كل صباح أمسك بالقلم والورقة وابدأ بكتابة رسالة إلى نفسي. لا تستغرب! نعم، إلى نفسي، أخط بها قلقي وأرقي وانفعالاتي، وأحدثها عن كل ما يشغل عنّات النفس. أشتم على الورقة من أُريد، أُفرِّغ غضبي على من زعّلني وكسر خاطري، أُحلل مشكلة صادفتني، ثم أُمزق الورقة حتى لا يبقى حرف مفهوماً. فإن كنت لم أعد أئتمن أحد على سرّي، فكيف لي أن أدعهم يلصقون وريقاتي ويعرفون أعماق ذاتي، ذاتي التي أصبحت هاجسي؟ نعم فأنا في الآونة الأخيرة شعرت بأنني أُصبت بداء تضخم الأنا، وكأنه لم يعد على هذه المعمورة من كائنات ومخلوقات سوى وفاء. ولذا قررت هذا الصباح أن أكتب إلى وجوه مختلفة من الناس تُصادفني حتى أتذكّر أنّ هناك بشراً معي على هذا الكوكب الأرضي، وبدأت برسالة إلى ماسح الأحذية: «التقيتك البارحة... تأملتك بفضولي المعهود... كنت منهمكاً في تلميع حذاء ما من أحذية أحد البشر في هذا العالم! وتنتظر بفارغ الصبر قِطَع النقود التي ستتسلمها لقاء جهدك. حكماً لم تعرفني، لم تنظر إلى وجهي... لأنّ وجهي لا يعني لك شيئاً ولا أعني أنا لك شيئاً ولا أُمثِّل قضية لك... إنه حذائي الذي يعنيك. معذورٌ أنت، لديك أسرة بانتظار أرغفة الخبز وعقاقير الدواء وملابس تكسو أجسادها، معذورٌ في دعائك ألاّ يبقى حفاة على الأرض!». ثم كتبت رسالة إلى عالِم: «أراك في هذه اللحظات منكباً على أوراقك ومعادلاتك وأرقامك، وتجاعيد وجهك ستائر تحجب الآخرين عنك. بعد قليل تتوصل إلى اختراع جديد. لا أستطيع أن أؤكد ما إذا كان في مجال الطب أم في الكيمياء أم في عِلم آخر. لكن غداً صباحاً تفيق الأرض على دويّ اختراعك، وتنقله وكالات الأنباء وأجهزة الاعلام في أنحاء المعمورة. ستُحدث نقلة نوعية في حركة الناس وتطلعاتهم. كل ما يمكنني أن أقوله: ليتني امرأة من العصر الحجري». ثم إلى عاملة قاعة الأفراح التي صارحتني: «منذ أول لقاء شعرت تجاهي بالاطمئنان، ومن دون مقدِّمات ومجاملات بدأت تتحدثين عن نفسك وعن يومياتك، وأنا أُنصت. لفتني عملك الليلي تحديداً، تصلين إلى القاعة الساعة التاسعة، تقفين في ركن قبالة المدخل، تفد المدعوّات تباعاً، تتناولين منهن العباءة تلو الأخرى، تدلفينها مبتسمة لوجوههن ولربما لأموالهن المنسلّة من الجيوب المقفلة، ولو أعطتك إحداهن، تدسينها فرِحة، وفي النهاية تحصينها. ويبدأ لديك الحلم... ليت العباءة تكتب يومياتها. ثم كتبت رسالة إلى صحافي: «لا أحسبك تشعر بالملل، لأنك ومنذ أن تفتح عينيك، تبدأ بالمطاردة، تقتحم خلوات الآخرين، تدخل مطابخهم وغرف نومهم ومكاتبهم وتفتح أدراجهم، تصوّر وتصوّر وأنت تشعر بنشوة الانتصار وتحقيق السبق الصحافي، لأنك بعد أيام ستحصد المزيد من الشهرة ورسائل المعجبين من القراء. انتبه ثمة كاميرا موجهة إليك!». وهكذا اخترت شخصيات وبدأت أكتب إليها وبها، وأعيش مشكلاتها، وكم أرحت نفسي: هكذا إذاً يوجد بشر غيري، لهم مشكلاتهم وقصصهم وحكاياتهم، يوجد غيري، ما أحلى هذا الاكتشاف الذي بدأ يُغيّر حياتي. خلف الزاوية كتبت وعبأت نصف دفاتر هذا الوجود أُعبّر شِعراً ونثراً... هوى... وأُمنيات وحين لمست يديّ سطراً وحيداً كتب إليّ محوت قصائد عمري العتيد ودونت سطراً وحيداً [email protected]