الحديث مع الأموات صيغة أدبية ملفوفة بالأطياف، فالأموات سبق وجودهم الراغب في الحديث معهم، والراغب الغريب له زمن لم يعرف الأموات. «حين كانوا هنا لم نكن معهم، وحين أردنا أن نكون معهم كانوا قد رحلوا». يقول المشدود إلى رغبة مستحيلة، فلا وجود لحي ينطق الراحلين، ولا لميت يتمتع بنعمة الكلام. تثير شهوة الكلام مع الذين التحقوا بالتراب إيحاءات متعددة: فالراغب في الحديث مع الأموات ضاق بالأحياء وزهد بالحوار معهم، فليس في «الآن» ما يلبي الروح، وهو باحث عن معرفة لن يجدها إلاّ «هناك»، فلو كان في الهواء الطلق ما يرضيه لما هجس بأركان معتمة. وهو لا يتحمّل الصراخ والمقاطعة، ذلك أنّ الأموات صامتون لا يقاطعون أحداً. كتب الإيطالي ميكيافيللي وهو يهجس بحديث مختلف: «أرتدي لباساً محتشماً جيد المظهر، وأدخل إلى بلاط الرجال القدماء، كي أتكلّم مع الأموات، حيث يستقبلونني بحفاوة، وأتغذى بطعام أعد لي وحدي،...، أنسى كل الأوجاع، ولا أخشى الفقر، فالموت لا يخيفني. ثم أعهد بنفسي كلياً إليهم». لكأن على الذي يريد أن يتحدّث مع «الرجال القدماء»، أن يصير إنساناً آخر، يميت في نفسه، موقتاً، رغبة الحديث مع الأحياء، ويجلس صامتاً أمام أموات استراحوا في صمت طويل. اعتمد يورغن بيترز، أستاذ نظرية الأدب في جامعة «جنت» - بلجيكا، على كلام ميكيافيلي لبناء كتابه «الحديث مع الأموات» (مطبعة جامعة ادنبرة) - راجعاً إلى نصوص أدبية لمجموعة من المؤلفين: بترارك، فلوبير، رولان بارت، ستاندال، والتر بنيامين والمؤرخ الفرنسي ميشليه وغيرهم. وما قال به الإيطالي، صاحب كتاب «الأمير» - مجاز أدبي، يقرأ قوة الماضي واستمراره في الحاضر، وقوة الأدب التي تنسج حواراً فاتناً بين أحياء وأموات، أو بين أموات كانوا أحياء وأحياء في طريقهم إلى الموت، كما لو كانت رصانة الموت تقنع البشر جميعاً بلا برهان. والأمر لا تنقصه المفارقة، وإن كانت ساخرة، المسكونة بالعدم، ذلك أن في الحديث صوتاً، والأموات لا أصوات لهم. ولهذا يبدو المتحدث مع الأموات صوتاً وحيداً، مرتاحاً مطمئناً، كما قال ميكافيللي، إلى أن يدرك أن للأموات أصواتاً، تصدر عن آثارهم المتمثلة في الرسائل والقصائد والروايات، بل أنّ صوتهم الأخير ماثل في «الإيحاء» الصامت، لا في ما يمكن لمسه. ففي ذلك الموروث الكتابي، الضاج بالأصوات، لا يترك المؤلفون أصواتهم، بل أصوات ما كتبوا عنه من بشر لهم عقليات مختلفة، ومن أبنية كانت شاهقة وأحنت رأسها، ومن غبار شفيف لامسته أقدام، كانت «هنا» وانتقلت إلى «هناك»، ولم ترجع. يوجد صوت المؤلف واضحاً، فهو إنسان كالآخرين، قبل الكتابة، ويغدو بعد الكتابة صوتاً آخر، امتزج بأصوات الذين كتب عنهم، فأصوات الأموات لا تأتي إلا من النصوص، بقدر ما أن تاريخ الأدب من تاريخ الأصوات التي كتب عنها، التي هي آثار اندمجت في آثار. وفي أصوات الأموات التي حفظتها النصوص ما يثير القشعريرة. ولهذا أعطى يورغن بيترز الفصل الثالث من كتابه عنواناً منتظراً: «قشعريرة التاريخ: فلوبير، ميشيليه وكيتس»، يقول فلوبير: «أعتقد أحياناً بأنني عشت في أزمنة منقضية عدة، بل أنني أحتفظ منها بذكريات». والقول متصل بعام 1840، حين كان شاباً، ويرتبط بزيارته جنوبفرنسا، حيث زار مدرّجات رومانية ووقف في ساحاتها، ودخل إلى طيّات الزمن ولمس أطرافه. تذكّر صاحب «مدام بوفاري» إيقاع الخطى والأقدام الراحلة، وذلك الغبار الناعم الذي لامس أقداماً جاءت ورحلت، وتحوّلت إلى غبار. ترجم فلوبير، صاحب الرواية التاريخية «سلامبو»، قوة الماضي، الذي يرحل ويرفض الرحيل، تاركاً وراءه حجارة تتحدّث عنه، وإنساناً من الحاضر يعتقد بأنه عاش في الماضي. وما هذا الماضي الذي يبدو حاضراً إلا ما خلّفه من «أصوات» أي تلك الآثار التي ترشد من يتبعها، وتضع روح إنسان مضى في روح إنسان لا يزال حياً يسعى. وهذا «التقمّص» القائم والمستحيل معاً هو الذي يطلق «قشعريرة التاريخ»، حيث للأطياف صوت وللأشباح حضور، وحيث الأطياف والأشباح أصوات تجربة محسوسة اعترف بها المؤرخ الهولندي يوهان جيزنجا، تتلبس الإنسان وتمحو المسافة بين الحاضر والماضي. اعتبر الشاعر كيتس، مع غيره من الرومانسيين، أن الخيال الشعري، يُنطق الأحياء والأموات معاً، وأنّ الشاعر يحمل صوت الآخرين الراحلين، وأن في أصواتهم الماضية مكاناً لصوته أيضاً. آمن الرومانسيون، في فرديتهم الواسعة، بإمكانية خلق العوالم المختلفة، التي تضع الأدب فوق التاريخ، وتعلن عن تفوّق الأول على الثاني. فإذا كان المؤرخ ينتقل من «قبر» إلى آخر، باحثاً عن «وثيقة»، فإن الأموات في الفضاء الأدبي تحولوا «مبدعين» ومصدراً للإبداع، يوقظون أزمنة متعددة، ويتحصنون بالصمت. أما ت. س. إليوت، الشاعر الذي كان يخشى أفول الثقافة الغربية، فرأى في قصيدته «الأرض الخراب» أن الشعر يتسع للحياة والموت، والنمو والاضمحلال والبعث والانهدام، وأنه يدع للأموات مساحة واسعة من القصيدة. عاين إيليوت الأموات وضرورة استمرارهم في الأحياء، إذ كل جيل يواجه الموت وهو يوقظ الأجيال التي سبقته، مساوياً بين الحياة ومجابهة النسيان. لمح إيليوت انطفاء الشعراء كأشخاص وقرأ توقّدهم في قصائدهم، ذلك أن الشعراء يتخلّون عن شخصياتهم وهم يخلقون الشعر، ويستعيدونها في عملية القراءة التي هي حوار مع النصوص ومع العناصر الشعرية التي اندرجت فيها، الممتدة، ربما، من هوميروس إلى دانتي ومن حكمة اليونان إلى الإبداع الغربي الأخير. ولهذا يكون في الشعر ذاكرة جمعية، يتمازج فيها القديم والحديث، والأحياء والأموات، وأحلام ماضية تستكمل صوتها في أحلام جديدة. كان الإيطالي غرامشي يتحدث عن «ترهين الموروث» أي عن الأحياء الذين يستدعون الأموات إلى حاضرهم ويعلمونهم كلمات لا يعرفونها. هذا ما يقول به الفرنسي رولان بارت: «الصوت نتاج كلمات تمنحها قراءتنا لها حياة متجددة»، فالكلمات لا تنبثق من الأفكار والأحاسيس، إنما تجيء من القراءة. انفتح بارت على «حيّز الأموات» اعتماداً على مفهوم الصمت، ذلك أنه لا قراءة ولا كتابة إلا في فضاء قوامه الصمت: «أن تكتب يعني لزوماً أن تبقى صامتاً، أن تكون صامتاً كالأموات»، ما قاد الناقد الشهير إلى فكرة «موت المؤلف»، التي تعني في الوقت نفسه «ولادة القارئ». واتكاء على هذا الصمت الذي ينطوي على القراءة والكتابة، وعلى الميلاد والموت، يعين الكاتب موقعه في علاقته بالزمن الذي يعيش، وبالأزمنة التي قادت إليه. كيف يُقرأ الأدب اعتماداً على فكرة الكلام مع الأموات؟ ولماذا يعطي الأدب الماضي صوته الأكثر وضوحاً وعلواً؟ ومن هو الميت الذي يعطي للأديب معرفة مفيدة؟ وهل تأتي قوة الأدب من قوة الماضي الذي يرسمه، أم أن في الماضي قوة تعيد بناء المتخيل وتحرره من الأشياء اليومية؟ ولماذا يبدو الأموات قوة خالقة تتوزّع على الرواية والقصيدة ونصوص المؤرخين الكبيرة؟ هذه هي الأسئلة التي طرحها يورغن بيترز في كتابه «الكلام مع الأموات» وأجاب عنها، متوسلاً معرفة رحبة في الأدب والتاريخ والفلسفة، وأسلوباً ينوس بين النثر والشعر والمقولات الفلسفية.