أنجيلينا جولي تزور الجانب المصري من معبر رفح الحدودي مع غزة    النجمة يفرض التعادل على الخليج في الدقائق الأخيرة    إحباط تهريب (122,100) قرص خاضع لتنظيم التداول الطبي في عسير    «سلمان للإغاثة» يوزع (806) سلال غذائية في ولاية قندوز بأفغانسان    ليلة من الفرح والأصالة… صامطة تقدّم أبهى صورة للتراث الجازاني    حدائق جيزان تتجهّز… تزامنًا مع مهرجان جازان 2026    المعادن النفيسة تفتتح 2026 على ارتفاع بعد عام تاريخي    الأمن العام يشارك في تمرين «وطن 95» لقطاعات قوى الأمن الداخلي    خطيب المسجد النبوي: ادعاء علم الغيب كفر ومنازعة لله في ربوبيته    حقيقة اقتراب الشباب من بن زكري        غيابات الأهلي أمام النصر في دوري روشن    "ختام العام" قصيدة للشاعر عبدالعزيز سليمان الفدغوش    دوري يلو 14.. أبها والدرعية ينتصران قبل القمة.. والعروبة يحسم الديربي    مجلس إدارة الجمعية التعاونية ببيشة يناقش الخطة الاستثمارية    خطيب المسجد الحرام: الضعف البشري يوجب التوكل على الله ويحذر من الإعجاب بالنفس    محمد بن بريدي الشهراني في ذمة الله        ارتفاع طفيف في أسعار النفط    هل ستقفز من الهاوية؟    ما بين الواقع والطموح.. اللاعب السعودي أمام منعطف حاسم    فِي الكَلِمَةِ وتَحَوُّلاَتِهَا    رواية (قلوب قاتلة).. بين أدب البحر والجريمة    تحليل الخطاب التلفزيوني    المحاكم من عامة إلى متخصصة    المملكة تعيد تعريف التنافسية غير النفطية    الإكثار من الماتشا خطر صحي يهدد الفتيات    هل تستطيع العقوبات تغيير مسار الصراع؟    البرازيل: المحكمة العليا تأمر بإعادة بولسونارو للسجن بعد خروجه من المستشفى    ترامب: أتناول جرعة أسبرين أكبر مما يوصي بها الأطباء    "هيكساجون" أكبر مركز بيانات حكومي في العالم في الرياض    نائب أمير الشرقية يطلع على مبادرة "مساجدنا عامرة" و يطلع على أعمال جمعية "إنجاب"    فريق طبي ب"مركزي القطيف" يحقق إنجازا طبيا نوعيا بإجراء أول عملية استبدال مفصل    بنك فيجن يعزز حضوره في السوق السعودي بالتركيز على العميل    السعودية وتشاد توقعان برنامجا تنفيذيا لتعزيز التعاون الإسلامي ونشر الوسطية    نزاهة تحقق مع 466 مشتبها به في قضايا فساد من 4 وزارات    حرس الحدود يشارك في التمرين التعبوي المشترك «وطن 95»    كرنفال ال60 يوما يحيي ثراث وهوية جازان    إرشادات أساسية لحماية الأجهزة الرقمية    أمير القصيم يزور معرض رئاسة أمن الدولة    أطول كسوف شمسي في أغسطس 2027    مسابقة أكل البطيخ تودي بحياة برازيلي    في 26 أولمبياد ومسابقة آيسف العالمية.. 