شهدت السنوات العشر الأخيرة انفتاحا واسعا للمواطن السعودي على وسائل الإعلام الخارجية خاصة التلفزيون، بعد أن أصبح الفضاء مفتوحا للجميع، وبالتالي تعددت الخيارات أمامه، ليستمطر من الفضاء الواسع ما يناسبه، وينسجم مع خلفيته الاجتماعية و الثقافية، فأصبحنا أمام عدة شرائح من المشاهدين، قد تعني عدة شرائح اجتماعية. ويمكن بهذا الصدد أن يرصد المتابع عدة فئات أو شرائح من حيث نمط المشاهدة، ويتحدد ذلك بموجب موجهات ثقافية أو اجتماعية ولربما أيديولوجيات متباينة، بعد أن ترك الخيار للمواطن بأن يشاهد ما يروق له، وتتوق إليه نفسه. حيث يمكن تقسيم تلك الجماعات إلى شريحة تقتصر على التلفزيون السعودي، وشريحة ثانية تقتصر على قنوات المجد وباقاتها فقط، ولا تشاهد التلفزيون الرسمي، و شريحة ثالثة انفتحت على الفضاء العربي والأجنبي انفتاحا انتقائيا تبعا للتوجه الإيديولوجي والفكري والفئة العمرية وغيرها من متغيرات، و شريحة رابعة انفتحت على ذلك الفضاء انفتاحا مطلقا لا يحده حدود. فضلا عن وجود قنوات خاصة بالشباب، وأخرى خاصة بالأطفال والفتيان، إلى آخر الشرائح العمرية، وأصحاب الاهتمامات المختلفة. هذه المشاهدات المختلفة تجسد وضعا اجتماعيا متباينا قد يتجذر مع الوقت ويكون عامل تباعد ثقافي. هذا يعني أن الرسالة الإعلامية التي كانت واحدة يقدمها التلفزيون الرسمي قد تشظت في ظل حضور قوي لعدة رسائل لا تحمل نفس المضمون المنسجم، بل تحمل مضامين متباينة ومتناقضة يضرب بعضها بعضا. وهذا يضعنا أما حقيقتين ؛ أولهما أن المجتمع لم يعد متجانسا بالكامل وإنما هو في حالة تحول إلى حالة من التنوع الثقافي النسبي من خلال الثقافات الفرعية التي تتعايش جنبا إلى جنب وهي سمة من سمات المجتمعات الحديثة، وقد تكون مصدر ثراء ثقافي. ثانيهما أن الرسالة الإعلامية الرسمية الموجهة التي يقدمها التلفزيون السعودي تتعرض لتشويش وتعتيم من قبل رسائل متعددة ليست بالضرورة منسجمة معها. هذا يضعنا أمام التساؤل التالي: كيف يتسنى للرسالة الإعلامية الرسمية الموجهة أن تصل إذا كان نصيبها من وقت المشاهد السعودي قليل أو غير كاف إن لم يكن معدوما في بعض الحالات والأوقات !؟ بطبيعة الحال التلفزيون الرسمي ذو رسالة موجهة ، تتكامل مع وظائف جهات حكومية أخرى، ساعية إلى تكوين رأي عام موحد، وبناء أنماط سلوكية مرغوبة. ووجود قنوات أخرى يؤثر على انسيابية تلك الرسالة التي قد لا تلقى القبول نفسه لدى جميع الشرائح، وليست مغرية بالدرجة الكافية لجذب بعض الفئات . وهنا يكون التلفزيون أمام خيارين أحلاهما مر: أما أن يستعير بعض عناصر الرسائل الإعلامية لجهات أخرى مما يعني فقدان الهوية والتخلي عن رسالته وهذا غير وارد بتاتا، أو أن يبقى على حاله محافظا على الشريحة التي مازالت ترتبط به وينظر إليها وهي تتسرب شيئا فشيئا إلى محطات أخرى وبالتالي شرائح أخرى وأنماط أخرى متباينة من السلوك والتفكير، أو أن يأخذ ببعض المطالب المعقولة التي يرغبها البعض، وتتماشى مع ثقافة وطبيعة المجتمع .. وهناك من يرى أن يتم تطوير الأسلوب أو الشكل فقط دون مضمون الرسالة الموجهة التي يقدمها التلفزيون السعودي، وأن ذلك كفيل بالحفاظ على ما تبقى من متابعين له. ونتفق على أهمية وصول تلك الرسالة بالكثافة المطلوبة، وهذا الأمر يحتاج إلى دراسات مستفيضة تأخذ بالاعتبار تلك الأهمية وضرورة وصول مضمون الرسالة الرسمية إلى المواطن في انسيابية وسط حشد هائل من الرسائل المشوشة، في ظل تعدد الخيارات أمامه، وعدم القدرة على الحجب، وخطورة ذلك على السلوكيات والهوية الوطنية، خاصة وأن الإعلام يلعب دورا مهما في تشكيل الحس الوطني لدى المواطن، خلال مراحل حياته خاصة سني الطفولة الأولى. عبد الله العرفج [email protected]