يرى اقتصاديون سعوديون أن الاستراتيجية الجديدة التي تنتهجها الحكومة السعودية وفقاً ل«التحول الوطني 2020» تتوافق تماماً مع حاجات المرحلة والمتغيرات المجتمعية، لافتين إلى أن البرنامج يسعى إلى تطوير العمل الحكومي وتأسيس البنية التحتية اللازمة لتحقيق أهداف ومضامين الرؤية الجديدة التي يتوقع أن تبصر النور في 2030 من خلال رفع كفاءة الإنفاق وتحقق التوازن المالي، وخلق شراكة مع القطاع الخاص لضمان مساهمته في الاقتصاد وتحمله تكاليف بعض البرامج التي ستوفر على الحكومة نحو 40 في المئة، إضافة إلى خلق نحو 450 ألف وظيفة في القطاعات غير الحكومية بحلول 2020. وفي هذا الصدد أشار الكاتب الاقتصادي محمد العمران إلى أنه عند الحديث عن برنامج التحول الوطني، وما تضمنته من أهداف طموحة تعتمد على التحول من اقتصاد ريعي قائم على تصدير النفط إلى اقتصاد منتج ومتنوع قائم على القطاع الخاص، يجب أن نضع في اعتبارنا أن غالبية دول العالم «وخصوصاً الدول الناشئة» سبقتنا في تنفيذ رؤى اقتصادية مشابهة لما نقوم به اليوم، بينما كنا نفتقد مثل هذا التوجه الاستراتيجي بعيد المدى لعقود من الزمن، فالصين مثلاً تنفذ الآن رؤية اقتصادية تريد أن تتحول فيها من اقتصاد قائم على التصدير إلى اقتصاد قائم على الإنفاق المحلي، وتركيا أيضاً نفذت عام 2002 برنامج «تركيا الجديدة» الذي نجحت فيه بالتحول من اقتصاد مترهل إلى اقتصاد قوي ينافس الدول الأوروبية. وقال العمران: «إن تنفيذ البرنامج الذي يحمل تفاصيل كثيرة في حاجة إلى تحويل الأصول إلى قيمة حقيقية، وهو مفهوم اقتصادي ذكي نجحت في تطبيقه أميركا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية بشكل واسع حتى أصبحت أكبر اقتصاد رأسمالي في العالم، ثم لحقتها بريطانيا في تطبيقه بعد ذلك خلال حقبة الثمانينات الميلادية إبان عهد مارغريت تاتشر لتصبح أكبر قصة نجاح يشهدها الاقتصاد البريطاني في القرن ال20». وأشار العمران إلى أن هناك أصولاً تملكها الدول لكن ليس لها أية قيمة حقيقية، ثم تقوم الدولة بتحويل هذه الأصول إلى قيمة حقيقية عبر تبني مشاريع الخصخصة بحيث تجني أرباحاً من عملية الخصخصة سواء طرح عام أم طرح خاص وتخفف العبء على الإنفاق الحكومي من خلال تحويل الإنفاق على المشاريع بحد ذاتها بعيداً عن الموازنة الحكومية، موضحاً: «على سبيل المثال الأصول التي تملكها شركة أرامكو ليس لها أية قيمة حقيقية بسبب أنها أصول مملوكة للدولة بينما لو قامت الدولة مستقبلاً بخصخصة الشركة من خلال طرحها للاكتتاب العام فإن الانعكاسات المتوقعة لهذا الطرح ستتمثل بأرباح نقدية للدولة تقدر بنحو 100 بليون دولار نتيجة بيع خمسة في المئة من أسهم الشركة، وأن النسبة المتبقية من أسهم الشركة ستصبح ذات قيمة سوقية بنحو 1,9 تريليون دولار، على أساس تقديرات من مؤسسات مالية عالمية بأن القيمة العادلة للشركة ستصل إلى 2 تريليون دولار». وأكد العمران أن الدول الناشئة تتسابق اليوم لوضع الخطط الاستراتيجية طويلة المدى، وهذا ما يجعل الدول تتسابق مع بعضها البعض في وضع الرؤى والخطط