129 جائزة دولية حصدها موهوبو السعودية    «عالم هولندي» يحذر سكان 3 مدن من الزلازل    تلويح بالحوار.. وتحذير من زعزعة الاستقرار.. الاحتجاجات تتسع في إيران    "التعاون الإسلامي" تجدد دعمها للشرعية اليمنية ولأمن المنطقة واستقرارها    أكد أن مواقفها ثابتة ومسؤولة.. وزير الإعلام اليمني: السعودية تحمي أمن المنطقة    طالب إسرائيل بالتراجع عن تقييد عمل المنظمات.. الاتحاد الأوروبي يحذر من شلل إنساني في غزة    تخطى الخلود بثلاثية.. الهلال يزاحم النصر على صدارة «روشن»    عملية لإطالة عظم الفخذ لطفل    إجماع دولي على خفض التصعيد ودعم الحكومة اليمنية    أول عملية لاستبدال مفصل الركبة باستخدام تقنية الروبوت    نائب أمير تبوك يستقبل رئيس وأعضاء مجلس إدارة جمعية طفلي الطبية بالمنطقة    تكليف عايض بن عرار أبو الراس وكيلاً لشيخ شمل السادة الخلاوية بمنطقة جازان    «وطن 95».. تعزيز جاهزية القطاعات الأمنية    فلما اشتد ساعده رماني    باحثون يطورون نموذجاً للتنبؤ بشيخوخة الأعضاء    خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي العهد يعزيان أسرة الخريصي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الحجاج وإعادة قراءة التاريخ
نشر في الوطن يوم 18 - 02 - 2024

انتشرت مؤخرًا نقاشات متنوعة، حول عدد من الشخصيات التاريخية، وكان من هذه النقاشات ما تميز بمؤشر يدل على ارتفاع الوعي بضرورة إعادة قراءة التاريخ، وفق أسس جديدة تتجاوز رغبة العديد من المؤرخين، المتعلقة بالدعاية المذهبية أو السياسية، فهي تبحث وراء ما أراد المؤرخون إظهاره، فيما أرادوا إخفاءه، وليس المتلقي اليوم مقلِّدا يسلِّم بكل ما أراد المؤرخ أن يوصله عن شخصية، أو واقعة تاريخية، وليس ما يقدَّم من تحليل بالضرورة أن يكون صحيحًا، فقد أضحى عند المتلقي من الثقافة، والمعرفة، والعقل النقدي والتحليلي ما يجعله يتساءل، ولا يسلِّم بكل ما يقرؤه.
ومن ذلك التعرُّض لشخصية تاريخية مثل الحجاج بن يوسف الثقفي، فقد اعتاد كثير من الناس على أن يعزلوه عن الظروف التي أحاطت به، من الفتن التي اشتدَّ أوارها، وعصفت بالمسلمين في مختلف البقاع، وبعدها يسهل تصويره كأنه هو الذي افتتح سلسلة طويلة من سفك الدماء، ولا يسائل هؤلاء أنفسهم عن طريقة الحل التي يفترضونها في ذلك الزمن دون السياسة الحازمة التي انتهجها الحجاج بن يوسف الثقفي، بل إنَّ أغلبهم يتعاطفون مع سعيد بن جبير، ولما تسألهم عن موقفهم من خروج ابن جبير مع ابن الأشعث (83ه) قد يقولون اجتهد وأخطأ، فما الذي يريدونه ما دام ابن جبير أخطأ في خروجه ويقرُّون بهذا، ولكنهم في الوقت نفسه يخطئون الحجاج بل يزيدون على هذا برميه بكل نقيصة وعيب.
والوقوف خارج التاريخ سهل، أن يقول قائل: لست مع بني أمية، ولا مع خصومهم، وهذه الطريقة في التمنصف، إنما هي إمساك للعصا من النصف! وليست من الإنصاف في شيء، فهل يقف هؤلاء بهذا الحياد السلبي في مختلف القضايا؟ ولو صدقوا لم يكن ميلهم مع ابن جبير ولا الحجاج، أما أن يلينوا العبارة لواحد، ويتميّزوا غيظًا على الآخر، فأين التوقف في هذا؟ ولو أرادوا ذكر المظالم لذكروا ما ترتب على الخروج المسلح على الدولة الأموية حينها، من تسهيل النيل من العرب، حتى إنَّ الحركات الشعوبية جعلت شغلها الشاغل النيل من الحجاج، باعتباره عربيًا صميمًا لرفع قوميات غير عربية، وتحويل المسار إلى نعرات قومية معادية للعرب الحاكمين في تلك المرحلة.
