روعة العمارة وفن استغلال المساحات الصّغيرة على قمم الجبال بشكل هندسي بديع تجلّت في عدد من القرى التّراثية بمنطقة الباحة حيث نشاهد المباني الحجرية القديمة بمداميكها السّميكة وأبوابها ونوافذها الخشبيّة المتينة والمزيّنة بالزّخارف الفنيّة مثلما تزيّن الأجوان بأحجار المرو الأبيض على شكل مثلّثات لتعطي جمالا أخّاذا لتلك المباني . فعندما تقف أمامها تعلم أنّك أمام عمل فنّي مدهش يسترعي انتباهك ويشدّ نظرك للتّأمل في جميع تفاصيله الجميلة . وقد أدركت تماما مقولة الأمير سلطان بن سلمان الرّئيس العام للهيئة العامة للسّياحة والآثار التي يردّدها في أكثر من مناسبة بأنّ التّراث العمراني في المملكة هو النّفط القادم , لأنه من الكنوز الّتي لم تستثمر بعد . وستكون محرّكا للسّياحة بشكل فاعل لا سيّما وأن عناصر التّراث تعدّ من أهم عوامل الجذب بالنسبة للسّياحة العالميّة والمحليّة . وهو ما دفع بعض المهتمّين في منطقة الباحة للعناية والاهتمام بقراهم القديمة لتأهيلها بصورة مناسبة وتوظيفها بما ينسجم مع طبيعتها والحفاظ على قيمتها التّاريخية والأثريّة والجماليّة . إذ تبرز أهمية الحفاظ على التّراث العمراني باعتباره الرّافد الأساسي للتّنمية الاجتماعيّة والاقتصاديّة لأهالي تلك المواقع . وما شاهدته في قرية الأطاولة بمنطقة الباحة بمبانيها البديعة وحصونها السّامقة يدعو للارتياح . فقد انبرى ثلّة من الرّجال النّابهين المخلصين لهذا العمل الوطني الرّائع لإعادة الرّوح إلى قريتهم التي كانت نابضة – فيما سبق – بسوقها العامرة حينما كانت مقصدا لبعض سكان زهران وغامد للبيع والشّراء ومعرفة الجديد من الأخبار , يضاف إلى ذلك مزارعها الوفيرة وتاريخها الذي لا ينفصل عن تاريخ زهران المجيد وأهلها الطّيبين . يتقدّم أولئك المؤرّخ المعروف الأستاذ علي سدران والباحث المثقّف الأستاذ عبد العزيز شلحان والرّجل الدّيناميكي الأستاذ عبد العزيز القبيبي رئيس نادي العميد سابقا . يجمعهم الحس ويحركهم الحرص لخدمة ديرتهم والتّعريف بها وبماضيها والعمل على إعادة النّبض لها من جديد . حيث كانت لنا جولة ممتعة في جنبات تلك القرية وداخل بيوتها وطرقاتها المرصوفة بالأحجار بشكل يدعو للانبهار شممنا فيها عبق الماضي وشذى التّاريخ وهم يقدّمون شرحا وافيا عن الحصن المشيّد ( بيت المشيخة ) بتميّزه وشموخه وطبقاته المتعدّدة وكل ما يتّصل به من ملاحق وما يحيط به من أبنية أخرى ذات فرادة وجمال ومنها المسجد الأثريّ ببنائه الفسيح وأعمدته الخشبيّة الكثيرة وبئر الماء التي يتمّ تعبئتها في الغالب من مياه الأمطار بتصريف ما يقع على الأسطح لتغذّي الميضأة بدلاء الماء التي تندلق بشكل حلزوني لتتاح الفرصة لعدد من المتوضّئين في وقت واحد , وما أعد حولها من أماكن للغسل للمسافر وابن السّبيل ...وتتبعها أيضا المدرسة الأولى التي كانت واحدة من الكتاتيب في وقت مضى للبنين والبنات , يفصل بينهما رصا خشبيا من جذوع الأشجار . ويتبع ذلك القصر العديد من العناصر مثل غرف المواشي والأعلاف في الأدوار السفلية وغرف سجن المخالفين وأسطبل الخيل وساحة الاجتماعات وعقد المشورات لكل ما يخص القرية والقبيلة من بعدها . وهدف أولئك المثقّفين أن تكون تلك الأعمال مقدّمة لتدخل الهيئة العامّة للسّياحة والآثار لتأهيلها وتوظيفها بشكل مدروس والعناية بها كواحدة من القرى التراثّية المهمة . ونأمل أن يكون ذلك قريبا لخدمة السّياحة في منطقة الباحة . [email protected]