الاستراتيجية ثم العمل على تنفيذها لتحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة ضمن آلية عمل تهدف لتعزيز مستويات الإنتاج ورفع معدلات التوظيف والأهم جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي حتماً لن تأتي برؤوس أموالها وتقنياتها إلا عندما تشاهد التزاماً طويل المدى من الدول يتوافق مع رؤية وخطط المستثمرين الأجانب أنفسهم. وأضاف: «من هنا تأتي أهمية ثبات واستقرار الرؤى الاقتصادية التي تضعها الدول على نفسها لفترات زمنية طويلة تزيد في الغالب على 10 سنوات بهدف كسب ثقة المستثمرين على اعتبار أنهم سيقومون بضخ أموال طائلة، وبالتالي يكون من حقهم الطبيعي أن يكون هناك ثبات واستقرار من جانب الدول، بينما ستبرز الكارثة في حال تغيير هذه الرؤى الاقتصادية لأي سبب من الأسباب مستقبلاً وعندها ستكون التكاليف عالية جداً وغير مادية، وستكون إعادة البناء أكثر صعوبة واستهلاكاً للوقت من الهدم، ولنا في ذلك أمثلة كثيرة ومن دول عربية شقيقة مع الأسف الشديد». ولفت العمران إلى أن ما ناقشه الوزراء يحمل بعض الاختلاف عما طرح في ورش العمل السابقة، مؤكداً أن الأهم بعد وضع الأهداف هو التنفيذ وأن تكون أدوات وآليات التنفيذ تحت مراقبة مباشرة من قيادة الدولة عبر مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، ولا يترك الإشراف لمسؤولين أو موظفين قد يحيدون عن الأهداف. وفي السياق ذاته، أشار الاقتصادي فضل البوعينين إلى أن آلية إعلان برنامج التحول الوطني من خلال مؤتمر صحافي يدعى له الإعلاميون والمتخصصون ليكونوا في مواجهة مباشرة مع الوزراء لمعرفة تفاصيل البرامج واستيضاح المفاهيم غير الواضحة ومناقشة الوزراء وكأنهم في برلمان إعلامي مفتوح. وأكد البوعينين أنها استراتيجية جديدة تنتهجها الحكومة تتوافق مع حاجات المرحلة والمتغيرات المجتمعية، مع إعطاء دور أكبر للإعلام ليسهم في زيادة الشفافية ونقل المعلومة من مصادرها وتصحيح المفاهيم في وقتها، إضافة إلى ربط المجتمع بالمتغيرات الحكومية من خلال الإعلام الناقل والمحلل والمسائل للوزراء. وأضاف: «أعتقد أن الهدف الرئيس من برنامج التحول الوطني هو تطوير العمل الحكومي وتأسيس البنية التحتية اللازمة لتحقيق رؤية السعودية 2030، ومن أهم أهداف البرنامج رفع كفاءة الإنفاق وتحقق التوازن المالي، وفق برامج محددة تلتزم بها الوزارة. وخلق شراكة مع القطاع الخاص لضمان مساهمته في الاقتصاد وتحمله تكاليف بعض البرامج التي ستوفر على الحكومة نحو 40 في المئة، إضافة إلى خلق نحو 450 ألف وظيفة في القطاعات غير الحكومية بحلول 2020». وأشار البوعينين إلى أهداف أخرى للبرنامج، منها تعظيم المحتوى المحلي من خلال توطين الصناعة وهو الأكثر أهمية لتنويع مصادر الاقتصاد، وتوطين أكثر من 270 بليون ريال من المنتجات والخدمات وهو أمر مهم للغاية ويشكل تحدياً للحكومة والوزارات المعنية، مضيفاً: «أعتقد أن القطاع النفطي يشهد الحجم الأكبر من التوطين، إضافة إلى القطاع الصحي وبعض القطاعات الأخرى، وفتح قطاع الصناعات البحرية سيكون