وصحيح أنَّ التاريخ يشكّل ذاكرة الشعوب، لكنَّه يحتفظ كذلك في طياته بمواقفها المستقبلية، فمن يدين تاريخيًا الدولة الأموية، ويظهر التعاطف مع الخارجين عليها، إنما يحتفظ بمواقفه مؤجلة إلى المستقبل، وقد كتب التاريخ الذي وصلنا في المرحلة العبّاسية، وهم الذين لاحقوا بالسيف بني أمية في كل موضع، وأحلوا دماءهم وأموالهم، فكانوا خصومًا لهم، وفي تلك المرحلة العبّاسية انتعشت الفرق على تنوعها واختلافها، وكانت تحوي داخلها نعراتها القومية هي الأخرى وإن كستها بلغة دينية لتنفق بين الناس، وبهذا غُمط أقوام حقهم، ورفع أقوام فوق أقدارهم لأهداف دعائية، ولم يكن شيء من ذلك بريئًا.
ففي تلك العصور أصيبت أمزجة الكتابة بما يجعلها تكسو كل منتسب إلى الشرع هالة تحجب النظر إليه بموضوعية، وتجعل القارئين يميلون إلى سماع أخباره، ولا شك أنَّ ذلك ارتبط بتكوين المجتمع في العهد العباسي، حيث انتشرت الأوقاف التي تنفق على مختلف الطوائف والفرق التي تنتسب إلى العديد من المعظمين تاريخيًا مثل سعيد بن جبير، لكنّها لا تنتسب إلى خصوم العبّاسيين من بني أمية، وبهذا كان في مدح تلك الشخصيات، واختراع أحداث ليست حقيقية مثل القصة المزعومة عن الحوار الطويل بين ابن جبير والحجاج، وأنَّ الحجاج قال: ما لي ولسعيد بن جبير! ما يصب في مصلحة هؤلاء الحاكين، فقد كانت قصصهم تحمل رسائل مبطنة إلى السلطة العبّاسية بأنَّ اللعنات ستصب على كل من يمس واحدًا من تلك الطرق أو الطوائف، وأنَّ بقاء ملكهم إنما هو مرتبط بما يقدِّمونه من دعم وتسهيل لهذه الفرق والطوائف على اختلافها.
وكلما اختلفت التوجهات كان التركيز على شخصيات تاريخية أخرى، تخدم الهدف المراد منها، ومن ذلك إحياء الأتراك عبر التاريخ ذِكر فقيه الكوفة أبي حنيفة (150ه) ولم يكن هذا بريئًا، إذ إنه الإمام الوحيد من الأئمة الأربعة من أصل غير عربي، وكانوا بهذا يقرِّبون الفقهاء من الأحناف، حتى يتم قبول السلطة الأعجمية في المناطق الإسلامية على اختلافها، وعلى وجه الخصوص المنطقة العربية، التي نظرت بريبة إلى قدوم الأتراك، وهي التي تقرأ في تاريخها، أخبار كبار حكامها العرب الدهاة، فكان في تقريب الفقهاء غير العرب وإحياء الفقه الحنفي ما يخدم هذا، حتى إنهم خرَّجوا صحة الخلافة في غير العرب على المذهب الحنفي دون غيره، ولا تزال تركيا اليوم تمضي للاستثمار في هذا الخط، لما يتلاقى مع خدمة سياستها الخارجية، بما يدفع إلى قراءة جديدة للتاريخ، لا تتوقف عند ما كتبه المؤرخون الأوائل، بل تنشغل بتحليله، وتنخيله، ودراسة الأسباب الكامنة خلف السطور، ولا يتأتى هذا لكل أحد إنما لكل عقل نيّر يسعى للوصول إلى الحقيقة وترك التقليد.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.