الى جيل أو جيلين، في حين أن الانتقال من الانحدار والتخلف الى التقدم يحتاج قروناً عدة، كما تدلل على ذلك شواهد التاريخ. قد يحمل هذا التفسير جزءاً من الصحة، إلا أنه يجب ألا نغفل أن عملية التقدم عند مقارنتها بالماضي باتت مختلفة كمياً وزمنياً، فالثورة المعرفية والتكنولوجية قللت من الفترات الزمنية التي قد تنتقل فيها المجتمعات من مراحل متخلفة الى مراحل متقدمة مثل حال الدول النامية التي انتقل كثير منها من الدول المتخلفة إلى دول متقدمة في غضون عشرات السنين. ثانياً، ان الفجوة المعرفية لم تعد مثلما كانت في الماضي بل تطورت الى الدرجة التي أصبح فيها البشر بسبب الثورات التكنولوجية والمعرفية كأنهم يعيشون في مكان واحد، أي أنه حدث توحد في الزمن على رغم آلاف الأميال التي تفصل بينهم. فالرسالة الإلكترونية التي يتلقاها من هو قابع في أقصى الأرض في اللحظة نفسها التي ترسل اليه كسرت حاجز المكان وانتصر فيها الزمن على المكان. بالتالي فمعايير التقدم الماضية لا يمكن أن نطبقها على الوقت الحاضر. وثالثاً، ان المجتمعات التي نعيش فيها لا تختلف عن المجتمعات المتقدمة إلا في المضمون، أما من حيث الشكل والاستهلاك واستخدام ما أفرزته الحضارة فهي تستخدم ما يستخدمه العالم المتقدم، فأصبحت مظاهر الحضارة الحديثة التي تكتسي بها مجتمعاتنا من دون أن تمس عقولنا بمثابة السراب الخادع، ومن ثم فليست هناك مبررات لنقول إننا نحتاج إلى مئات السنين لنمر بمرحلة التحول التي تنقلنا إلى مجتمعات متقدمة. وعلى رغم ذلك مر ما يزيد على مئة سنة منذ دخولنا واندماجنا، ولو سطحياً بالحضارة الحديثة، ولم تحدث النقلة التي تشعرنا بذاتنا كمجتمعات لها كيانها العقلي والمعرفي. وهو ما ينم عن أعراض لمرض كبير متغلغل داخل مناح مختلفة. ولنأخذ مثالاً، ولتكن ممارسة السياسة في شكل السلطة السياسية في مجتمعاتنا، ليس حباً بها وإنما لكونها لعبت دوراً سواء بطريق مباشر أو غير مباشر في تنميط مجتمعاتنا لتكون من بين المجتمعات التي ليس لها عقل، وإن كانت لها ألسن وحناجر زاعقة. فما هي حكاية السلطة السياسية التي كانت سبباً للدمار أكثر من كونها سبباً للبناء، وسبباً لبث الرعب والإرهاب أكثر من أن تكون سبباً للأمن والاستقرار، وبدلاً من أن تكون الحصن المنيع لمنع العدوان كانت بمثابة البوابة التي دخل منها الأعداء ليحتلوا الأوطان؟ والأمثلة على ذلك كثيرة، إلا أن نموذج الدولة العراقية يمثل حالة واقعية للدراسة لكونها ابتليت بفرد ديكتاتور ومجتمع فرغت نخبته السياسية والثقافية وهربت لتنجو بنفسها من المشانق وتعيش مشردة خارج الوطن. وهو الأمر الذي جعل دولة بحجم العراق وبتاريخه تسقط بسهولة وفي أيام بيد الاحتلال الأميركي نظراً لهذا الخواء المجتمعي والخواء الأمني والرعب الذي ظل مزروعاً داخل المجتمع جراء ممارسة السلطة السياسية بنهج الرئيس صدام حسين وعقليته القائمة على أهمية ومحورية الزعيم الواحد وما دون ذلك فطريقه عدم الوجود. حتى النخبة الحاكمة التي جاءت بعد ذلك على ما يبدو لم تتعلم الدرس وكانت قصيرة النظر ولم تقرأ تاريخ العراق جيداً والمساوئ التي وصل إليها بأخطاء نخبته السابقة وسارت على نهجه وإن كان بعقيدة سياسية مختلفة. فرئيس الوزراء نوري المالكي الذي انتهت ولايته، دشن قبيل الانتخابات قانون اجتثاث حزب