ضمن البرامج المهمة، وأعتقد أن الشراكة بين (أرامكو) وشركات عالمية بدأت بالفعل لإنشاء مجمع الصناعات البحرية في رأس الخير». وأكد أن قطاع التعدين من أهم القطاعات المستهدفة بالتطوير وزيادة الاستثمارات فيه ورفعها بشكل كبير، وأن إعطاء تراخيص استكشاف جديدة سيدعم هذا القطاع وسيعزز استثماراته ومساهمته في الناتج الإجمالي المحلي، وذلك بحسب الوزير الفالح فإن شركة معادن سيكون لها دور كبير في تفعيل هذا القطاع، إضافة إلى زيادة حجم الصادرات غير النفطية لتصل إلى ما نسبته 50 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي، مضيفاً: «يمكن أن أطلق عليه اسم (هدف القاطرة) الذي يقطر خلفه أهداف عدة، منها تنويع مصادر الاقتصاد وخلق الوظائف والفرص الاستثمارية وزيادة الناتج الإجمالي وتنويع مصادر الدخل، إذ إن تحقيق ذلك الهدف لا يمكن إنجازه إلا من خلال الصناعة التي يمكن أن تكون الخيار الاستراتيجي الأول للمملكة». ويرى البوعينين أن قطاع الصناعات التحويلية ربما يكون من القطاعات المعززة للمحتوى المحلي. وهو ما لم يذكر في البرامج، بل إنه من أهمها على الإطلاق لوجود اللقيم من الصناعات البتروكيماوية الأساسية. وعن برامج الطاقة البديلة أكد البوعينين أنها من أهم البرامج المطروحة من وزارة الطاقة، في حين ستتركز كثير من أعين المستثمرين عليها، إذ تهدف لرفع حجم الطاقة المنتجة من الكهرباء من مصادر بديلة هو ما تحتاج إليه المملكة اليوم، فقط نحتاج إلى الدفع السريع نحو تحقيق هذا الهدف الاستراتيجي الذي سيسهم في تحقيق أمن الطاقة، ويخفض استهلاك النفط محلياً، ويساعد في حماية البيئة من الملوثات، مضيفاً: «ومن المهم الإشارة إلى دور وزارة التجارة والاستثمار التي تهدف من خلال برامجها لرفع نسبة مساهمة المنشآت الصغيرة والمتوسطة من الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي من 33 في المئة إلى 35 في المئة، ومن الناتج المحلي الإجمالي من 20 في المئة إلى 21 في المئة، ورفع نسبة العاملين في الشركات الصغيرة والمتوسطة من إجمالي العاملين في القطاعين الخاص والعام من 51 في المئة، إلى 53 في المئة، وهي أهداف طموحة يشكل إنجازها تحدياً للوزارة». ولأهمية التكاليف ذكر البوعينين أن الحكومة سعت إلى خلق وفر في نفقاتها من خلال الترشيد وإعادة استخدام ذلك الوفر لتمويل البرنامج، إضافة إلى تحمل القطاع الخاص جزءاً من التمويل فيما يرتبط به من مبادرات، لافتاً إلى أن الوزير محمد آل الشيخ أكد أمس، أن الأثر المالي للبرنامج سيكون محدوداً جداً على موازنة الدولة، إذ ستناهز كلفته 270 بليون خلال السنوات الخمس المقبلة، التي تمثل عمر البرنامج، مشيراً إلى أن احتواء البرنامج على 534 مبادرة يتم البدء فيها العام الحالي ليس بالأمر الهين. وهذا يتطلب جهداً استثنائياً من الوزارات والمؤسسات المعنية بتنفيذ تلك المبادرات. فيما أشار إلى أن التنفيذ هو المحك الرئيس للحكم على جودة تلك البرامج، غير أن البدايات ستكون صعبة دائماً، ثم تتحول مع مرور الوقت إلى ثقافة عمل تدفع نحو إنجاح البرنامج.