يواصل البروفيسور عبدالرزاق سليمان أبوداود حديثه عن جدة وتاريخها ونشأتها، مبينا أن المؤرخين ذكروا أن جدة من أقدم المدن في التاريخ الحديث، وظلت في تطور من عصر إلى عصر. فقد كانت قرية صغيرة في بادئ أمرها قبل ظهور الإسلام بسنوات طويلة، تسكنها وتحكمها قبيلة قضاعة القديمة، مشيرا إلى الآثار التي وجدت ودلت على ذلك، إذ إنه ما زال الكثير منها محفوظا في المتحف الوطني بجدة. وتابع البروفيسور أبو داود حديثه قائلا: «لقد أكدت الآثار أن نشأة مدينة جدة تعود إلى ما يقارب ال3000 سنة، على أيدي مجموعة من الصيادين كانت تستقر فيها بعد الانتهاء من رحلات الصيد، ثم جاءت قبيلة قضاعة إلى جدة قبل أكثر من 2500 سنة، فأقامت فيها وعرفت بها، حيث يقال إنها سميت بأحد أبناء هذه القبيلة وهو (جده) بن حزم بن ريان بن حلوان بن عمران بن إلحاف بن قضاعة. وأضاف، أن (الهمداني) ذكر في (صفة جزيرة العرب) أن «آدم عليه السلام تمنى رؤية حواء بمنى فسميت منى بذلك، وأقبلت من جدة، فتعارفا في عرفات» ويضيف (الهمداني) في موقع آخر، أن شاعرا حجازيا جاهليا هو (العجلاني) قال شعرا يعارض به شاعرا آخر من نجد بقول فيه: فالفقيان من خدارق فالفرش فهاتلك جدة القوراء، وهي أقوال تدل على وجود جدة قبل بزوغ فجر الإسلام بزمن. والحديث لا يزال للبروفيسور أبوداود، فيقول: يشير الحموي في (مجمع البلدان): «أن جدة بالضم والتشديد هي في الأصل الطريقة والخطة (ميناء) مكةالمكرمة وينسب إليها جماعة منهم الجدي والعليمي والعتيقي والقطان، والسمرقندي». وقد أشار (البتنوني) إلى أن (البكري) في معجمه وصف جدة بالضم وبأنها: أول (أقرب) ساحل مكة، سميت بذلك لأنها حاضرة البحر والجدة من البحر أو النهر هو ما يلي البر وأصل الجدة الطريق الممتدة. وقال إن جدة مدينة عريقة في تاريخنا، حيث تمتد بجذورها إلى حدود 1400 سنة، إذ تم تدشينها لتكون بوابة رسمية للحرم المكي الشريف في عهد الخليفة عثمان رضي الله عنه سنة 26ه، ليتحول معها حالها من قرية بحرية صغيرة إلى مدينة ترسو فيها كل سفن الحجيج، وتستقبل كثيرا من السفن التجارية، وتحل فيها منذ بدايات القرن 19م العديد من الممثليات الدبلوماسية لعدد من الدول الأوروبية. والواقع أن معظم المصادر التاريخية قديمها وحديثها تشير إلى الأهمية السياسية والدينية والتاريخية والتجارية لمدينة جدة، باعتبارها بوابة الحرمين الشريفين، وأقرب المدن الساحلية إلى مكةالمكرمة، وقد لعبت بالفعل دورا سياسيا كبيرا، من خلال القنصليات والسفارات والبعثات الأجنبية بها، وتقاطر ملايين الحجاج والمعتمرين عبر مينائها إلى كل من مكةالمكرمة والمدينة المنورة. ويقول البوفيسور داود، أن جُدّة (Juddah)، تنطق كما شدد (ياقوت الحموي) في (معجم البلدان) على أنه الاسم الصحيح للمدينة، بضم الجيم وبعدها دال مشددة وتاء مربوطة، و لا يصح لغة غيرها. إلا أن أهالي جدة ينطقونها جِدة بكسر الجيم وفتح الدال، وبعدها تاء مربوطة وهو الأصح بين العامة الآن. وتشير بعض المصادر بغرابة إلى أن مدينة جدة ظهرت قبل 3000م سنة قبل الميلاد بعد انهيار سد مأرب في اليمن، ونزوح الأقوام والقبائل من اليمن إلى موقعها، وهذا ما دلت عليه الآثار في الشمال الشرقي في «وادي بريمان» من جدة، وقد تضمنت هذه الآثار على كتابات ثمودية في بعض جبالها الشرقية. كما أنها، والحديث لا يزال للبروفيسور أبوداود، ظلت في كل التاريخ والحقب المتعاقبة تمثل ثقلا سياسيا وثقافيا وتجاريا كبيرا في المملكة، وبل تعتبر أحد أهم ثلاثة أقاليم حيوية بالمملكة، ونظرا لأهمية مدينة جدة القديمة ثقافيا، وعمرانيا، وأثريا، وسياحيا، فقد ترسخ اتجاه جيد للمحافظة عليها، بالإضافة إلى التوسع في استخدام مبانيها القديمة في أغراض أخرى غير السكن، لإضفاء حيوية الحركة عليها، كإنشاء المطاعم الشعبية، والمصانع التقليدية البسيطة، كما جرى إعادة تركيب أعمدة إنارة على الشكل القديم، وتشجيع ملاك المباني القديمة على صيانتها، وإمدادهم بالخبرة والاستشارة في هذا المجال.