صرفت المؤسسات الاعلامية الحزبية في العراق عشرات الصحافيين والمصورين من وظائفهم خلال الاسبوعين الماضيين، بعدما كرّسوا جهودهم لخدمتها طوال السنوات الماضية. وجاء هذا الاجراء بعد مصادقة المحكمة الاتحادية على النتائج النهائية للانتخابات، ومعرفة المسؤولين الحكوميين المشرفين على تلك المؤسسات لتمثيلهم الحقيقي في البرلمان الذي روجت له المؤسسات التابعة لهم على مدى شهور طويلة بدأت قبل انطلاق الحملة الدعائية للانتخابات وانتهت بإعلان النتائج والاعتراض عليها. واليوم صرفت تلك المؤسسات أكثر من نصف العاملين فيها تحت ذريعة ضغط النفقات بعد انتهاء المعركة الانتخابية التي استنزفت طاقاتهم للدفاع عن زعماء السياسة من قادة تلك المؤسسات الصحافية والفضائيات. وعلى رغم انتقاد بعض الصحافيين المستقلين لزملائهم العاملين في صحف حزبية، إلا ان هؤلاء يؤكدون ان العمل خارج إطار المؤسسات الإعلامية الحزبية أقل ضماناً لأن المؤسسات المستقلة غالباً ما تشهر إفلاسها بعد أشهر قليلة. فالصحف والمطبوعات التي غزت المشهد الاعلامي في العراق بعد سقوط النظام لم تصمد كثيراً ولم تبق سوى تلك المرتبطة بمصادر تمويل ثابتة، كصحف الأحزاب، والصحافة الممولة حكومياً، وهذه الصورة دفعت الإعلام الحر خطوات الى الوراء. وهناك امور اخرى ساهمت في تراجع الاعلام الحر، فمن بين الكم الهائل من الصحف المطروحة في اكشاك البورصة في بغداد، تكاد تكون أعداد الصحف المستقلة التي تنتهج طابعاً مهنياً صرفاً، قياساً بالصحف التي تعبر عن ايديولوجيات وخطابات سياسية معينة رقماً غير مذكور. ويقول سرمد حسام احد الصحافيين الذين تم صرفهم من قناة «الرشيد» ان القناة دفعت رواتب مغرية لاستقطاب الصحافيين من فضائيات أخرى وبعد مرور تسعة اشهر على عملهم فيها اقدمت على صرفهم من العمل من دون دفع أية تعويضات. ويضيف: «أصبح الصحافي العامل في وسائل الإعلام الحزبية كالبوق الذي يستخدمونه لمدة قصيرة للتطبيل للمسؤول قبل انتفاء الحاجة اليه ورميه عند وصول المسؤول الى مكان محدد». وطبقاً لإحصاءات سابقة أعدتها جمعيات متخصصصة، فإن أكثر من 90 في المئة من الصحافيين العراقيين يعملون في مؤسسات إعلامية حزبية أو شبه حزبية أو يعملون في شبكة الإعلام العراقي، الممولة من الدولة، والتي تضم صحيفة «الصباح» اليومية ومجموعة من القنوات التلفزيونية، فضلاً عن مجلة «الشبكة العراقية»... وغيرها. ويرى وسيم سامي، وهو احد المصورين الصحافيين الذين صرفتهم قناة «بلادي»، ان الصحافي العامل في وسائل الاعلام الحزبية يصبح تابعاً لسياسة الوسيلة التي يعمل فيها، والتي غالباً ما تنتهج أسلوب إسقاط الآخر وتبتعد عن الحيادية والموضوعية في شكل كبير. ويؤكد سامي وجود لائحة او دليل في كل قناة حزبية يحتوي مصطلحات محددة يتوجب ان يتقيد بها العاملون عند كتابة موادهم الصحافية، فضلاً عن وجود خطوط حمر يتوجب على الصحافيين ألا يتخطوها، وهي تتغير بتغير موقف السياسي صاحب القناة من بقية الأطراف السياسية الأخرى. ويتهم المراقبون للمشهد السياسي العراقي وسائل الإعلام الحزبية بتأجيج المواقف في الأزمات السياسية، فضلاً عن دورها في تغذية الاحتقان الطائفي في البلاد في الاعوام التي تلت سقوط نظام صدام حسين، بعدما قسمت تلك القنوات الى مشاهدين متابعين لقنوات ناطقة باسم طوائفهم وعرقياتهم ويهاجمون القنوات الاخرى المغايرة لاتجاهاتهم. ووسط هذه الصراعات بقيت هناك وسائل اعلام مستقلة تتحدث باسم الجميع وتحاول تجنب «الكارثة الطائفية». أما النسبة الضئيلة من الكتاب والإعلاميين ممن يمارسون الكتابة الحرة، فهم يعتمدون على مصادر عيش أخرى. ويعدون الكتابات التي ينشرونها نوعاً من الحضور في الوسط الاعلامي والثقافي ولا يهتمون بقيمة المكافآت التي تمنحها لهم المؤسسات الاعلامية، والتي تتفاوت قيمتها من مؤسسة الى اخرى. وعلى رغم توجيهات الحكومة العراقية أخيراً بفسح المجال أمام الصحافيين لممارسة عملهم بحرية تامة واحترام حقهم في الوصول إلى المعلومة تماشياً مع التحول الديموقراطي الجاري، فإن تلك التوجيهات غالباً ما تصطدم برغبات بعض الساسة بكم الأفواه الاعلامية عندما تتعارض مع مصالحهم او عندما يفضح الاعلام ممارسات مستورة لبعضهم . ومن تبعات هذه المسألة، تعرض الصحافيين للضرب على يد مرافقي المسؤولين، وقيام بعضهم بمقاضاة وسائل الاعلام او الصحافيين عند نقلهم بعض الاخبار او كتابتهم عن ظاهرة معينة. وفي ضوء ما يحدث في البلاد، فإن من الصعب ادعاء وجود سياقات مهنية واضحة تحكم علاقة المسؤولين او المؤسسات الحكومية بالصحافيين، خصوصاً الأمنية منها. فهناك اختلاف في آليات التعامل الرسمي مع الصحافي أو جهته الإعلامية، بحسب المؤسسة الحكومية أو الوزارة ومستوى وعي المسؤولين العاملين فيها، وكذلك بحسب أهمية الجهة الإعلامية التي يعمل فيها الصحافي. وموقف المسؤول الحكومي منها. وفي حالات قليلة ينال الصحافي تسهيلات عملية أو فرص ذات امتيازات خاصة بحكم علاقاته الشخصية مع المسؤولين الحكوميين، لكن ذلك يولّد غالباً صحافيين تابعين.