البعث، تمشياً مع ثقافة النخبة العراقية السابقة، وزاد عليها أن طعمها بفكاهة «ولاية الفقيه» ولجنة الحكماء في شكل ضمني مستتر. حتى بعد حدوث الانتخابات وظهور نتيجتها التي لم تأت بالشكل الذي رسم له الديكتاتور الجديد، كان السعي الدؤوب على مدار الأشهر الماضية لتعطيل تشكيل الحكومة والدخول في تفاعلات وتحالفات وتمر الأيام وتشكيل الحكومة معلق. والمهم مع كل هذه التفاعلات أن عمليات القتل والتفجيرات وسقوط ضحاياها لم تتوقف يوماً واحداً، فأصبح نادراً ألا نسمع انفجار سيارة ملغومة يروح ضحيتها المئات من الأبرياء الذين لا حول لهم ولا قوة، غير أن حظهم العاثر أوجدهم في المكان الذي حدث فيه التفجير. وكي يخرج العراق من هذا النفق المظلم، فإن على النخبة التي تحكم أو التي ستأتي أن تعي تماماً من خلال تاريخ العراق أن ثقافة الهدم والاقصاء كانت سبباً في عدم خلق استمرارية وبناء داخل العراق الحديث وأدت في النهاية الى الاحتلال. ثانياً: على هذه النخبة أن تنظر إلى العراق ككيان واحد وأن تتعلم من التاريخ ولا تسير على النهج السابق بتفضيل فئة على أخرى، فذلك لا يبني وطناً بقدر ما يزرع الضغائن بين المهضومة حقوقهم، ف «تشييع» السياسة العراقية في الوقت الحاضر هو في جزء منه نتيجة لسياسة الرئيس صدام حسين السلبية تجاه الشيعة. وما يلفت في الحالة العراقية هو أنها صورة مصغرة لمجتمعاتنا العربية مع اختلاف الدرجة والحدة في الخطورة، فتفاعلات السياسة تكون كاشفة لأمراض كثيرة موجودة في عقلية النخبة الحاكمة ومن ثم المجتمع. فما يحدث في العراق ينطبق في شكل آخر على الفلسطينيين في الصراع ما بين «فتح» و «حماس» وانقلاب الأخيرة على الأولى بالمنطق نفسه، وهو المتمثل في الهدم والإقصاء والعمل الدؤوب من قادة «حماس» للقضاء على شرعية الماضي ومحاولة خلق شرعية دينية مرتبطة بهذه الحركة وبقادتها الجدد. من هنا، نجد أن مفهوم السلطة السياسية في ممارسته لم يقدم لنا تجربة تعبر عن التراكم والبناء أكثر من كونه قدم تجارب تقوم على عملية الهدم والإقصاء لسابقيها، باستثناء نماذج محدودة. وتفشي ثقافة الهدم والاقصاء في مقابل غياب ثقافة البناء والتداول يمكن استشعاره في نشوء ثقافة الراديكالية ليس بين القوى السياسية فقط وانما داخل الثقافة المجتمعية نفسها التي أصبحت على رغم قدرتها على التمتع بأحدث منتجات الحضارة الحديثة، إلا أن لديها القدرة على أن تحمل أفكاراً وقيماً ترجع إلى مئات السنين. وباتت قضايا ثانوية هي المتحكمة بهذه العقلية كالقضايا الدينية ممثلة في موجة من الفتاوى تتسيد المشهد الثقافي ليس بسبب سطحيتها فقط لما تتناوله من موضوعات وإنما لهذا الاهتمام والانشغال الكبير من جانب المجتمع بها، وكأن هذه الفتاوى هي الطريق الى اخراج هذه المجتمعات من الفقر والجهل والجوع ومظاهر التخلف الموجودة عليها. من هنا، فإن تبلور ثقافة الهدم في السلطة السياسية ما هو إلا تتويج لمراحل سياسية سابقة اعتلت فيها الثقافة الرجعية والراديكالية قمة الهيمنة، فلم تتولد في المقابل ثقافة قائمة على التعددية والتسامح وقبول الآخر ومن ثم تداول السلطة في شكل سلمي عبر انتخابات تتسم بالشفافية. والنتيجة أننا نعجز عن أن نشهد حالة واحدة لانتقال السلطة من نخبة إلى أخرى وسط معايير تعلي من قيمة العدالة، فالعكس هو الصحيح. * كاتب مصري